منذ صدور سفره المهم «الاستشراق» واجه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عدة انتقادات، لعل من أبرزها نقد المفكر الماركسي الهندي، إعجاز أحمد، وآخر هذه النقودات، نقد البروفيسور، وائل حلاق في كتابه قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي.

إن كتاب الاستشراق لسعيد هو نقطة انطلاق حلاق؛ إذ يحاول الاستفادة من الانتقادات الموجهة له، ثم يوسع دائرة بحثه حوله، مضيفًا أبعادًا تاريخية وفلسفية، ومنتهيًا بإلغاء سرديته وأسانيدها السياسية التقليدية.

يزعم حلاق أن قراءة سعيد للاستشراق لا تعدو كونها سياسية، وهو أحد الأسباب التي تجعله يجد مشروع سعيد قاصرًا وغير مُرضٍ. فالاستشراق ليس مجرد مشروع سياسي كما اعتقد سعيد.

وعلى الرغم من نقده المتواصل والحاد الذي وجهه هو لسعيد، فإنه يسجل امتنانه له ولسيرته الباقية. ويعترف بتأثيره فيه ويشك في إمكانية تحقق كتابه هذا لولا إسهامات إدوارد سعيد.

كما يرى أن أي نقد سياسي صحيح للاستشراق لا بد أن يبدأ بالأسس التي خلقت تصورًا معينًا للطبيعة والليبرالية والرأسمالية والإنسانية؛ إذ يرى أن نقد سعيد ظل سياسيًّا بالمعنى التقليدي والسطحي الذي لم يسائل أيًّا من الأنماط الفكر والحركة الأساسية والمؤسسة التي خلقت مشكلة الاستشراق، فضلًا عن أمور كثيرة ظلت مهملة.

في معرض نقده يوضح أهم الأسباب الذي أدت إلى فشل سعيد (ومعه حقل الخطاب الواسع الذي أنتجته كتاباته) في إجراء بحثٍ أعمق كان سيصطدم حتمًا مع مواقفه ليبرالي، أو حتى إنسانوي علماني. ويسرد أهم الأسباب التي استند إليها هذا النقد، ويذكر منها افتقاد الكتاب بشدة للمنهج التاريخي نظرًا إلى كون سعيد ناقدًا أدبيًّا بلا خبرة تأريخية. اعتراض صحيح على سعيد الذي يفتقد لحس تاريخي.

في استهلال الفصل الأول ينتقد حلاق ربط سعيد بداية الاستشراق باليونان القديمة. وتعميمه الجغرافي والزمني الجارف، ونظرته الخاطئة في ما يخص الروائي اليوناني إيسخيليوس ودانتي.

كما يبرهن في هذا الفصل على أن سعيدًا أساء فهم فوكو، ويزعم أن فهم سعيد للمؤلف كان سبب أكثر المشكلات التي أحاطت بكتاب الاستشراق أو حتى كلها. وبسبب نقاط القصور هذه، ظل فهم سعيد لما يعنيه التشكل الخطابي يكدح على سطح القضية فقط من دون الغوص في أعماقها.

مثلما يأخذ حلاق على سعيد عدم اكتراثه بالاستشراق الذي ركز على الشريعة الإسلامية.

في الفصل الثالث يتساءل حلاق عن إِفْراد سعيد لمستشرقين اثنين فقط، وهما جبْ وماسينيون اللذان اتصفا بالحساسية في تناول موضوع دراستهما الأكاديمية – أي الشرقيين المسلمين -ولكن كان الحكم النهائي عليها سلبيًّا.

وفي هذه الحالة لن يكون من المستغرب إذن في ضوء الاتهام الجاهز بالاستشراق لكل من يكتب أي شيء عن الشرق – أنه حتى الكتابة «عن مجد [الشرق] الحضاري» تصبح مجرد تعبير عن افتتان ناتج عن اختزال الشرق في صورة الشيء الغريب والخرافي.

يظهر التسييس في كل هذا في حقيقة أن سعيدًا واتباعه لم يحددوا الشروط اللازمة للحكم القائم على دليل أو للتمييز بين مستشرق ينتمي إلى نطاق نموذجي معين وآخر لا ينتمي إليه.

ويرى حلاق أن سعيدًا يوسَّع من تعريفه لـ«الاختلاف» ليشمل صفات إيجابية أعلوها – صراحة -على الحالة الأوروبية. غير أن سعيدًا، كما (رأى حلاق) رأى في هذا الموقف وصفًا للشرق باعتباره غريبًا وأسطوريًّا، ما يجعلها سمة سلبية في نهاية المطاف.

 ولكي نفسر هذا نرى أن الإنسانوية العلمانية والقيم الديمقراطية والنموذج الثقافي العام للغرب – وهي كلها أمور أعجب بها سعيد بصورة علنية- حاضرة بشدة في تفكير سعيد لدرجة أن أي زعم بتميز الشرق لا يمكن بالنسبة إليه أن يتضمن عدم النظر إلى الغرب بوصفه مقياسًا ومعيارًا.

اتخذ سعيد إذن الحداثة الغربية معيارًا؛ ففي الوقت الذي أدان فيه الاستشراق، مجَّد الحداثة الغربية وإنجازاتها بوصفها المعيار الحصري. إذ يرى حلاق أن سعيدًا مُحابٍ للغرب حتى في ذوقه الأدبي والموسيقي، لقد كان الأدب الذي قدره سعيد أجل التقدير هو أعمال جوزيف وروديارد كيبلينج، وليس أعمال مواطنيه كغسان كنفاني أو «الشرقي» الآخر عبد الرحمن منيف.

كما أن الموسيقى التي استولت تمامًا على سعيد وعزفها بنفسه كانت موسيقى باخ وبيتهوفن، وليست موسيقى محمد عبد الوهاب، أو رياض السنباطي، أو سيد درويش.

وفي تقديمه للمستشرق الفرنسي رينيه غينون يلاحظ حلاق أن غينون لا يظهر في كتاب الاستشراق لسعيد ولو حتى بإشارة سريعة، وذلك على الرغم من أنه – بوصفه مستشرقًا كلاسيكيًّا – يؤشْكل هو وكتاباته مفهوم الاستشراق بالطريقة التى أدى بها إلى نشأة شكل من الهدمية التي تجاوزت حياة المؤلف نفسه.

ويعقد المؤلف مقارنة بين غينون وسعيد ويوضح الفرق بين النقطة التي بدأ بها غينون وسعيد بحثيهما. فعلى رغم من أن غينون كتب قبل سعيد بما يقرب نصف قرن إلا أنه يبدأ حيث انتهى سعيد.

حيث يرى حلاق أن سعيدًا لم يصل حتى إلى فهم غينون المحدود عن تورط الاستشراق «الحميد» في «الاعتبارات السياسية». كما لا يقترب سعيد من نمط التفكير الذي وضعه غينون، ما يجعله من الواضح أن وظيفة الاستشراق في «الحضارة الغربية» جدلية بصورة أساسية، وهي الجدلية التي تقع في بنى الاستشراق العميقة وبنى أوروبا بوصفها مشروعًا حديثًا بكل ما يتضمنه من مادية وعلم وفلسفة كونية وما إلى ذلك.

 كما يؤكد أن طرح سعيد يفتقر إلى هذه الجدلية، حتى عندما يربط سعيد الاستشراق بتشكلات القوة الكولونيالية والسياسية والاقتصادية. فطرح سعيد أحادي الاتجاه، إذ يبدأ من الكولونيالية ليتجه إلى المستشرقين الذين ينخرطون في تزييف الصور.

وحتى حين يظهر في طرحه بعض آثار العلاقة تبادلية، فإنها تظل غامضة غموض تحليله لـ«القوى الثقافية» التي يعمل فيها الاستشراق؛ فلا يخبرنا سعيد بموقع الاستشراق في الحداثة ككل، وفي الأكاديميا والليبرالية والرأسمالية والممارسات الكولونيالية على الأرض، وفي إعادة تشكيل الذات الخاضعة للكولونيالية، وكذلك في مفهوم السيادية القانوني – السياسي وممارسته، وفي الإبادة، وفي غيرها من أمور أخرى كثيرة، كما لا نجد تحليلاً لسبب وجود الاستشراق في المقام الأول، إذ يجري تناوله كظاهرة مُسلم بوجودها، تمامًا كما هي الحال مع الليبرالية والرأسمالية والإنسانوية العلمانية والأنثروبولوجية والعلم وعلم الاقتصاد والقانون.

وهكذا لا يتجاوز مشروع غينون التحليلي نقد سعيد في قدرته التحليلية للمعرفة الاستشراقية والغربية وأصولها فحسب، بل إنه يفتح آفاقًا للمستقبل تتسق مع عمق تشخيصه. يستنتج حلاق أن الأزمة – بالنسبة لسعيد – كانت سياسية بطبيعتها في المقام الأول، وترتبط بسقوط الإمبراطوريات (البريطانية والفرنسية والهولندية) التي كانت وحيدة – على الأرجح – في التفكير في سقوطها بوصفه أزمة.

ويضيف: لم يفكر سعيد قط في أن كل هذه المشكلات تنبع من المصدر نفسه، أي بنى الحداثة المعرفية العميقة التي منحته إنسانويتَه العلمانية وقيمه الليبرالية.

أما غينون المستشرق، فقد استطاع – من خلال الحفر بعمق في ظاهرة الحداثة بمجملها – ليس فقط توجيه نقد قوي لها، بل صياغة حلول في قوة وعمق القوى التي جعلت «شذوذ» الحداثة ممكنًا.

ويتوصل حلاق إلى أن سعيدًا وغينون يمثلان صنفين آخرين من المؤلفين، ألا وهما «المؤلف المعارض» و«المؤلف الهدام». يمثل سعيد في سياقنا هنا النوع الأول بينما يمثل غينون النوع الثاني.

ويفرد الكاتب جزءًا من الفصل الرابع قبل الأخير من كتابه للحديث عن ثنائيات الحديث والتقليدي أو«الحضارة القديمة» والحداثة. فهذه الثنائيات حين تظهر في أي نص – تبدو مصدر إزعاج شديد لسعيد؛ ففئات مثل«الدين» و«التراث» و«التصوف» و«القديم» ليست قابلة للدراسة التحليلية بسهولة، ولا يمكن حتى اعتبارها موضوعات لدراسة الجادة.

وينقل حلاق هنا كلامًا عن الناقد وليام ميتشل إذ يقول بحسرة يعرف سعيد الدين «في ضوء أفكار نمطية اختزالية» بوصفه «متزمتًا ومتعصبًا ومفتقدًا للعقلانية والتسامح ومهووسًا بالخرافة والتعتيم، وبفكرة غياب قدرة الإنسان في وجود خطة إلهية (أو شيطانية) لا يمكن سبر أغوارها».

وعلى خلاف شيلر وفيكو (الذي يرى حلاق أن سعيدًا أعجب به كثيرًا) وغيرهما ممن اعترفوا بقدرة الدين على فهم العالم مثل العقيدة العلمانية الإنسانوية تمامًا، ينبذ سعيد التراث والدين بصورة تامة تنسخ عمليًّا التحيزات نفسها التي ينتقدها سعيد نفسه في كتاب الاستشراق.

يعرج المؤلف في هذا الفصل ليناقش هنا بإسهاب مفهوم الإبادة، ويدعم الرأي القائل بأن الإبادة الجماعية والمعرفة التي تمكن لها داخل بنية فكرية مصوغة بالكامل من سيادة معرفية، وذلك على خلاف من يركز في الدوافع المادية والاقتصادية للاستعمار ونزعاته الإبادية الأصلية.

هنا يشير حلاق إلى أن حقل الاستشراق الإسرائيلي – المِزْرحَنوت – قد ارتبط بنيويًّا وما زال باستخبارات الدولة وجهازها العسكري، جيش الدفاع الإسرائيلي. وكما هي الحال في أقسام أخرى من الأكاديميا، يُعد المِزْرَحَنوت امتدادًا للاستشراق الغربي ومساهمًا فيه.

كانت أهم مجموعة في هؤلاء الشرقيين هم «العرب» وقد جرى تصويرهم دائمًا على أنهم مستكينون ومنبطحون وبلداء وغير عقلانيين، وهي كلها سمات معادية للحداثة ولأفكار عصر التنوير، ما يجعل العرب قابلين للكولونيالية بطبيعتهم. فمثلما هي حال اليهودي الأوروبي، يعد الفلسطيني العربي «عربيًّا قذرًا» بالتعبير الإسرائيلي السائد والمقزز.

ويعد التعليم في المِزْرَحَنوت وسيلة مضمونة للترقية السريعة في الجيش، ومسوغًا أساسيًّا من مسوغات الانضمام إلى وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد). كما أن التيار بين المِزْرَحَنوت ليس أحادي الاتجاه، بل هو جدلي؛ فليس من غير المعتاد أن يعمل ضابط في الجيش أستاذًا جامعيًّا في الوقت نفسه، بل وقد يظهر هذا الضابط في قاعة المحاضرات بزيه العسكري الكامل في دلالة واضحة على الطبيعة العسكرية للأكاديميا.

ويخلص حلاق إلى القول بأن سعيد لو بدأ بهذه العلامة الدلالية – الواقعة في الجامعة، والمتجذرة في تشكلات خطابية راسخة وفي نظم قوة تنبع من فهم للعالم بوصفه مادة يمكن الاستغناء عنها وتطويعها حسب الرغبة البحتة – لبدأ مشروعه في مكان آخر، ولأنهاه بتحليل للمشروع الحديث بوصفه سيادة إبادية، أو سيادة معرفية في المقام الأول، ولأدرك كذلك أن سوء التمثيل وتزييف الصور ليس إلا أداة من مجموعة أدوات توظفها الحداثة الإبادية.

في الفصل الخامس والأخير يبين حلاق أن تحويل الاستشراق بوصفه نموذجًا أوليًّا من المعرفة الأكاديمية المتخصصة إلى مجال للبحث المتسم بالإنسانية جائز الحدوث، ولكن بعد أن ينفض عن نفسه نزعات الإنسانوية العلمانية والتمركزية الإنسانية والقدرة الكولونيالية والمعرفة السيادية.

كما لا يقترح حلاق توجهًا مؤسسيًّا، بل توجهًا يبدأ من إعادة التكوين الأخلاقي للفرد الذي يكون المؤسسي. كما يؤكد في ذلك على استحالة أي عمليات لتكوين الذات الأخلاقية من داخل إطار الليبرالية.

وفي طرحه لإعادة صوغ الاستشراق وصوغ الفرد، ينبه حلاق إلى أن على الاستشراق أن يعيد النظر في اهتماماته بحيث يضع المفعول مكان الفاعل، وهو ما يعيد بمثابة فيلولوجيا جديدة تتمركز حول ما يمكن أن نطلق عليه «التاريخانية التوجيهية». هنا ينتهي التعامل مع المنظومات التراثية الشرقية بوصفها مستودعًا للفكر الذي يمكن له أن يوجهنا في إعادة تصميم الذات الاستشراقية.

تعد هذه طريقة أخرى للتصريح بأن عمل الاستشراق الفيلولوجي سيمثل الوسيلة البناءة التي يمكن من خلالها للذات السيادية – أي الإنسان الحديث – البدء في مشروع الحفاظ على الروح أثناء عملية تأسيس تقنية جديدة للنفس توفر نموذجًا تسير على نهجه سائر الجماعة الاستشراقية.

 لن تكون هذه العملية إذن عن الشرق أي عن فهمه «حتى يتسنى لنا تعامل معه» بل ستمثل عملية متمركزة أخلاقيًّا لما أطلق عليه فوكو «الاهتمام بالنفس» واستعادة ما قد «بهت وخفت».

كما يؤكد حلاق أن ليس ثمة سبب لبقاء الاستشراق اليوم إلا إذا خدم هذا الهدف. وفور تحقُّق هذا الهدف، فإن الباقي – بما في ذلك الكتابة التاريخية الإنسانية والطريقة الفيلولوجية التعاطفية وغيرها من أمور تتطلب المنظومة العلمية – يتحقق بدوره وبصورة تلقائية.

ختامًا، أرى أن حلاق بالغ في نقده لسعيد، وحاول التحرر بطريقة مستفزة من شبح سعيد، ليصل الأمر به إلى مفارقة مفادها أن سعيدًا نفسه كان مستشرقًا. كما يغفل حلاق عن إسهام سعيد ودفاعه عن القضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد