النظر إلى أحوال العالم الإسلامي عامة، والعربي خاصة، يظهر لنا، على مستوى الأفراد، شكلا من التخبط يعيشه الفرد بين تيارين، تيار إسلامي يستمد شرعيته من القرآن باعتباره الكلمة الحق المطلقة المنزلة من عند الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنة الرسول المكملة والمبينة لشرائع الدين، مع قرابة ستمائة عام من الاجتهاد الفكري الإسلامي والعلمي، كل هذا، وأشياء أخرى، جعلت من هذا التيار أداة فكرية مؤثرة في شخصيات الأفراد لدى المجتمعات الإسلامية، تاركة إياها مقتنعة أن ما صلح آنذاك، لابد أن يصلح هاهنا مع اختلاف في الظروف.

منتقدو هذا الفكر حجتهم هي مدى لفاعليته في مواجهة تحديات العصر وتوفير بديل يسمح لمعتنقيه بتحقيق تقدم مكافئ لما هو محقق في الدفة الأخرى من النهر، ويتجلى إخفاقه بوضوح في تخلف صناعي فكري ثقافي للدول الإسلامية (مع بعض الاستثناءات، وهي جد مهمة في دراستنا هاته)، وستتبين محدودية هاته القراءة على ضوء ما سنعرضه.

وهنالك تيار فكري غربي بدأ اشعاعه مع النهضة الأوروبية التي اجتاحت أوروبا مع بداية القرن الثالث عشر، وبلغت ذروتها مع نهاية القرن السادس عشر مستفيدة من التبادل العلمي الفكري التجاري مع مختلف الممالك الإسلامية وقتذاك، ثم بعد ذلك فاتحة المجال لثورة صناعية لا تخفى على أحد منا نتائجها، هذا التيار يستمد روحه (إن كانت هنالك روح) من مدى فعاليته المترجمة للغة تقدم تكنولوجي هائل تعيشه، وتستفيد منه الدول الصناعية الكبرى.

منتقدو الفكر الغربي يعدونه جريئا على كل الفكرة الإنسانية بحد ذاتها مع كل ما يحمله الوصف من تطرف نقدي، يرونه تجسيدا لفكر مادي مطلق يمحي كل امتداد للوجود الإنساني، بداية ومصيرا، شعاره (الغاية مبررة للوسيلة).

يتناول المفكر مالك بن نبي هذا الطرح في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) أثناء حديثه عن عدم تفريق الفرد في العالم الإسلامي وتخبطه بين أصالة الفكر الإسلامي وفعالية الفكر الغربي. أصالة باعتبارها شريعة شرعها الخالق لعباده وربط صلاحهم وفلاحهم، بشقيه الدنيوي والأخروي، بمدى تطبيقهم لمضمون الشريعة والقانون الإسلامي، وفعالية فكر غربي حاث للفرد على بذل كل ما يوجد من أجل الرفاهية الاستهلاكية المادية، ثم لاشيء بعد ذلك. وبوضع اعتبار للقانون الاجتماعي لابن خلدون، فالمغلوب دوما تابع للغالب، وبالتالي هذا التخبط في أدنى حالاته ينتج حالة من الشك وعدم اليقين في مدى صحة الفكرة الإسلامية ككل، وفي أقصى حالاته (وأصفها بأسوئها) ينتج فكرا الحاديا متفشيا في أفراد الأمة الإسلامية كنتيجة واضحة لتيار علمي علماني غالب.

هل يمكن الربط والتوفيق بين الأصالة والفعالية؟ أقول نعم، أثناء تقديمي للفكر الإسلامي، تعمدت ذكر ستمائة سنة من الاجتهاد والفكر الديني والعلمي، وبعد ذلك، غالبا ما كان يتم تداوله هو الاستقاء من هذا الوعاء الاجتهادي مع بعض الاستثناءات، فبالضبط بين القرن التاسع والثالث عشر، عاش العالم الإسلامي أزهى العصور العلمية، في الشرق دار الحكمة في بغداد، وفي الغرب قرطبة مدينة العلم، وككل تيار حضارة في التاريخ الإنساني المدون، تلا هذا الازدهار فترة ثبات ثم انحطاط تدريجي. على نفس السلم الزمني، وفي نفس الفترة، أعني بذلك بداية الانحدار، بدأت بذور المعرفة تنثر في أيطاليا والعلم يتدفق من الأندلس استجابة للحركة الفكرية المتدفقة على أوروبا من أطراف العالم الإسلامي آنذاك، فهذا توماس الاكويني المولود في صقلية القريبة من مراكز المسلمين، بل تواجد بها مسلمون، كان من أوائل من تأثر بالفكر الإسلامي، ابن رشد، الغزالي وابن سينا وغيرهم.

إذًا في جذور هاته الإشكالية، وبعيدا عن إثارة أي مما يسمى (تحديات العصر) التي يواجهها المسلمون، نرى أن فعالية الفكر الغربي كان في بدايته امتداد للفكر الإسلامي ذي الطابع الأصيل، هذا الأخير أدى عدم اهتمام أهله بسقي جذوره والاهتمام بنموه، إلى فقدان بريقه وتخلفه عن ركب الحضارة.

                                                                                                                                                                 يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد