كان الناسُ، فكانوا معادن، يلمع منهم كلُّ شريفِ الأصل كريمِ المحتد نقيِّ المعدن، يتباينون كما تتباين المعادن، منهم النفيس ومنهم الخسيس، ثم كل معدن من نفس النوع يتفاوت، فمنه الخالص والمشوب. وحيثما كان ذو المعدن النفيس الخالص فإنك ترى لمعانه، ولا يخفى عليك بريقُه.

والمعدن الخسيس الرخيص، لن يخفى عليك كذلك، ولن تخطئَ عينُك شوائبَه، فإن خفيَت على عينيك لمحتَها بوضوحٍ بعين بصيرتك وقلبك. ومن هنا تتشاكل الأرواح، تتعارف أو تتناكر، فمؤتلفة أو مختلفة. وتبارك الله! خلق فسوَّى وقدَّرَ فهدى.

ارجع بذهنك إلى عمق الأيام، في صدر التاريخ؛ ترَ الخبرَ المشهور الذي بدا واضحًا فيه كيف تمايزت المعادنُ كما لم تتمايز قبلَها، خبر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، ثم خَطَت على خطاهم البشريةُ من بعدُ فقابيل أو هابيل!

اعجب كيفما شئت، كيف لابني آدم اللذين نشئا معًا وتربَّيا معًا، وخطوَا خطواتهما الأولى معًا، رتعا معًا في مراتع الصبا، أكلا معًا وشربا، أب واحد وأم واحدة، غُذيا بلَبان واحد، بيئة واحدة، وروافد واحدة! فأي شيء هذا الذي كان؟ هنا تبرز في عينيك نتيجة واحدة: المعدن!

برز معدنُ السوء في أحدهما فظلمَ أخاه فقتله، وما يزال يحمل على ظهره من أوزار الذين يشابهونه فيما صنع، جزاءً بما سَنَّ للبشرية سبيلًا بئستِ السبيل! وقد اهتدى أسلافنا لكل ذلك من قديم، وامتدَّ ذلك حتى أننا سمعنا من آبائنا: «الطبع غَلَّاب» و«الطبع يغلب التطبع». وقد «اتفقت العرب والعجم على قولهم: الطبع أمْلَكُ». وقد صدقوا.

ما تزال نفوسُ الناس تغلبهم بما ارتكز في أصل معدنهم، وإن ردموا فوقَها بظواهر الأخلاق والطباع.

كلُّ امرِىٍء رَاجعٌ يَوْمًا لِشيمَتِهِ
وإِنْ تَخَالَقَ أَخْلاَقاً إِلى حِينِ

والتطبع هو استعمال غير ما في طبعك، وما يخالف أصل معدنك، وما لا تفعله إلا بتكلف. والشواهدُ تفضح ذلك التكلف، تفضحه فلتات اللسان وصفحات الوجوه وما يندّ من أفعال عند الشدائد، فـ«الأخلاق غرائز كامنة».

وكلما تكلَّف المرء أن يبدو على غير أصله؛ نزعَه العِرق. كما قيل: «المَرْء يَصْنع نفْسه فمتى ما تبلُهُ ينْزع إلى العِرْق».

أي عِرق أصله ومعدنه، وانكشفَ ما يدّعيه مما هو فيه، وعند الشدائد تظهر كمائنُ القلوب ومستسَرَّات الأنفس، و«من تحلى شيمةً ليست له، فارقته وأقامت شيمه».

وأسرعُ ذاهبٍ عنك حينها: ما تكلَّفْتَه ضدَّ طبعك. كما قال أبو الطيب:

وَأَسرَعُ مَفعولٍ فعَلتَ تغَيُّرًا
تَكَلُّفُ شَيءٍ في طِباعِكَ ضِدُّهُ

أي أن «تغير الأفعال التي هي غير مطبوعة أشد انقلابًا من الريح الهبوب».

وسرعان ما ينحسر عن كل متصنّع ثوبُ الزور الذي يرتديه، ويذهب أدراجَ الرياح كلُّ خلقٍ من ورقٍ ليس فيه. وَمَن يَبتدع ما ليس مِن خِيم نَفْسه يَدَعْه ويَغْلِبه على النَّفس خِيمُها.

وقالوا: «من تَطبّعِ بغير طبعه نَزَعَتْه العادةُ حتى تردَّه إلى طَبْعه، كما أنّ الماءَ إذا أَسْخَنتَه ثم تركتَه ساعة عاد إلى طَبعه من البرودة، والشجرةَ المُرّة لو طليتَها بالعسل لا تُثمر إلا مُرًّا. وفي كتابٍ لِلْهند: إنّ الرَّجل السوء لا يَتَغَيّر عن طبْعه، كما أنَّ الشَّجرة المُرَّة لو طَلَيْتها بالعَسل لم تثمر إلا مُرًّا».

وكم قد رأينا من أناسٍ تقلبوا بين المذاهب والأفكار ما بين إفراط وتفريط، قربًا من الدين وبُعدًا، وما تهذَّبت نفوسُهم في كل أحوالهم على تباينها، بل المعدن هو هو، فقط قد اكتسى ثوبًا جديدًا يظهر فيه، وما زلتَ تلمح أصلَ معدنهم تشفّ عنه نفوسهم برغم كل الزخارف، فأينما ذهبوا أو حلُّوا؛ وقعوا على أسوأ ما عند كل طائفةٍ انتسبوا إليها، وصاروا كالذباب لا ينتقون إلا القذر! وكانوا ثُلمةً تودّ كل طائفةٍ لو سدَّتها ونفتها عن أنفسهم وإن وافقتهم في أصول الفكرة.

فالمعدن الرديء يرفضه كل ذي ذوقٍ سليم ومعدنٍ نبيل. لذا فإن أشراف الناس في جاهليتهم، أشرافُهم بعد استقامتهم إذا فقهوا.

إذا علمنا أن الناس معادن؛ علمنا أنها مُتَجَذِّرةٌ في النفوس، فإذا ترسخ في المرء لُؤمٌ ونذالةٌ وترسَّخ في أصل معدنه الغدر؛ فَقَلَّما يبرأ من دائه وإن كانت لك عليه الأيادي البيضاء بحسن صنيعك ووافر حقك، وما نبأ «مجير أم عامر» عنا ببعيد. وأم عامر: تسميةٌ للضبع عند العرب.

فأعجب كيف لم يشفع له عندها حسنُ صنيعه معها، فقطَّعت أوصالَ أخيه، فكأنها قطعت – إذ قطعت أوصال أخيه – كلَّ وفاء يستحقه وكل جزاء كان أهله، غلب طبعُها فارتدت إلى أصل معدنها.

وكذلك نبأ ذئب الأعرابية الذي بقَرَ شاتها. ذئبٌ.. مطبوعٌ على الغدر، فغلبه طبعُه، وإن غُذي بلبان الكرام الأشراف. وكذلك الناس، ينزع كلٌّ منهم إلى عرق معدنه:

ومَن يبتدعْ خُلْقًا سوى خُلْقِ نفسه
يدعه وتُرجعه إليه الرواجعُ

أما كريم المحتد نفيس المعدن، فأصيلٌ لا تشوبه شوائب اللؤم، ويذكر صنائعَ المعروف وأيامَ الصفاء، فلا تطاوعه نفسُه على الغدر أو اللؤم، بل لا تطاوعه نفسه على رد سيئةٍ بسيئةٍ لمن كان بينه وبينهم يومًا ولو طيفٌ من الودّ.

واقرأ بقلبك أبيات ذلك الشريف الذي أبت نفسُه عليه الانتقامَ من خلٍّ قديمٍ، وإن خانه وعَقَّه:

إِذا خانَني خِلٌّ قديمٌ وَعَقَّني
وَفَوَّقتُ يومًا في مَقاتِلِهِ سَهمِي
تَعرَّضَ طيفُ الوُدِّ بيني وَبَينَهُ
فَكسَّرَ سَهمي فانثَنَيتُ وَلم أَرمِي
لله ما أرَقَّه وما أنْفَسَ معدنَه!

إن الإنسان إن لم يأخذ نفسَه بالعزائم، فيصلح ما هو فاسد، ويُقَوّم ما هو مَعوَجّ، ويعجم عُودَ نفسه مع الأيام والليالي، حتى تصير الطباعُ المستجادة طبعًا راسخًا فيه ومَلَكةً لا يتكلفها.. إن لم يفعل ذلك؛ فإنّ رِدَّةَ طبعه القديم قريبةٌ منه لا محالة وطاغيةٌ عليه وإن لم يدرِ!

يا أَيُّهَا الْمُتَحَلِّي غَيْرَ شِيمَتِهِ

إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ
حتى هواك مفضوحٌ إن تكلَّفتَه، بادٍ إن كان فيك وأخفيته.. وإن اجتهدتَ!
هيهاتَ لا تتكلَّفَنَّ ليَ الهوى
فضح التطبعَ شيمةُ المطبوع!

وإذا كانت الناسُ معادنَ متفاوتة كما أسلفنا؛ فإن الأرواح جنود مجندة، وكل جندي من الأرواح يحنّ إلى شبيهه من المعادن، فيتشاكل الناس، كلٌّ وما يلائمه وما تنسجم روحُه مع روحه ومعدنُه مع معدنه.

وسبحان الله خالق النفوس! ما زلتَ ترى الرجل يودّك ولم ترَ منه سوءًا، ثم لا تكاد تألفه ولا تميل إليه! بلا سببٍ ظاهر!

وربما ألفتَ امرءًا وأحببتَه بلا شيء منه، ربما حتى من صفحة وجهه، أو من حرفه وإن لم ترَه!

ستبقى الأرواح من أمر الله، سرًّا استأثر ربنا بعلمه، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

وما قصص المحبين عنا ببعيد.

سيبقى السرُّ.. سرّ التآلف والتخالف.. التدابر والتقارب.. التعارف والتناكر.. غامض يحوم الناس حوله ولا يمسكون به، يشمونه ولا يُفرَك، يقتربون منه وهم أبعد ما يكون عنه، ويبتعدون عنه وهم أقرب ما يكون منه!

«الناس معادن…» هذا حديث مشهور، وكذلك «الأرواح جنود مجندة…». لكني كأني وقعتُ على كنز حينما قرأت – من قريبٍ – روايةً في صحيح مسلم تجمع بين الحديثين! فانفتَحَت في نفسي طاقاتٌ من المعاني وددتُ لو اقتنصتها فكتبتها.

ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، خِيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا، والأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ». ومَن تأمل هذا الحديث بروايته هذه؛ فأرجو أن يفتح الله له أبوابًا من المعاني البديعة.

وختامًا فما أسوأ الذين يتدثرون برداء الديانة وفي باطنهم أخس المعادن، فلا هم أصلحوا أنفسهم بما يزعمون من تدين، ولا هم تركوا الدين سالمًا لا ينفذ له الأوباشُ من خلالهم، فأساءوا من حيث أرادوا الإحسان، وصاروا معاول هدمٍ يحسبون أنهم يهدمون الضلال، وما هدموا إلا لَبِناتٍ من جدار الدين. فصاروا عبئًا عليه ووبالًا على أهله، وما يشعرون، وهم يحسبون أنهم يحسنون، ولا وربك لا يحسنون، لكنه التزيين.. تزيين الشيطان والهوى، «حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ». و«أسوأ السوء خُلُق سوءٍ وجد له معطفًا دينيًا يختبئ فيه!». كما قال وأحسنَ وجدانُ العلي.

وما أشدَّ غربةَ المعادن النبيلة في زمانٍ عُقِدت فيه أسواقُ الخِسَّة وبِيع فيه كلُّ ثمين بأبخس الأثمان! ما أشدَّ غربتهم!

كن حقيقيًّا أولًا، ثم كن ما تشاء بعد ذلك.. فلنا سَعةٌ معك إذا طاب معدنك.

وَمَهْمَا تكنْ عند امْرِئٍ من خَلِيقَةٍ
وَإِنْ خَالها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ

المراجع:

1–شرح مقامات الحريري للشريشي.

2–العقد الفريد.

3–شرح ديوان المتنبي للواحدي.

4–شرح ديوان المتنبي للعكبري.

5–العقد الفريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد