تعد الديمقراطية هذه الأيام من أفضل النظم في العالم كما يروج الغرب، ولكن الحقيقة تختلف تمامًا عن هذا الادعاء، لأن الغرب الذين يدّعون أنهم هم أصحاب الإنارة والتقدم والازدهار والحرية الشخصية قسموا هذه الديمقراطية بشكل غير رسمي إلى قسمين مهمين الأول هو الديمقراطية الأصلية السائدة المعروفة في العالم، والثاني الديمقراطية الخالصة، أوالديمقراطية الانتهازية، وسميت بالانتهازية بسبب أنها يتغير لونها حسب الظروف والأحوال، وهذه الظروف والأحوال تتعلق بقرارات دول الغرب التي ترى في بعض الديقراطية خطرًا على مصالحها وعلى مصالح شركائها حول العالم.

الديمقراطية الانتهازية كما قلت تتغير لونها في كل المناسبات وليس لها شكل موحد، ولا يمكنك أن ترى تعريفها في أي قاموس من قواميس العالم؛ لأنها مفتعلة ومصممة من قبل أصحاب الديمقراطية الأصلية لتصديرها وتطبيقها على تلك الدول التي يرغب معظم الناس فيها صياغة حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والمالية والسياسية والتعليمية والثقافية كما يرجون أو كما تأمرهم أفكارهم ومفاهيمهم الدينية أوالإرثية أو تطلعاتهم التي تعطي لهم فرصة ليكونوا أصحاب الاكتفاء الذاتي في العالم.

قد شاهدنا تطبيق صورة هذه الدميقراطية الانتهازية في كثير من المناسبات ولكن الأمر المضحك هو أن هذه الديمقراطية توجد في هذه الأيام في العالم العربي فقط، لأنهم كما يظن الغرب ويروج أخطر الناس في العالم والأيديولوجية التي تمتلك هذه الأمة خطر على العالم وتطبيق مفاهيم تلك الأيديولوجية ستكون بمثابة تدمير هويات الإنسانية جمعاء!

وهذه هي الكارثة التي حلت بهذه الأمة وأصحاب هذه الأمة لم يعطوا فرصة ليتمتعوا بحلاوة الديمقراطية وثمارها وحينما أعطيت لهم فرصة خربوها أو حاول البعض أن يخربها قائلين هؤلاء ليسوا مؤهلين للقيام بهذه المهمة وهذا ما حدثت في مصر وتونس والجزائر وفلسطين من قبل والآن بعد سنوات عدة مواطنو الجزائر والسودان يريدون نفس الديمقراطية في بلدانهم، ولكن نرى السلطات في تلك الدول غير مستعدة لنقل السلطة للحكومة المدنية لأنها تتعرض لضغوطات من قبل الدول في الغرب ومسانديه في المنطقة العربية.

الحقيقة المرة هي أن الغرب لا يريد نشوء أي دولة عربية أو مسلمة تقبل مبادئ الديمقراطية الأصلية السائدة في كل أنحاء العالم؛ لأنها ستعطي فرصة لمعظم الناس في العالم العربي لتشكيل مستقبلهم ولإنقاذ دولهم من تبعية الدول الغربية ومن الانصياغ لأوامرها الآمرة بتنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية وسياسية وثقافية وتعليمية التي تتعارض مع مبادئ الحرية في كل المجالات وتجعلهم يتبعون هوى هؤلاء القوى وهنا يبرز النفاق الغربي الذي شاهدناه عدة مرات في التاريخ.

ولماذا تم إلغاء نتائج الانتخابات في الجزائر قبل 28 عامًا حيث كانت جبهة الإنقاذ الإسلامية الحركة الإسلامية في الجزائر في الطريق لتصل إلى سدة الحكم بعد فوزها بأكثر من 188 مقعدًا من أصل 231 مقعدًا وبأغلبية ساحقة وصلت إلى 82%؟ شاهدنا الانقلاب على الديمقراطية من قبل العسكر المدعوم من الدول الغربية وقيمة هذا الانقلاب كان 100 ألف قتيل في بلد لم يهدأ بعد ونفس الشبح يتبعه هذه الأيام.

وفي مطلع عام 2006 فازت حركة المقاومة الإسلامية في الانتخابات التشريعية في فلسطين ولم تتمكن الحكومة المنتخبة من القيام بواجباتها الدستورية بسبب المؤامرات من قبل إسرائيل والدول الغربية ومن داخلها من رموز حركة فتح وغير من الخارج، ولكن حماس بدلًا عن التفاوض حول تشكيل حكومة ائتلاف جامدة قررت إقامة معبر الحرية بالسيطرة على قطاع غزة قطعة صغيرة من دولة فلسطين والتي أصبحت هذه الأيام مصدر الكرامة والعزة لكثير من الناس يرغبون الحرية في حياتهم.

شاهدنا نفس السيناريو في مصر بعد فوز حزب الحرية والعدالة بقيادة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية جرت عام 2012 حيث قام وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بعد عام بإلغاء الحكومة الديمقراطية وأسس نظامه العسكري الخاص والآن قد أصبح رئيسًا لمصر أم الدنيا إلى عام 2030! وهذه هي المسخرة التاريخية يشهدها العالم العربي منذ تولى السلطات العسكرية الحكم في هذه الدول.

هذه هي من مفارقات عصر النظام العالمي الجديد وتطبيق الديمقراطية الانتهازيةعلى العالم العربي من قبل الغرب وحلفائه الذين يتباهون عن الديمقراطية ويطالبون العالم بتطبيقها، ولكن حينما تصل الأحزاب السياسية الإسلامية إلى السلطة عبر الانتخابات الحرة في العالم العربي ها هم يجتمعون ويقولون إن هذا النمط من الديمقراطية خطر على العالم العربي والعالم! مفارقة ساخرة أليس؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد