يعد التفويض الإداري من أهم المبادئ والركائز التي يستند إليها كثير من القادة والمدراء في سبيل تجويد الأداء والعمل على تطوير منظومة العمل داخل المؤسسة، وسأعمل جاهدًا من خلال هذا المقال على إلقاء الضوء حول ماهية عملية التفويض الإداري داخل المؤسسات.
إن عملية تفويض السلطات والصلاحيات داخل المؤسسات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية تجويد العمل المؤسسي وتطوير الأداء وتيسير الأعمال، واختصار الوقت اللازم لإنجاز المهام والأعمال المختلفة، وبلا شك يعد التفويض المؤسسي الفعال سبيلًا جيدًا وأسلوبًا متميزًا لتوسيع الفئة القيادية داخل المؤسسات وخلق كفاءات من الصفوف الثانية والثالثة داخلها.

وسأقوم ها هنا بتوضيح المقصود من التفويض المؤسسي حسبما تناوله عدد من المختصين في علم الإدارة الحديثة؛ إن التفويض هو أن يعهد المدير أو القائد ببعض اختصاصاته ومسؤولياته، سواء في مسألة معينة أو في نوع معين من المسائل والأمور إلى أحد مرؤوسيه لكي يباشرها لمدة معينة تحت إشرافه ورقابته، وهو أيضًا وسيلة مهمة للغاية يستطيع بها المدير أن يتجاوز قدراته الذاتية على إنجاز الأعمال والمهام، وفي ذات الوقت يعد التفويض الإداري بمثابة الطريق نحو الاستفادة الكاملة من القدرات والمهارات والخبرات المختلفة لدى المرؤوسين.

ومن المفاهيم الخاطئة عن التفويض أن البعض قد يفهمه وكأنه بمثابة التخلص من السلطة أو التنازل عنها، وهذا أمر غير صحيح تمامًا؛ فالمدير الذي يقوم بالتفويض في بعض مهامه ومسؤولياته يحتفظ دائمًا بسلطته الشاملة على هذه الواجبات وتلك المهام، فالتفويض لا يعني أن يتخلى المدير أو القائد عن التزاماته ومسؤولياته ومهامه، ولكنه يعني منح الآخرين الفرصة لتولي مهام قيادية معينة أو مباشرة أعمال تفوق ما كلفوا به في الوصف الوظيفي الخاص بهم، وذلك لتنمية قدراتهم وتعزيز جدارتهم المهنية في العمل داخل المؤسسة.

وسأتناول الآن المبررات والأسباب الداعية لتفعيل هذا المبدأ الإداري – التفويض- داخل المؤسسات المختلفة:

إنَّ التفويض يوفر للمدراء والقادة الوقت الكافي للقيام بمهامهم وأنشطتهم وفقًا للأولويات والأهمية داخل المؤسسة، ويتيح لهم مزيدًا من الفرص للتخطيط والتطوير والتجديد والابتكار وتجويد الأداء بشكل عام، وكذلك إن التفويض المؤسسي الفعال يزيد من الرضا الوظيفي لدى المرؤوسين؛ فهو يؤثر إيجابيًا على معنويات الموظفين، ويزيد من فرص تعلمهم، وتنمية مهارتهم، ويعزز لديهم الشعور بالمسؤولية، وأهمية المشاركة والعمل ضمن الفريق.

وكذلك تتيح ممارسة التفويض الفعال الفرص لدى العاملين للاشتراك في التعرف على التحديات والعقبات والصعوبات التي تواجه أداء المؤسسة وتحليلها والمساهمة الفعالة في تقديم الحلول من أجل التغلب عليها ومواجهتها، وهناك أيضًا العديد من الفوائد والآثار الإيجابية التي تعود على المؤسسة نفسها نتيجة تطبيق المدراء لاستراتيجية التفويض الفعال، ومنها: الاستخدام الأمثل لكفاءة المرؤوسين، وتقليل الوقت اللازم لأداء الأعمال، وإنجاز المهام، وكذلك خفض التكاليف وتقليل ميزان المدفوعات والتكاليف، وتحسين نوعية الخدمات المقدمة، وخلق جو داخل المؤسسة يتميز بالتفكير الخلاق والتجديد والتطوير والابتكار المستمر.

وأيضًا تحقيق مبدأ ديمقراطية الإدارة: حيث إن من المفترض أن تكون مهام الإدارة تتسم بمشاركة المدير مع جميع العاملين داخل المؤسسة وإتاحة الفرص للجميع في حل المشكلات واقتراح الحلول التي من شأنها أن تواجه العقبات وتقضي عليها، وأيضًا إتاحة الفرص للعاملين لصنع القرارات، والمساهمة في عمليات الإشراف والمتابعة والتقويم المستمر بهدف تحقيق أعلى مستوى ممكن من جودة الأداء المؤسسي، وأيضًا من أهم الفوائد التي تعود على المؤسسة نتيجة تطبيق التفويض الفعال ضمان حسن تنظيم الأعمال والمسؤوليات، وعدم اضطراب العمل داخل المؤسسة عند غياب المدير أو القائد؛ وذلك ببساطة شديدة لأنه أصبح هناك صف ثان وثالث في كل مستوى من مستويات التنظيم الإداري داخل المؤسسة.

ومن المهم في هذا السياق أن أشير إلى بعض الضوابط المهمة والتي يجب على المدراء والقادة معرفتها قبل القيام بعملية التفويض داخل المؤسسة وذلك حتى يأتي التفويض بالفائدة والأهداف المنشودة منه؛ ومنها: يجب أن يكون التفويض مستندًا لنص قانوني أو إداري داخل المؤسسة، وكذلك يجب أن التفويض صريحًا وواضحًا ويستحسن لو كان مكتوبا وموثقًا داخل المؤسسة، وأيضًا يجب على من يفوض أن يتأكد من أن التفويض في مسألة أو أمر معين غير متعارض مع نص قانوني أو تشريعي أو أمر إداري معين.

وقبيل الختام أشير إلى أن هناك بعض الأمور والتحديات التي قد تواجه عملية التطبيق الفعال لمبدأ التفويض المؤسسي ومنها: الفلسفة الإدارية لدى البعض والتي تجعلهم يشعرون بأن المركزية في القيادة والإدارة وعدم إشراك الآخرين في اتخاذ القرارات هي الوسيلة الناجحة للإدارة والطريق الصحيح نحو تحقيق الأهداف.

وأخيرًا، أقول: إن تطبيق مبدأ التفويض الإداري داخل المؤسسات بصورة إيجابية وفعالة سيساعد المؤسسات على تطوير أدائها، وتحسين قدراتها، وتحقيق أهدافها، و إنجاز مهامها بصورة أفضل، وفي وقت أقل وفي مناخ عمل يتسم بقوة الولاء والانتماء للمؤسسة والتعاون والإيثار وتحمل المسؤولية والجدية في الأداء لدى جميع العاملين بالمؤسسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد