منذ بدء الانتخابات البرلمانية التركية التي أجريت في السابع من حزيران الجاري، وهذا سؤال يشغل كثيرًا من المتابعين والمتهمين بمجريات الواقع والسياسة التركية، لغرض الوصول إلى إجابة لهذا السؤال لابد من مراجعة تاريخية سياسية وتسليط النظر على عدة نقاط وعوامل قد يغفل عنها المتابع والباحث عن الإجابة.

تاريخ تركيا السياسي:

حيث كانت تركيا تمثل عاصمة الخلافة الإسلامية لأكثر من 600 سنة، قائدة للعالم الإسلامي والممثل الوحيد له، لكن تم تحويل تركيا في فترة زمنية معينة من عاصمة للخلافة الإسلامية إلى دولة علمانية على النمط الغربي حرفيًّا على يد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى اتاتورك، الذي استطاع سلب الهوية الإسلامية للشعب التركي بجملة من القرارات المتسلسلة بدأها بإعلان إلغاء الخلافة الإسلامية رسميُّا سنة 1924م وحذف بند أن تركيا دولة إسلامية من الدستور سنة 1928م إلى القضاء على أبسط مظاهر الدين الإسلامي في تركيا المتمثلة في منع الحجاب للمرأة ومنع الزي الإسلامي العثماني للرجل، ووصولاً إلى اعترافه بالكيان الصهيوني دولة على أرض فلسطين، انتهاء لإلغاء اللغة العربية سواء في الكتابة أم في العبادات، وختمها بتصفية الوجود الإسلامي في تركيا على الساحة السياسية أو الاجتماعية من خلال إقراره لقانون السكون؛ وهو قانون ينص على محاكمة كل من ينادي بعودة الدين أو إقامة حكومة تعتمد على الشريعة الإسلامية.

استمر مصطفى أتاتورك بهذا النهج الدكتاتوري الرامي إلى تصفية الوجود الإسلامي في تركيا إلى حين وفاته سنة 1938م واستمر من بعد وفاته رفاقه في حزب الشعب (يعرف حاليا باسم حزب الشعب الجمهوري) حيث أكملوا مسيرة مصطفى أتاتورك بالحكم الدكتاتوري القائم على الحزب الواحد إلى سنة 1946م؛ حيث تم فيها وبعد ضغوط داخلية وخارجية كبيرة من إنشاء أول انتخابات برلمانية في تركيا قائمة على التعددية الحزبية، وفي الانتخابات البرلمانية الثانية خسر الحزب الجمهوري الذي أسسه مصطفى أتاتورك الانتخابات أمام منافسه الحزب الديمقراطي؛ حيث شهدت هذه الفترة عودة ملحوظة لمعالم الدين الإسلامي في الشارع التركي، لكن لم تستمر هذه العودة؛ فقد قام الجيش التركي بالقيام بانقلاب عسكري دموي سنة 1960م قام على أثره بأعدام مؤسس الحزب الديمقراطي وقادة آخرين في الحزب بعدما أغلق مكاتب الحزب ومنعه من مزاولة نشاطاته في تركيا، جاء الانقلاب لغرض مواجهة التمدد الإسلامي الذي أخذ بالانتشار، وبهذه العودة شددت الأوساط التركية قبضتها على كافة مؤسسات الدولة خشية عودة إسلامية للساحة السياسية التركية.

حيث منذ أواسط الستينيات بدأ شبه الإسلام السياسي بالظهور في تركيا ويعزز من حضوره السياسي بالرغم من الإجراءات القانونية ضده. ولكن الظهور السياسي للإسلام السياسي في تركيا هو ظهور إسلامي في الإعلام أما في الأيدولوجية والأهداف فهو غير إسلامي غالبًا ما يكون ديمقراطيًّا محافظـًا كون تركيا بلدًا علمانيًّا ودستورها يرفض وجود أو إنشاء أحزاب دينية في تركيا ولهذه أطلقت عليه تسمية شبه الإسلام السياسي.

ومنذ الستينيات مرت تركيا بجملة من التغيرات السياسية نشأت عنها أربعة انقلابات عسكرية وهي (انقلاب 27 مايو 1960، انقلاب 12 مارس 1971 المعروف بانقلاب المذكرة، انقلاب كنعان أيفرين 1980، انقلاب ما بعد الحادثة 1997) قام به الجيش ولأسباب واحدة، وهي الحفاظ على علمانية الدولة التركية أو وضع حد لحالة الفوضى السياسة، حيث برز صعود شبه الإسلام السياسي بشكل ملحوظ في السبعينيات تم فيها ظهور حزب السلامة الوطني على يد نجم الدين أربكان الذي اشتهر حزبه بالمظهر الإسلامي العلني الرافض للمبادئ العلمانية والداعي لحرية العقيدة، ولم تمض سنة على تأسيس الحزب حتى جرم المدعي العام التركي حزب السلامة الوطني بتاريخ 5أذار \ مارس 1971م بدعوى أن الحزب قام بخرق قانون الأحزاب الذي يقضي بالالتزام بالمبادئ العلمانية التركية (الأتاتوركية)، تم حل الحزب من الساحة السياسية وفي 12 مارس 1971م أعلن الجيش التركي عن قيامه بانقلاب الذي عرف باسم انقلاب المذكرة .

وفي 1972م عاد شبه الإسلام السياسي إلى الساحة السياسية مرة أخرى من خلال الحزب الجديد المسمى حزب الخلاص الوطني، تميز هذا الحزب بكونه أكثر تحفظـًا مع العلمانية من حزب السلامة الوطني. في عام 1973م دخل الحزب الانتخابات البرلمانية وحصل على 12% من أصوات الناخبين أي ما يعادل (12) مقعد في البرلمان التركي وفي سنة 1974م دخل حزب الخلاص الوطني الحكومة مؤتلفـًا مع حزب الشعب الجمهوري، وفيما بين عام 1975 و 1978 ائتلف حزب الخلاص الوطني مع حزب العدالة في اثنتين من الحكومات برئاسة سليمان ديمير، وكان يشغل فيها نجم الدين أربكان منصب رئيس مجلس الوزراء، استمر شبه الإسلام السياسي بالمضي بين صعود وهبوط في الساحة السياسية إلى سنة 1980م حيث، وقف نجم الدين أربكان ضد اتفاقية أميركية بشـأن الدفاع المشترك، واستمر بدعواته إلى قيام الأمم المتحدة الإسلامية وإلى توطيد التعاون الاقتصادي بينها للوقوف في وجهة سياسات الغرب الاقتصادية.

وفي السنة نفسها لفت حزب الخلاص الوطني انتباه العالم عندما عقدوا اجتماعًا جماهيريًّا تحت شعار” انقذوا القدس “رفع فيه المشاركون أعلامًا خضراء ودعوا لإقامة دولة إسلامية، وحيث يعتبر هذا الاجتماع السبب الرئيسي في قيام الجيش التركي بانقلاب قاده الجنرال (كنعان أيفرين) في 12 أيلول 1980م عرف هذا الانقلاب بالأكثر دموية وانتهى باعتقال 650 ألف معتقل، والحكم على 751 شخصًا بالإعدام وفصل 30 ألف من أعمالهم وتجريد 14ألف شخص من الجنسية التركية، وترحيل 30 ألف آخرين . حيث حكم الجيش البلاد منفردًا لمدة ثلاث سنوات حتى عام 1983م جرت فيه انتخابات برلمانية تم بعدها تسليم السلطة إلى المدنيين.

وعاود مرة أخرى شبه الإسلام السياسي في تركيا في الظهور إلى الساحة السياسة باسم جديد، وهو حزب الرفاه الوطني بزعامة أربكان اضطر حزب الرفاه الجديد على التحالف مع حزب آخر ونجح سنة 1991 في الحصول على (43) مقعدًا من أصل (450) مقعدًا تتشكل منها الجمعية العمومية. ونتيجة لهذا النجاح قرر الحزب خوض انتخابات 1995 بمفرده وحصل على (21.5%) من مجموع الأصوات التي تمثل (158) مقعدًا . وفي الانتخابات الفرعية لعام 1985م حصل الحزب على ما نسبته (30.4%) من الأصوات، وبذلك باءت بالفشل جميع المحاولات لتشكيل الحكومة الجديدة بدون اشتراك حزب الرفاه فيها.

وفي العام 1996م دعا الحزب لتشكيل الحكومة التركية الجديدة بالمشاركة مع أحزاب أخرى فكان نصيبه (19) وزيرًا بمن فيهم أربكان نفسه و(18) وزيرًا من حزب الطريق القويم. شرع الحزب في تطبيق مبادئه التي طالما دعا إليها؛ حيث بعد هذا النجاح المدوي شعر الجيش التركي بالخطر العظيم الذي بات يهدد علمانية الدولة؛ حيث أقدم على القيام بانقلاب عسكري على حكومة أربكان سيطرت فيه دبابات الجيش التركي على شوارع أنقرة واسطنبول، أجبر فيه أربكان على الاستقالة، وفي سنة 1997 م أصدرت المحكمة الدستورية حكمًا منعت بموجبه الحزب من مزاولة نشاطاته، حكمت على أربكان بالسجن خمس سنوات، وبعد القضاء على شبه الإسلام السياسي وعودة الهيمنة العلمانية، إلا أن هذا لم يمنع قيادات شبه الإسلام السياسي من التوقف؛ حيث قام أعضاء الجمعية الوطنية بتأسيس حزب من شخصيات إسلامية بأيدولوجية ديمقراطية باسم حزب العدالة والتنمية الذي ولد من رحم الحزب الأم حزب الرفاه، وخاض هذا الحزب الانتخابات 2002م بقيادة رجب أردوغان وحقق الحزب أغلبية ساحقة؛ حيث حصل على (363) نائبًا ولم تمض فترة طويلة حتى حقق نتائج باهرة، سواء على الصعيد الداخلي أم الخارجي حيث في أغطسطس 2003 تم انتخاب رجب أردوغان رئيسًا للوزراء.

لم تكف محاولات النيل من شبه الإسلام السياسي في تركيا الذي تمثل في حزب العدالة والتنمية؛ حيث تعرض لأكثر من محاولة انقلاب فاشلة منها انقلاب خطة المطرقة سنة 2003م والمحاولة الثانية كانت باسم الفتاة الشقراء عام 2004م ومحاولة الانقلاب الثالثة حدثت عام 2009 عرفت باسم خطة عمل عملية القفص، كما شهدت حكومة أردوغان موجة من الاحتجاجات عرفت باسم احتجاجات ميدان التقسيم في مايو 2013 م؛ حيث قاد ناشطون بيئيون الاحتجاجات ضد إزالة الأشجار في متنزه التقسيم وإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية، واستمرت الاحتجاجات لتشمل مدنـًا تركية أخرى، وتم مواجهة هذه الاحتجاجات من قبل الشرطة، ويمكن القول تم إخماد هذه الاحتجاجات والسيطرة عليها من قبل حكومة أردوغان. ومن جانب آخر في عام 2008 م تم رفع دعوى إغلاق حزب العدالة والتنمية بتهمة أنه يقود البلاد بعيدًا عن المبادئ العلمانية التركية؛ حيث قررت المحكمة الدستورية فرض غرامة قيمتها 15مليون دولارعلى حزب العدالة ورحب الحزب بهذا الحكم، ومن جانب آخر رحب الاتحاد الأوروبي بقرار رفض حضره، وما زال الصراع بين شبه الإسلام السياسي وبين التيارات العلمانية في تركيا مستمرًا.

الغرض من استعراض موجز للتاريخ السياسي لتركيا قد يعتقد القارئ في الموجز إطالة وبعدًا عن الإجابة عن السؤال المطروح لكن الحقيقة أن الموجز من قلب الإجابة عن السؤال كون تركيا يرتبط حاضرها ارتباطـًا وثيقـًا بماضيها، وكما أن هذا الموجز يقدم للقارئ اطلاعـًا بسيطـًا على تاريخ تركيا السياسي، يتمكن من خلاله من فهم الوضع القائم في تركيا وبناءً عليه إما يؤكد وجهة نظري أو يتوصل لوجهة نظر تكون أكثر واقعية . في الجزء القادم سوف نتكلم عن العوامل المؤثرة في مصير تركيا الانتخابي، وهل تركيا أردوغانية أم أتاتوركية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد