مكثتِ الحملةُ الفرنسية في مصرَ ثلاثَ سنواتٍ من 1798 إلى 1801، لا يهنأُ لها بالٌ، ولا يستقرُ لها قرارٌ، ولا تطيبُ لها إقامة. أما الصعيدُ فقد أبادَ – وحدَه – حامياتٍ وفِرَقًا بأكملها من جنود الفرنسيس.

جاءَ المتطوعون من مسلمي الحجاز عبر البحر الأحمر لمشاركةِ إخوانهم المصريين في جهاد الفرنسيين.

أجبرتْ المقاومةُ المصرية قائدَ الحملة الأول أن يتركَها لمصيرها، ويرجعَ هاربًا إلى فرنسا في جنح الظلام كالمرأةِ المفضوحة، ثم قَتلوا القائدَ الثاني، واضُّطر القائدُ الثالثُ أن يُشْهرَ إسلامَه ليتقيَ به حرابَ المسلمين!

وحين جاءت حملة فريزر الإنجليزية 1807م هزمَها أهلُ رشيد، ثم جاء «محمد علي» إلى «رشيد» فَسَرَق النَّصرَ، ونَسَبَه لنَفْسِه، وعَقدَ صُلحًا مع الإنجليز ضمنَ لهم فيه خروجَ الآمن، وانسحابَ المطمئن. ولولاه ما عادَ بريطانيٌّ واحدٌ إلى أُمّهِ وزوجتِه!

كان هذا حالُ أمتِنا قبلَ كَسْرِ النفوسِ وقَهْرِ الرّجال. كان هذا حالُها قبلَ عَهدِ السِّجونِ والإهانةِ والتعذيبِ والتنكيل والتشريد والإبعاد.

كانتْ إذا طمِع العدو بأرضِها ** ثارتْ عليه قَويةً قهارة

أو صَاحتِ امرأةٌ تنادي مُنقذًا ** لبَّى بكلِّ سيوفِه البتارة

أين السيوفُ اليومَ أين المعتصم ** بل أين أين جيوشُه الجرَّارة

جاء «محمد علي» فقضى على الزعامات الشعبية، وهي شخصياتٌ قيادية تُفرزها الأحداثُ، فتتقدمُ وتقودُ دون أن يُقدِّمها حزبٌ، أو يُزكيها تنظيم، ( كحالة الشيخ حازم أبو إسماعيل)، وأمةٌ بلا قيادةٍ هي أمةٌ تائهة، لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، وحين تُغيَّبُ القاماتُ العالية يتصدرُ الأقزامُ والعَجَزَة والفَشَلة والخونة والحمقى والمغفلون. قضى «محمد علي» على نفوذ السيد عمر مكرم، والشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد السادات. وضربَ بعضَهم ببعضٍ، وفرّق بينهم، وأذهبَ رِيحَهم.

جاءَ «محمد علي» فجرّدَّ الشعبَ من أموالِه وأملاكِه، وأعلنَ نفسَه المالكَ الوحيدَ في مصرَ!! فهو المالكُ الوحيدُ لكلِّ أرضٍ زراعيةٍ، وهو المالكُ الوحيدُ لكلِّ ورْشَةٍ صناعية، وهو المالكُ الوحيدُ لكلِّ مؤسسةٍ تجارية. وصار الشعبُ مجردَ عمالٍ وأنفارٍ وعبيد. وكما قال أبو الطيب:

أكُلّمَا اغتَالَ عَبدُ السّوْءِ سَيّدَهُ ** أوْ خَانَهُ فَلَهُ في مصرَ تَمْهِيدُ

صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ ** بِهَا، فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ

قضى «محمد علي» على كلِّ شكلٍ من أشكال المعارضة، وصفا له الجو بمذبحة المماليك. وهكذا جرّدَ المصريين من كلِّ مصادرَ قوتِهم، فذبح المماليك، ونفى الزعامات الشعبية، وأمَّمَ الأملاكَ والأراضيَ والأطيان.

حين أنشأَ «محمد علي» جيشَه وتولَّت فرنسا تسليحَه وتدريبَه، فهِمَ الشعبُ المصري بفطرتِه السليمة – أنّ هذا الجيشَ ليسَ لهم، ولا لدولةِ الخلافة، وإنما لخدمة أوروبا ومصالحها، فرفضوا الانضمام للجيش، ووصل الأمرُ إلى قَلْعِ إحدى أعينهم حتى يُرفضَ طبيًا فلا يُجنَّد، ولما تكررتِ الحادثة وأصبحتْ ظاهرة، ضمّهم «محمد علي» إلى الجيش، وألَّفَ منهم كتيبةً سماها «كتيبة العُوران»!

دخلتْ مصرُ عهدَ السُّخرة والاستعباد، حيثُ يُربط الفلاحون بالحبال كما تُجرُّ البهائم، ليعملوا بالسُّخرةِ في حفر قناة السويس فيما بعد، أو للمشاركةِ في حروبِ الباشا في جبال الشام، وصحراء نجد، ومرتفعات طوروس. تاركين أراضيهم بلا زارع، ومواشيهم بلا راعٍ.

فلما جاء الاحتلال الإنجليزي 1882م لم يبقَ للشعب أيَّ قوةٍ يقاومُ بها إلا قوةُ الجيش (جيش عرابي) فلما انهار الجيشُ خضعَ الشعبُ، وصفتِ البلادُ للاحتلال البريطاني ربعَ قرنٍ من الزمان حتى ظهرتِ الزعامةُ الشعبيةُ من جديدٍ، مُتمثلةً في الزعيم مصطفى كامل.

الإذلال والإهانة المُتعمَّدة، وإثارةُ الخوفِ، والإمعانُ في القتلُ، ونشرُ الرعبَ، وشِدةُ البطشِ، ومصادرةُ الأموال، وقطعُ أسبابِ الأرزاق هي وسائلُ فعالةٌ لتحطيمِ الشعوبِ، وتقويض أركانها وكسر نفوسِها وقهرِ رجالِها، ولا يَقْدِمُ على هذا إلا خائنٌ عميلٌ، أو جاسوسٌ مأجور. سواء لَبِسَ طربوشَ الباشا أو قُبعةَ المشير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد