إنَّ الطفلَ يُولدُ إناء فارغًا، لا بد من تعبئته بحب الصلاة؛ فهي عماد الدين وأساسه، فإن غرستم ذلك؛ نمت أنفسهم على حب الله ورسوله؛ وإن زرعتها قيمًا وفضيلة أخرجتم به من الثمراتِ رزقًا لكم، وإنْ أهملتم فبما كسبت أيديكم.

الآباءُ والأمهاتُ، هل تنتظرون امتلاءَ أبنائِكم بأقذارِ الدنيا، ثم تسرعون لتنقيةِ هذا الإناءِ، بتعبئته ذخائر الدين، لإعادة بناء عمادِ الدين وسنامِه في أنفسِهم؟

إِنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ على النفس، خاصة لمن لم يعتادْ عليها؛ لأنها انتقالٌ من عالم الشهادة إلى عالم الغيب؛ لذا لا بد أن نُعوّدَ أبناءَنا على الصلاة منذ الصغر، وندربهم لنصلَ بهم إلى مرحلةٍ لا يستغنون حينها عن الصلاةِ أبدًا. كل ذلك يحصل من خلال عدة وسائل.

الغرس

تأسيسُ الطفلِ مُذ نعومةِ أظفارِه على أسسِ العقيدةِ الصحيحةِ، وهذا يلزم أن يكون أبواه مقيميْ الصلاة، سالكيْ سبل الهداية، حريصين على زرع بذور الإيمان والتقوى في أنفسِ أطفالهم، وصدق أبو العلاء المعري بقوله: وينشأُ ناشىءُ الفتيانِ منّا على ما كان عوّده أبوه، وما دانَ الفتى بحجا، ولكن يعلمه التدين أقربوه. فإن لم يكونا؛ فيخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاةَ، واتبعوا الشهواتِ؛ فسوف يلْقون غَيًا؛ لذا فإن التعليمَ في الصغر كالنقشِ على الحجر، والتعليم في الكبر كالنقش على الماء. وهذه الفترة تكون ما قبل سن السابعة.

الإعداد والتدريب

في سنِ السابعة يبدأُ الأبوانِ بتنبيه أبنائهم على الصلاة؛ لقوله(ﷺ): «مروا أَولادَكم بالصلاة لسبع سنين». يبدأ الأبوان بزرع جوهر الصلاة في مكنون أطفالهم؛ لإقناعهم بأنها ليست مجرد حركات ترويضية يومية؛ بل هي شحن للروح والجسد والقلب؛ لنقوى بها على الحياة وهمومها؛ ولأن – سبحانه – العليم قال: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين). لابد عن تثقيف أبنائنا بالأثر الروحي والجسدي الفعَّال الذي تتركه الصلاة؛ فهي ما كانت إلا لتشعرنا بالطمأنينة والهدوء؛ لنشكوَ اللهَ بثَّنا وحزننا؛ لتحسن حالتنا النفسية؛ لنواجه من جديد غمارَ الحياة بكل قوة. نخاطبهم أن ربنا قد فرض علينا الصلاة خمس مرات؛ لنعرج بأرواحنا إليه؛ لنعترف بضعفنا أمام القوي المتين؛ لنوثق صلتنا به سبحانه؛ لتقودنا نحو الاسترخاء والهدوء النفسي والذهني. كما أن الطعام غذاء الجسد، فالصلاة غذاء للروح، والروح بدون صلة بالله، يصيبها الإكتئاب والقلق والأمراض لذا كان (ﷺ) يخاطب سيدنا بلالًا قائلًا: «أرحنا بها يا بلال». كل الحركات التي نقوم بها أثناء الصلاة تحمل في طياتها أثرًا عظيمًا، وسرًا مذهلًا رهيبًا للجسد والروح أيضًا.

رمزية العبادات

إنَّ من أبرزِ الطرقِ العمليةِ التي تُعلق الأبناء بالصلاة هي أن تغرس في نفوسهم رمزية الصلاة، وما الأثر العميق في التي تتركه فينا؟، فمثلًا نذكرهم أن الوضوء طهارة للبدن والروح معًا؛ فإن توضأ خرجت الخطايا من فمه، وسقطت الذنوب من تحت أشفار عينيه، فيربطها الطفل بدعائه (ﷺ): «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». استحضار أن لا شيء أكبر من الله عند قولنا: «الله أكبر» في بداية الصلاة، وإذا التفتنا إلى جنب أثناء الصلاة يقول ربنا: «أإلى خير مني؟» ننبه أطفالنا أن كل آية من السبع المثاني نقولها أثناء الصلاة يرد الله علينا، وإذا ركعنا نستحضر عظمة ربنا بالقول والفعل والقلب – جل في علاه – نستذكر عند السجود الحكمة من السجود مرتين، إرغامًا للشيطان والنفس سببا المعاصي. وغير ذلك من رمزيات الصلاة.

الموعظة الحسنة

إذا بلغَ الطفلُ سنَ العاشرةِ فَحَري بنا استخدام كافة وسائل الحكمة والرفق. أما طريقة الضرب؛ لقوله (ﷺ): «واضربوهم عليها لعشر»، فإننا نلجأ لها إن طبقنا كافة الوسائل السابقة ولم تجد نفعًا، وقبل تطبيقها لا بد من فهم معنى «واضربوهم» فالمقصود ضرب غير مبرِّح، وليس الجلد وإلحاق الأذى بهم؛ لأنه قد يؤدي لنتيجة عكسية؛ وقد يجعلهم يربطون الصلاة بالضرب، فينفروا منها للأبد. الخير من هذا تحذيرهم بعقاب تارك الصلاة، وما أعده الله لمن يتركها؛ لقوله(ﷺ): «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر».

ادعوني استجب لكم

أخيرًا يجب على الآباء والأمهات بالدعاء والتذلل إلى الله بهذا الدعاء القراني:(رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء)، فما التوفيق إلا من عند الله، وما الهداية إلا من عند الله، فلا قنوطَ ولا يأسَ مع الله، ولنتذكرَ دائمًا قوله سبحانه: (واؤمر أهلَك بالصلاةِ واصطبر عليها)، وأنها تحتاجُ لاصطبارٍ أي تلذذ بالمتاعب في سبيلِ تمثيلِ الأمرِ الشرعيِّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد