قد تناولنا في الجزء الأول تاريخ تركيا السياسي منذ نشوء الجمهورية التركية إلى الانتخابات التركية الحالية، في هذه الجزء سوف نتكلم عن العوامل المؤثرة في مصير تركيا الانتخابي، وحتى نحصل على إجابة على سؤال تركيا إلى أين أردوغانية أم أتاتوركية، لا بد من الأخذ بعدة عوامل ومناقشتها، كون هذه العوامل لها تأثير كبير يغير مسرى الإجابة ونلخص هذه العوامل بعوامل داخلية وعوامل خارجية.

العوامل الداخلية: (الأحزاب المنافسة، الحلم الكردي، علمنة المجتمع، الانقلابات، الانتخابات المبكرة).

الأحزاب المنافسة

شكلت نتائج الانتخابات صدمة للعدالة وفرحة لخصومهم حيث حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة 40.87% من أصوات الناخبين، وحزب الشعب الجمهوري حلّ في المركز الثاني بنسبة 24.95%، بينما حصل حزب الحركة القومية على 16.29%، وتمكن حزب الشعوب الديمقراطي، من تخطي الحاجز الانتخابي (10%)، بحصوله على 13.12% من الأصوات، فيما حصلت الأحزاب الأخرى والمرشحون المستقلون على 4.77%.

لكي يتمكن حزب العدالة من تشكيل حكومة لا بد عليه من الائتلاف مع أحد الأحزاب الثلاثة وهي:

حزب الشعب الجمهوري

حيث إن حزب الشعب أقدم الأحزاب التركية الذي تأسس على يد مصطفى أتاتورك ويعتبر أشد المحافظين على المبادئ العلمانية التركية، تمكن الحزب من الحصول على المركز الثاني في نتائج الانتخابات بنسبة 24.95%، يحمل حزب الشعب أيديولوجية وموقفًا معارضًا للعدالة ولا سيما زعيمه كمال قليتش دار أوغلو الذي توجهت بحقه اتهامات بعلاقاته مع الجنرالات المدانين بقضية الانقلاب ضد حزب العدالة.

حزب الحركة القومية

هو حزب قومي يميني تركي لطالما كانت الحركة معارضة للعدالة ولكن موقفها بشأن التحالف مع العدالة متناقض؛ حيث إن الحركة على لسان زعيمها دولت بهشلي قامت بالهجوم والنقد لحزب العدالة في مواقف عدة آخرها بعد نتائج الانتخابات، حيث صرح من خلال تغريدة له على حسابه الرسمي: (فترة الثلاثة عشر عامًا المظلمة التي مرت بها تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن يغفلها أحد. فهل من الممكن أن تتم عملية المسامحة دون المحاسبة أولًا؟)

لكن من جانب آخر صرح تصريحًا آخر مناقضًا أعلن عن إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية مع العدالة بشرط إيقاف عملية السلام مع الأكراد، كونه يعتبر حزب الشعوب مرتبطًا بتنظيمات إرهابية، يتساءل الكثير عن تناقض الحركة القومية التي كانت داعمة للعدالة في مواقف عدة أوردتها صحفية تركية منها مساهمة الحركة في انتخاب عبد الله غول، والموافقة على قانون الحجاب، وتغيير بعض بنود الدستور لإسقاط الدعوى الرامية لإغلاق حزب العدالة، بين تناقض مواقف وتصريح زعيم الحركة واختلاف الأيديولوجية بين الحزبين يترقب الكثير إمكانية وجود تحالف الحركة مع العدالة من عدمه.

حزب الشعوب الديمقراطي

وهو حزب يساري تركي موالٍ للكرد وممثل لهم ويتهم الحزب من قبل أطراف عدة بأنه ممثل قانوني لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًّا من قبل الدولة التركية، أما عن التكوين الداخلي للحزب فإنه يمتاز بالحضور النسائي فيه بالإضافة إلى الشواذ (المتحولين جنسيًّا) الذين يتواجدون بنسبة 10% يهدف الحزب إلى محاربة الاستغلال والتمييز وتوفير حياة كريمة ومساواة للجميع، هذا ما جاء به النظام الداخلي للحزب، لكن الحزب عرف عليه بالممثل الكردي أما عن موقف الحزب مع العدالة فإنه معارض له ويعتبره غير ديمقراطي ويسعى لتغييره وكما اشتركت مكونات الحزب في احتجاجات التقسيم.

إلى الآن حزب العدالة لم يحصل بينه وبين أحد هذه الأحزاب أو حتى بوادر عن إمكانية التعاون مع أحدها لغرض تشكيل حكومة ائتلافية، في حالة حصول تحالف بين الأحزاب المعارضة ضد حزب العدالة لغرض تشكيل حكومة أمر يجده الكثير في غاية الصعوبة، فضلًا عن عدم وجود توافق أيديولوجي بين هذه الأحزاب لكن في حالة حصول تحالف فإن هذا سوف يخلق أزمة قانونية نوعًا ما كون العرف السائد هو أن يدعو رئيس الجمهورية الحزب الأول والأعلى حصولًا على الأصوات لتشكيل حكومة، فهل يا ترى سوف يدعو رئيس الجمهورية الحزب الثاني والثالث لغرض تشكيل حكومة ولا سيما مع وجود نص دستوري يؤكد على ضرورة تشكيل الحزب الأعلى حصولًا على نتائج الانتخابات أو الأقل حصولًا على نتائج الانتخابات ويخالف العرف القانوني والصيغة الديمقراطية المتعبة.

الحلم الكردي وعلمنة المجتمع

إن الوجود الكردي له اليوم تأثير كبير ويعتبر مصدر قلق وعاملًا مؤثرًا في البلدان التي يتواجد فيها سواء في العراق أو سوريا أو إيران، ليس فقط تركيا، حيث يهدف الغالبية من الأكراد إلى دولة كردية موحدة. أما عن التواجد الكردي في تركيا فهم يمثلون بنسبة 20% من مجموع سكان تركيا، كان الأكراد في تركيا يعيشون وضعًا اضطهاديًّا بدأ منذ تأسيس مصطفى أتاتورك الجمهورية التركية حيث تبنى نهجًا سياسيًّا يتمحور حول إلزام انتماء الأقليات العرقية في تركيا ومنهم الأكراد، حيث تم منعهم من ممارسة لغتهم في النواحي الأدبية والتعليمية والثقافية وكما منعهم من تشكيل أحزاب سياسية لدرجة كان مجرد التحدث باللغة الكردية عملًا جنائيًّا حتى عام 1991م. للأكراد في تركيا حزب معارض يسمى حزب العمال الكردستاني وهو جماعة مسلحة ذات توجهات قومية ماركسية هدفها إقامة دولة كردية، ولهذا الحزب صراع مسلح مع جمهورية تركيا بدأ منذ إعلان عن تأسيسه إلى حين عملية وقف إطلاق النار إلى مارس/ آذار 2013م مخلفًا أكثر من 45.000 قتيل من الطرفين وتدمير 2000 قرية كردية تقريبًا.

إن للوجود الكردي في الساحة السياسية التركية اليوم وجودًا قياسيًّا لم يحظ به الكرد منذ تأسيس جمهورية تركيا، حيث دخل الأكراد في هذه الانتخابات من خلال حزب الشعوب الديقراطي محققين (80) مقعدًا في البرلمان بصفة قومية، بعدما كان تمثيل الكرد على شكل نواب مستقلين.

إن اليوم القضية الكردية في ذروتها حيث في العراق بين الحين والآخر يصرح الكرد باقتراب الانفصال من العراق وتحقيق الحلم المنشود، أما في إيران فقد حصلت مؤخرًا انتفاضات واحتجاجات قام بها كرد إيران، وكما أسلفنا للوجود الكردي اليوم أهمية كبيرة في السياسية التركية ويسعى إلى تحقيق هدفهم في الانفصال أو على الأقل وجود تمثيل سياسي يليق بهم في السياسة التركية من شأنه أن يعجل من تحقيق هذا الهدف، وهذا ما ترفضه أحزاب تركية لكن يمكن القول إن الأكراد في تركيا اليوم حظوا بفرصة ذهبية يمكن من خلالها المساومة حول قضيتهم مع الحزب الذي سوف يأتلفون معه وللقضية الكردية في الانتخابات أثر كبير ليس فقط على مستوى تركيا إنما على مستوى أكراد سوريا وإيران.

أما عن علمنة المجتمع قد ذكرنا في بداية المقالة القوانين والإجراءات التي قام بها مصطفى أتاتورك بحق تركيا وتجريدها من الهوية الإسلامية، فمنذ تأسيس تركيا إلى العقد الماضي والعلمانية تحكم وتجري في عروق الكثير من الشعب التركي، لكن بعد صعود الثابت للشبه الإسلام السياسي في سنوات الـ2000 حصل نوع من العودة للهوية الإسلامية لدى الكثير من الأتراك، كما أن نسب التي يحققها حزب العدالة تصب في هذا الرأي، حيث إلى الآن لا زال هناك عائق معنوي وعائق قانوني يؤكد على أهمية وبقاء العلمانية في تركيا، وهو أن الدستور التركي يحذر بشدة ويمنع إقامة أحزاب إسلامية أو تنطلق من أساس إسلامي، فضلًا عن الأحزاب المعارضة للعدالة التي تتبنى نهجًا يصب ويؤكد على بقاء العلمنة في تركيا، ووصولًا بالإعلام التركي والذي يحرص كل الحرص عدم المساس بها.

والأهم هو عامل الجيش الذي لطالما رفع شعار المحامي للمبادئ العلمانية التركية وأقام أكثر من انقلاب عسكري بسبب هذا الشعار وتأثيره على الشارع التركي. لم أجد استطلاعًا يتكلم عن الواقع الإسلامي في تركيا حتى أتكلم بدقة لكن للإسلام أثرًا كبيرًا في تركيا في المرحلة القادمة حيث تبلغ نسبة المسلمين في تركيا 98% من أهل السنة، إذ للوجود الإسلامي في تركيا تأثير بالغ سواء في استمرار العدالة أو عدمه من خلال ازدياد الوعي الإسلامي والمطالبة بأخذ دور الإسلام ومنع العوائق التي تقف في وجوده واستمراره، وأولها العلمانية أو حتى بتحرك المسلمين في الوقوف مع العدالة واعتبار تصفية العدالة هي تصفية للمسلمين.

إذ يحتمل إلغاء كل الإصلاحات التي قام بها العدالة التي تخص الحرية الإسلامية لعل أبرزها قانون منع الحجاب في حال خسارة العدالة، كما وجود عائق معنوي ناتج عن حكم الشعب التركي لسنوات طويلة من قبل العلمانية وهذا ما أثر على أفكاره وأيديولوجيته، ومن جانب آخر حصول صحوة إسلامية ساهم بها حزب العدالة، وصلت حرية الصحوة الإسلامية حسب تقارير انضمام 12 ألف تركي في صفوف الدولة الإسلامية، لا يستبعد في حالة خسارة العدالة أن يكون للمسلمين الأتراك موقف قد ينتج عنه مظاهرات واحتجاجات أو ما هو أكثر أو أقل.

الانقلابات

إن للانقلابات في تركيا شأنًا مهمًّا ودورًا كبيرًا جدًّا، حيث قام الجيش التركي بأربعة انقلابات ناجحة أسلفنا ذكرها، فضلًا عن ثلاثة محاولات انقلاب فاشلة قام بها ضباط من الجيش التركي ضد العدالة، إن لكل حالة فوضى سياسية أو صعود بارز للإسلام سياسي تمر بها تركيا يكون للجيش التركي موقف وحضور قوي جدًّا، إذ من غير البعيد أن يعلن الجيش عن انقلاب في الأيام القادمة ويسيطر على البلد سواء يستمر بحكمه الدولة أو بتكليف أحد الأحزاب بتشكيل حكومة ولا سيما أن العوامل متوفرة والمبررات جاهزة إذا ما أراد الجيش التركي إعلان انقلاب، وهذه المبررات هي فوضى سياسية وصعود للإسلاميين أي وجود خطر يمس علمنة الدولة، وهنا يطرح سؤال هل سوف يتدخل الجيش ويعلن انقلابًا في تركيا سؤال يجدر الإشارة له في حالة الحديث حول الانتخابات التركية.

الانتخابات المبكرة

منذ أيام وبدأ يتردد على وسائل الإعلام أنباء وتصريحات عن نوايا ودعوات لإجراء انتخابات مبكرة، اليوم الكل خائف من إجراء انتخابات مبكرة فمثلًا حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) رفض هكذا دعوات بشدة لان لم يسبق في تاريخ الكرد الحصول على هكذا تمثيل برلماني، فإن دعوة للانتخابات المبكرة يعتبر اغتيالًا لها، وحتى الأحزاب الأخرى تخشى قيام انتخابات مبكرة، وحتى العدالة صاحب هذا الاقتراح والدعوة فهو أول من يخشى إقامة انتخابات مبكرة لأن دخول انتخابات مبكرة مجازفة كبيرة، من المحتمل أن تكون النتائج سلبية، وهذا ما لا يريده العدالة لكنه قدم هكذا دعوة كورقة ضغط على الأحزاب الأخرى، لكي يكسب تحالف أحد الأحزاب المعارضة حتى يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية، فهل سوف تنجح هذه الورقة أم يكون لها أثر عكسي؟ هذا ما سوف تثبته الأيام.

أما العوامل خارجية فهي: (تركيا والانضمام للاتحاد الأوروبي، الأحزاب المعارضة للعدالة وتأثيرها على الساحة العربية، الدولة الإسلامية وتأثيرها على السياسة التركية وتأثرها بها).

 تركيا والانضمام للاتحاد الأوروبي

منذ عام 1999م، تم الاعتراف بتركيا كمرشح للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ومنذ هذا الاعتراف والجدال والمفاوضات مستمرة حول قبول انضمام تركيا من عدمه سواء في تركيا أو في دول الاتحاد الأوروبي، حيث في تركيا يلاقي رفضًا من قبل حزب الحركة القومية، أما حزب العدالة فهو يسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وشعار من شعارته الانتخابية، ويرجع إصرار العدالة على الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي إلى رغبة العدالة في التخلص من هيمنة الجيش التركي الذي يقف عائقًا ويعتبر محاميًا للمبادئ العلمانية التركية.

فالعضوية الأوروبية تعني نظام حريات وديمقراطية وابتعادًا عن الهيمنة العسكرية، كما الحصول على العضوية هو ضربة لمعارضي العدالة بالإضافة إلى أن الحصول على العضوية يوفر لتركيا فوائد اقتصادية ورفاهية اجتماعية تخلصه من الأزمات الاقتصادية التي يمر بيها بين الحين والآخر، وهذا ما يمكن أن تعيد به النظر الأحزاب المعارضة لفكرة العضوية. حيث إن قبول أو رفض الاتحاد الأوروبي للعضوية في هذا الوقت له تأثير لا يقل عن العوامل الأخرى، كما أن دعم دول الاتحاد الأوروبي للأحزاب المعارضة ضد العدالة أو للعدالة ضد الأحزاب المعارضة يؤثر على السياسة التركية، إذ إن للاتحاد الأوروبي موقفًا وتأثيرًا على السياسة التركية سواء سلبًا أو إيجابًا، وعلى ما يبدو إلى الآن موقف الاتحاد الأوروبي يخيم عليه الصمت إزاء الانتخابات التركية على الصعيد الإعلامي.

الأحزاب المعارضة للعدالة وتأثيرها على الساحة العربية

إن الاحزاب المعارضة أو المنافسة للعدالة تحمل أيديولوجية ومواقف ضد حزب العدالة، وتسعى للأطاحة به والحصول على قيادة البلاد، إذ كما أسلفنا إن للحزب الكردي الذي حصل لأول مرة على تمثيل بصفة قومية في الانتخابات دورًا لا يستهان به، إذ هناك رغبة جدية من الكرد في الحصول على الاستقلال ولا مانع لهم في التعاون مع أي طرف في سبيل هدفهم أو على الأقل كسب حرية أكثر والحصول على بعض الإنجازات التي تخدم الأكراد في تركيا، إذا لم يعلن أحد الأطراف الخارجية عن مساعدة حزب الشعوب الكردي مقابل ائتلافه مع حزب ما فإن الحزب لن يتردد بهذا، وهذا ما له أثر على التواجد الكردي في البلدان الأخرى سواء العراق أو سوريا أو إيران.

أما الأحزاب الأخرى فهي لن تتردد في توقيع اتفاقات وتقديم عهود لأي طرف خارجي من شأنه أن يساعدها في الحصول على السلطة والإطاحة بالعدالة، فإن صعود اليوم الأحزاب المعارضة للعدالة وتشكيلها حكومة يعني حدوث تأثير بالغ وانقلاب في الموازين السائدة ويغير من المجريات السياسة الحالية التركية أو العربية، تعتبر تركيا داعمًا ومحتضنًا للإخوان المسلمين في مصر، حيث غياب هكذا داعم من شأنه يضر بالإخوان في مصر ويخدم السيسي، وهذا قد يحدث تغيرات في السياسة المصرية الداخلية. أما على مستوى العراق فإن اليوم تحتضن المعارضة العراقية ولا سيما الهاشمي، ولها موقف شبه معارض لسياسات الحكومة الشيعية في العراق، أما في سوريا فإن تركيا من أبرز الدول ومن الدلول الأكثر دعمًا للثورة السورية ضد النظام النصيري وأكبر محتضن للمعارضة السورية، فضلًا عن استقبال تركيا لأكثر من مليون سوري لاجئ منذ بدء الثورة السورية هذا ما صرح به أردوغان خلال مؤتمر صحفي.

إن صعود حزب معارض للمواقف والسياسات التي كان يسير بها حزب العدالة مثل حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال قليتش دار أوغلو حيث إن كمال قلتيش علوي الطائفة معروف بمواقفه ضد الثورة السورية والداعمة لنظام الأسد، وكما أنه قام بزيارة غامضة إلى نوري المالكي رئيس الوزراء الشيعي العراقي السابق في 2013م، حيث صعود مثل هكذا حزب وتبنيه مواقف وسياسيات عكس المواقف السابقة التي كان يتبناها حزب العدالة هذا ما سوف يغير الموازين ويأثر على الوضع في العراق ومصر والتأثير الأكبر في سوريا، وبكل تأكيد سوف يكون تأثيرًا سلبيًّا على الثورة السورية بدءًا من الضغط على المعارضة السورية وانتهاءً بطرد اللاجئين السورين، ولا سيما أن كمال قلتيش زعيم الشعب الجمهوري طالب بطرد اللاجئين في إحدى المناسبات، لذا هناك تخوف فعلي من صعود مثل هكذا أحزاب تقود تركيا لأنها سوف تضر وتؤثر سلبًا على البلدان العربية المجاورة لتركيا. وكذلك لا يستبعد من تدخل دول مثل روسيا وإيران في التأثير على الانتخابات التركية لكي تضمن صعود أحزاب لا تتعارض مع مصالحها في العراق وسوريا.

الدولة الإسلامية وتأثيرها على السياسة التركية وتأثرها بها

إن الدولة الإسلامية التي لا تخلو نشرات الأخبار يوميًّا من ذكرها فإنها كذلك لا تخلو من الذكر في هذا المقال، حيث إن للدولة الإسلامية تأثيرًا وتأثرًا على الساحة التركية بالغًا، يمكن أن نلخص وجود وتأثير الدولة الإسلامية وفق ما تردد في وسائل الإعلام حيث حسب تقرير صحيفة (حرييت) التركية فإن عدد الأتراك المنضمين في صفوف الدولة الإسلامية أكثر من 1000 تركي، ومن جانب آخر صرح النائب محمد شكر عن الحزب الشعب الجمهوري أن عدد الموالين للدولة الإسلامية في تركيا وصل مليون شخص، ولا سيما بين سكان المدن الحدودية.

وكما تداولت الصحف العربية هكذا أنباء ومنها صحيفة الحياة السعودية نشرت تقريرًا بعنوان (12 ألف تركي في صفوف «داعش» وتوقع هجمات في مدن كبرى) جاء في تقريرها تصريح لرئيس مركز القرن الحادي والعشرين وأحد أهم خبراء الأمن في تركيا البروفيسور أوميت (أن عدد الأتراك الذين انضموا للقتال في سوريا مع «داعش» و«النصرة» وغيرهما بلغ حوالي 12 ألفًا، وقال إن عائلات بأكملها هاجرت للقتال مع «داعش» واستوطنت في الرقة. وكان استطلاع للرأي كشف الشهر الماضي تعاطُف نحو 13 في المئة من الأتراك مع تنظيم «داعش»، ما يعني احتمال وجود ملايين من الأتراك الذي قد يتعاونون مع التنظيم داخل تركيا أو يسهّلون تحركه، وفق معطيات الاستطلاع). هكذا تقارير وتصريحات كثيرة لا يسع الوقت ذكرها هذا ما يؤكد على أهمية الدولة الإسلامية في تركيا.

حيث إن صعود معارضي العدالة أصحاب التوجه العلماني أو حدوث انقلاب عسكري سوف يؤدي بتدخل الدولة الإسلامية ولعدة أسباب منها هي دعم مؤيدها في تركيا ومساعدهم ضد الحكومة والأسباب الأخرى والأكثر أهمية وهي أن تركيا بوابة الدولة الإسلامية حيث إن غالبية الأجانب المسلمين الذي يهاجرون من بلدانهم للانضمام للدولة الإسلامية يمرون عبر تركيا لغرض الوصول منها إلى مناطق تحت سيطرة الدولة الإسلامية، كما تعتبر تركيا مفتاح تجارة الدولة الإسلامية عن طريق تهريب النفط إلى تركيا وكذلك استيراد الأسلحة عن طريق الحدود التركية. أي صعود حزب معارض للعدالة يمتلك موقفًا يسلك طريقًا مخالفًا للسياسة التي كان يجري بها العدالة مع العراق وسوريا ولا سيما مع الدولة الإسلامية أو يهدد مصالحها فهو سوف يفتح النار على نفسه بيديه ولا سيما وجود أعداد وقاعدة شعبية للدولة الإسلامية لا يمكن الاستهانة بها حسب التقارير والمعطيات الواردة.

كما هناك تأثير لحزب للعدالة على الدولة الإسلامية فهي بهذه التسهيلات والتغاضي من عبور المقاتلين من خلالها لغرض الانضمام لصفوف الدولة الإسلامية جنب تركيا صراعات وأزمات لا تنتهي، إذ يعتبر العدالة أكثر حزب يمكنه التعامل مع الدولة الإسلامية ويمكن تجنب أخطارها من بين الأحزاب الأخرى، ويستدل على ذلك البعض بإطلاق الرهائن الأتراك الذين كانوا أسرى لدى الدولة الإسلامية، وكما لا يستبعد أن يلعب العدالة بهذه الورقة في المفاوضات مع الأحزاب المعارضة.

وختامًا، نترقب الأيام القادمة هل سوف تكون تركيا أردوغانية أم أتاتوركية؟ فهل سوف يكمل الأردوغانية مشروعهم في القضاء على الأتاتوركية المتطرفة، أم سوف يهدم الأتاتوركية ما بناه الأردوغانية، وهل سوف نشهد عاصفة سياسية تؤثر على الواقع العربي والتركي في حال عدم انتصار العدالة أم يبقى الحال كما هو عليه؟، أسئلة كثيرة تتفرع عند البحث والنظر في الانتخابات التركية، ولا يمكن الحصول على أجوبة دقيقة على هكذا أسئلة في الغالب، والتحليلات في مثل هكذا حالة تفتقر للدقة لأن أي تصريح بصورة مفاجئة من أحد الأطراف من شأنه أن يقلب التوقعات والتحليلات ويرسم الواقع بصورة عكس المعمول بها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد