إنّ الذين جاءوا لدراسة الشرق كانوا أفرادًا متباينين، فمنهم من جاء بلباس العسكر، ومنهم من أتي بصفة الطبيب، لكنّهم في حقيقة الأمر قساوسة كان هدفهم التنصير بالدين المسيحي.

أتى الاستشراق ليحمل كل ما يتضمنه الشرق وفنونه ويضمه إلى الفن الأوروبي، لدراسة البنى الثقافية للشرق من وجهه نظر غربية، من الصعب معرفة الإشكال القائم بين الغرب والشرق لعل أزدهار المسيحية والإسلام خلق خلافًا حضاريًا بين أوروبا المسيحية من جهة، والشرق وشمال أفريقيا من جهه أخرى.

في العصور الوسطي كان الأوروبيون يرون المسلمين ألد الأعداء لهم، بكثرة الحملات الاستعمارية والاستكشافية صار هنالك تمييز بين الحضارات غير الكاتبة مثل أفريقيا والأمريكتين والأخرى الكاتبة والمثقفة في الشرق.

مثل العديد من المستشرقين، خصوصًا من الفرنسيين الشرق ونقلوا العديد من العلوم والفنون التشكيلية كفن الزردشتية، واعتبروها أكثر تمثيلًا للعقلانية من المسيحية، آخرين مجدوا التساهل الديني في الشرق الإسلامي، بدلًا عن الغرب المسيحي، وأثنوا على منزلة العلم في الشرق والصين عامة.

إبان عصر النهضة ونشوء الثقافة القومية الإيطالية، تأثر الأدب الإيطالي بأفكار العديد من المفكرين المسلمين أمثال (ابن عربي، ابن سيناء، أبي علاء المعري، ابن رشد، ابن مسره، الغزالي، الفرغاني، وغيرهم)، لعل أبرز الأعمال الأدبية الملحمة الشعرية – الدينية المعبرة عن التصور المسيحي للعالم الأرضي وعالم الآخرة لدانتي، المتمثلة في عمله الشهير (الكوميديا الإلهية)، فقد عكس دانتي موقفًا تقييميًا إيجابيًا للفلسفة الإسلامية وأعلامها، وأخذ موقفًا متطرفًا من الدين الإسلامي والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مصورًا الدين المسيحي بأنه دين الحق، والإسلام دين كفر وهرطقة، وهو أول من قارن بين صورة القديس فرنسوا الاسيزي (المؤمن) وصورة السلطان المسلم (المتعجرف)، مثنيًا فقط بصلاح الدين الأيوبي نتيجه لفشل آخر الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي التي تمت في زمن شباب دانتي.

كان نشوء الفن الإسلامي على أساس الجذور الفنية التي كانت قائمة في بلدان الهلال الخصيب (لا سيما في سوريا وفلسطين) للحضارات القديمة: السريانية والرومانية والبيزنطية التي دخلت عناصرها في بنية الفكر الجمالي والتشكيلي الإسلامي.

خاصة في الشكلية التي تمت بها بناء المساجد في دمشق، التي أكدت التواصل الروحي للإشكال (الفنية التي قد تبدو للوهلة الأولى كأنها متناقضة أو غريبة أو متناقضة.

ثمثل الاستشراق الفني الإسلامي في محاكاة القوالب الفنية الإسلامية من أشكال الأرابسك، والنقش، والألوان المزكرشة. وكنتيجة لتأثر الأوروبين بفن الاستشراق الرومانسي تبني العديد من المعماريين الأوربيين والأمريكان فن العمارة الإسلامي والمغاربي. وصل هذا الطراز إلى قمة شعبيته في منتصف القرن التاسع عشر، حيث يُعتبر جزء من استعارة مفردات الزخارف والتفاصيل المستمدة من العمارة الإسلامية، وخصوصًا من المغرب العربي والأندلس. بالإضافة إلى المصادر التاريخية التي تعود إلى حقبة ما بعد الكلاسيكية والقوطية.

وقد ظهر هذا الطراز جليّا في العديد من الدول حول العالم، وبالأخص دول أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، حيث تم استخدام العناصر المعمارية الإسلامية في مبان مختلفة كالمسارح والقاعات الكبيرة والمعابد.

الملاحظ أن الفنان المسلم لم يكن يكترث بالفن من أجل الشهرة، بل كان همه منصبًا في أن ينال عمله الفني إعجاب الملك أو السلطان ليكافئه عليها، كما أن الملوك أتخذوا عادة تشيد البناء وما يتبعها من التزيين والتزويق والتأثيث تخليدًا لأسمائهم وذكر عهودهم وما اشتهروا به والقدرة علي تسخير المواهب في تمجيد الدين تارة والمجد الدنيوي تارة أخرى.

ترك الوجود المادي الضخم للفنون الإسلامية في العمائر، وكل ما بناه رجال التاريخ الإسلامي، أثرا على المؤرخين المستشرقين؛ فقاموا بتقسيم الفنون الإسلامية وتبويبها وفق قواعد الفن الأروبي في ترتيب الأثار، فجعلوا أقسامًا خاصة بالعمارة، وأخرى للنحت والرسم البارز، وثالثة للتصوير وغيرها لأنواع التحلية والنقش والزخرفة.

وعندما انبرى مؤرخو الفنون الإسلامية إلى تقسيمها وتبويبها وتحديدها بعد انتشار الاستشراق في أنحاء أوربا المتحضرة، وبعد أن طاف فريق كبير من علماء المشرقيات بلاد الإسلام وعادوا بدراسات متوافرة ومثل للآثار التي وقعت أبصارهم عليها ودروسها في حواضر الشرق القريبة والبعيدة – طبق فريق منهم على تلك الفنون القواعد التي اتبعها علماء الفن الأوربي في ترتيب الآثار، فجعلوا أقسامًا خاصة للعمارة، وأخرى للنحت والرسم البارز والحفر، وثالثة للتصوير وغيرها لأنواع التحلية والنقش والزخرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد