فكرتُ كثيرًا في: «من أين عليَّ أن أبدأ؟» حتى اهتديت لجملة كتبها السيناريست الراحل «وحيد حامد» على لسان أحد أبطال أفلامه: «حاجات كتير هترخص وهتبقى بسعر التراب، أنا، وأنت، والأستاذ، وحضراتكم أجمعين».

ربما هذا هو أقرب تلخيص للحكاية في سطرين، حين يُصبح ابن آدم قطعة «أنتيك»، يُمكن تزييف تاريخها، أو محوه بالكامل إذا تطلب الأمر، كي «يزغلل أعين الزبون» الذي سيزايد عليه، ثم يُباع لمَنْ يدفع فيه أكثر.

في 420 صفحة فقط يتنقل بنا المستشار والروائي «أشرف العشماوي» بين عام 1948 وعام 1972، يصطحبنا في رحلة أشبه بالجولات السياحية يجسد فيها هو دور المرشد السياحي، لكن الفرق أننا هنا لسنا أغرابًا نشاهد أثارًا خلَّفتها حضارات قديمة لا نعرفها، بل نعرفها تمامًا كأفضل ما يكون.

يتخذ موضعًا مناسبًا لأخذ أوسع كادر ممكن لألتقاط الصورة من كل جوانبها، فيجلسنا معه على كراسي صالة «أورفانيللي» أكبر صالة لعقد المزادات في مصر كلها، في وسط القاهرة.. وعلى المسرح أمامنا قبل أن يعرض كل قصة، يختار الشخص الأجدر بِسردها، يأتينا أولًا بالبداية ينقلها لنا بصوت «أورفانيللي إستيفان ألفيزي» يهودي مصري يعيش في حارة اليهود من يوم ولادته، مهزوز الشخصية ضعيف العزيمة ممتلئًا بالمشاعر وسريع البكاء، لا يستطيع أن يقف في وجه من يحب، ولو كان ما سيدفعه ثمنًا لذلك هي حياته.

يتسلسل معنا بالحكي، يقص علينا حكاية الشوارع والبيوت ويطلعنا على أسرار الأقسام ويعرض لنا صورًا ملتقطة بدقة. ولعل هذا أبرع ما في الحكاية، لم يكتفِ الروائي أشرف العشماوي فقط بوضع وصف للأماكن، لكنه ذاكر تاريخ الحقب التي يتحدث عنها جيدًا حد أنه يشعرك أنك تشاهد فيلم سينما يحدث في الزمن الذي تدور فيه أحداث الرواية، يهدم الحائط الفاصل بين خيال القارئ وخياله ككاتب القصة، يأخذك من يدك بخفة لتجلس بداخل عقله، ترى بعينيه ما دارسه ربما لأسابيع طويلة، وتشاهد معه الصور التي بالتأكيد صارت محفورة برأسه، ثم تنتهي القصة.. «آلانا أونا.. آلا دوي.. آلا تري»!

يموت ناقل القصة الأولى، تُباع حكاية بثمن بخس للجالسين، ربما لأنه لم يُحسن قصّ الحكاية! وكانت هذه هي.. البداية.

ثم نعود للكاتب، ننتظر منه أن يختار الذي يجد أنه الأفضل في سرد الجزء الثاني، فيصعد منصور حامد التركي، مسلم ساكن بحارة اليهود، زميل أورفانيللي في المدرسة وصديق عمره، له أبوين منفصلين.. بدأت القصة حين أخذه أبوه للتدرب على العمل بصالات المزاد ليتعلم صنعة بدلًا عن فشله في الحصول على شهادة البكالوريا، ليتلقى تعليم الصنعة على يد هارون، الذي لن يثق في أحد بعده، يظهر مهارةً لا مثيل لها في دراسة قطع «الأنتيكا»، ويعرف كي يقنع الزبون بالمطلوب، وكيف يهيئه لشراء ما يعرض من قطعٍ مزيفةٍ بمبالغَ مهولةٍ، ويعرف كذلك كيف يبعيك أنت نفسك إذا لزم الأمر.

يدور الزمن.. فهل يحدث ويبيع نفسه هو شخصيًا؟

«آلا أونا.. آلا دوي.. آلا تراي»!

بين الانتقام والتحدي والرغبة، يصعد أورفانيللي الصغير على المسرح، أو كما يدعوه المايسترو «أورفانيللي الصغير»، لكن هل نسي المايسترو أن الزمن دوّار.. وأنا الصغير مصيره الكِبر؟ بين الانتقام.. والرغبة.. والتحدي.. نعرف حكايته.

«آلا أونا.. آلا دوي.. آلا تراي»!

متى نقامر؟ متى تكشف كل أوراقك على الطاولة وتتحدث بوضوح، ومتى تحتفظ بالورقة الرابحة للآخر، لتقول الجملة الأمريكية الشهيرة:

«I still have more to put on the table».

هذه رواية عن النفوس البشرية، وعن شهوات الحياة جميعها، وعن الخطايا كلها، عن شهوة الحب وشهوة المال وشهوة الجاه وشهوة السلطة، عن خطيئة الزنا، والقتال، والنفاق، والزور، والتزييف. يسير فيها الزمان والمكان يدًا بيد متضافرين في براعة. في رواية صالة أورفانيللي يحكي لنا العشماوي عن الملك فاروق وعن فساد الحاشية، وعن القرارات الخاطئة التي تهدم عروشًا فوق أصحابها، يحكي لنا تاريخ تمركز اليهود في مصر وسيطرتهم وتغللهم في البلاد، ويقص علينا فلسفة الحياة ببراعة في سطور موجزة وبسيطة، لم يكن هناك لسرد مشاهد سريالية طويلة أو رفع صوت المونولوج الداخلي لأن الرواية كانت تجسيدًا حيًّا للنفس البشرية، أنت تسمع كل ما يفكر به هؤلاء، تتعاطف وتقسو وتحزن ومع ذلك لا تجرؤ.. أبدًا.. على المحاكمة.

ويبقى السؤال الذي طرحه العشماوي على ظهر غلاف عمله:

«هل حياتنا تشبه المزاد؟ وماذا يتبقى لنا من إنسانيتنا لو أصبح كل منا قطعة معروضة في صالة مزادات ينتظر دوره؟».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد