إذا ما شعرت يومًا بإشكالات تحفُّ العالم، وهوّةٍ يسير نحوها الأفراد والمجتمعات، ما يحتاج منهم وقفاتٍ إثر وقفات، يأتيك أحدُ بائِعي التفاؤل ودُعاة الإيجابية -وما أكثرهم- ليُخبرَك أنّ كلّ شيءٍ بخير، وأن الأمور على ما يُرام، ولكنّ العَيب فينا نحن، فنحن الذين ننظرُ إلى الحياة بطريقةٍ سلبية، ولو غيّرنا طريقة نظرنا إلى الأمور فإنّ الأمور ستتغيّر، أي على طريقة المَذهب المثالي في الفلسفة، فكُلُّ ما نراهُ من حولِنا هو انعكاسٌ لِما في عُقولِنا، فليس ثمّة وُجودٌ حقيقيٌّ مُتعيِّنٌ في الخارج!

هذا الكلام – على سذاجتِه- يَلقى رَواجًا كبيرًا لدى الناس، فهو من جهةٍ يُدَغْدِغُ عواطفَ الإنسان حِين يُشعره أنّه يَخلقُ الحياة بالطريقة التي يُريد، ويُشكّلها بالكيفيّة التي يشاء، ولا يَحتاج الأمرُ مِنه سِوى تغييرِ نظرتِه إلى الحياة، وتبنّيه لبعض الأفكار الإيجابية، ليغدوَ العالمُ بعدها تلك المدينةَ الفاضِلة التي يُخبرُ عنها أفلاطون، أو إحدى فراديس الجِنان التي يَنتظرُها المُؤمنون!

ومِن جهةٍ أخرى يعملُ مُخدّرًا للآلام التي يُصاب بِها الإنسان في حياتِه، وغطاءً يُلقيه على معاناته، فيشعر بعده بالتحسّن الوهمي، والذي سُرعان ما يتلاشى ويزول، كما يزول أيُّ مُخدّرٍ بمُرور الوقت، فتعود المُعاناة والآلام للظهور من جديد، ولكن بصورةٍ أكثر سُوءًا، فذلك المُخدِّر يرفعُ سقف توقعات الناس، ثمّ يَخِرُّ السقفُ عليهم، فيزيدهم آلامًا مع آلامهم.

أستطيعُ أنْ أتفهّمَ جيّدًا الإيجابيّةَ لدى المُشتغلين بهذا المجال، فأنْ تدخُلَ إلى قاعةٍ كبيرةٍ تحوي مِئاتٍ من البشر، لتُلقي إليهم عباراتِ «الإيجابيّة» خلال ساعةٍ من الزّمن، وتخرجُ بعدها وفي جيبك آلاف الدولارات، لهوَ أمرٌ يدعو للإيجابيّة فِعلًا!

الألم ليس سَيِّئًا بحدّ ذاتِه؛ بل هو مُنبه جيدٌ يَلفِتُنا إلى وُجودِ مرضٍ نحتاجُ إلى علاجِه، فلا بد مِن مُواجهتِه ومعرفةِ أسبابِه، لا تخديرِه وإسكاتِه، وإلا نكون كمن يُقدّم رِجلًا ويُؤخّر اثنتين، فلا يزداد إلا تراجُعًا. وهذا في حقيقتِه الفرقُ بين دعاوى «التنمية البشرية» وبين وسائل العلاج النّفسي، فالفرق بينهما كالفرق بين المُخدّر والعِلاج، فوظيفةُ المُخدّر تغييب الإنسان عن الألم مدة من الزمن، بَيْدَ أنّ العلاجَ قائمٌ على البحث عن سبب الألم وعِلاجِه ومُحاولة إنهائِه.

فهل معنى ذلك أنّ نتّخذَ مِن التشاؤمِ مَذهبًا لنا في حياتِنا نرى الوُجود من نافِذتِه ظلامًا يَلفُّ الأرجاء والأنحاء، وسَوادًا يَعلو الأموات والأحياء، ورمادًا يَغشى الأرض والسّماء، وأطيافُ «اللامعنى» وأشباحُ «اللاجدوى» تَعيثُ في الأرض الفساد، وتملأ حيّز الكون، فنقفلُ تلك النافذة اللعينة، ونخلدُ بعدَها للنوم؟! بالتأكيد لا، فلسنا نتركُ المُخدّرَ لنحتسيَ السُّم!

علينا الاعتراف مُنذ البداية أن كُلًّا مِن التفاؤل والتشاؤم فِيهما ما يُغري الناظر فِيهما مِن الأخذ مِنهُما، فالمتشائم أكثر حسّاسيةً في رصد المُشكلات وكشف الثّغرات من المُتفائل، الذي ينظرُ دومًا إلى «نصف الكأس المملوء»، ويُغفِلُ النصفَ الفارغَ الذي نحتاجُ إلى تعبئتَه لنزداد ونتطوّر ونتقدّم في الحياة. والمُتشائمُ مُتواضعٌ في سقفِ توقعاتِه إلى الحدّ الذي يُمكن أنْ نقول إنّه ليس بسقفٍ أصلًا إنّما هو أرضيّة! وهذا من شأنِه أنْ يقيَ المُتشائمَ من الخَيبات والصّدمات التي تُصيب معاشِرَ المُتفائلين.

«جاءني أحدُهم بكوبٍ مُمتلئ للنّصف، ثُمّ قال: هل هذا الكُوب نصف مُمتلئ أم نصف فارغ؟ فشربتُ الماء، ولمْ تعُد هُناك مُشكلة». *أليخاندرو جودوروفسكي

وعلى الجانب الآخر، فإنّ المُتشائم قد يفتقدُ الحافِزَ والدافِعَ لحلّ المُشكلات التي يراها مِن حولِه؛ فيشعر بعدم جَدوى مُحاولات الإصلاح والتّغيير للأفضل، وأنْ لا شيء سيتغيّر، وستبقى الأمور على ما هي عليه، وسيذهبُ التّعبُ المبذول في رحلةٍ سِياحيّةٍ حيث تُخسف به الأرض، أو تُشعل فيه النار، أو يَحِلّ عليه الدمار، المهمُّ أنّه لن يعود أبدًا!

في النهاية دَعونا نقُل إنّ الحلّ في «التشاؤل»؛ إذ نتقلّبُ بين التشاؤم والتفاؤل، ننظرُ إلى المُشكلات مُتشائِمين لنرى أكبر قدرٍ مِنها، فمعرفة الداء نصف الدواء، ثم نعود للتفاؤل لا ليكونَ مُخدّرًا لنا؛ بل لنضعَ خطّةً للحلّ، ونتّخِذَ من الأمل وقودًا للعمل، فنعمل جاهدين حتى النفَس الأخير، ثمّ نتشاءَم بعد الانتهاء، ونخفض سقف توقعاتِنا إلى الحد الأدنى؛ كي لا نُصدم من النتائج، وبهذا نكون قد جمعنا بين أمرين يبدوان على طرفي نقيض، وأخذنا منهما ما يعود علينا بالفائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد