أنا من مواليد منتصف التسعينات، جيلي لم يعرف السياسة إلا بعد الثورة، كنت قد حاولت أن أدخل المجال العام قبل الثورة بسنتين عن طريق القراءة وكانت كتب بلال فضل في ذلك الوقت هي المدخل الصحيح، عرفت أن مباركـًا دكتاتور، حينما قامت الثورة أكاد أجزم أن لا أحد من جيلي كان قادرًا على امتلاك تلك المساحات من الوعي التى تؤهلة مع غيره لبناء رؤية صحيحة عن الحراك، التزمنا في مجموعات ثورية، كان يقودها بشكل ما أشخاص مسهم قبس من الدكتاتورية من جيل السبعينات أو الثمانينات، لكن كنا نصل لتوافق ما حول إدارة الاشتباك الذي كنا نخوضه في البداية مع النظام ممثلًا في المجلس العسكري. كانت نقطة التحول في نظري الشخصي هي مع مجيء الإخوان بدأت المراجعات أن المعركة ليست مع النظام، إنما مع بنية الدولة الرجعية بكل مؤسساتها، كنا نقضي الليالي والشهور في نقاشات على المقاهي، «يستلف» بعضنا من الآخر أو نحاول التصرف في أموال من أجل إعاشة من كان يقبض عليهم، قبل الإخوان كانت الاشتباك يعني النزول للشارع، لم نهتم كثيرًا بتطوير مساحات الوعي التي نمتلكها.

 كانت سنة الإخوان هي الحاسمة في معركة الوعي تلك!

نبحث على الإنترنت عن كتب على شاكلة كرين برنتون عن تشريح الثورة لنفهم، كان ما يقوله المسؤولون في المجموعات الثورية المختلفة لا يعجب كثيرًا منا، كان الإنترنت هو الملجأ الوحيد لنا لمحاولة بناء ذلك الوعي، شخصيًا كنت أشعر بالتشوش كلما أقرأ عدة صفحات في كتاب، كنت أقرأ بنهم، لو كان مع أحدهم جهاز لتسجيل محاوراتنا على المقهى والتي تتغير وجهات النظر فيها لكل شخص يومًا عن يوم لأخذنا اليوم نضحك على آرائنا لما تحويه من سطحية.

كان تشكيل الوعي لجيلنا بالأخص المشتغلين بمتابعة المجال العام، في معظمة هو وعي ذاتي، لذلك كان عداء الدولة لنا واضحًا على كل المستويات، ببساطه شديدة أعتقد أن هذا الجيل هو من لم تستطع الدولة أن تروضهم في حظيرتها الرجعية.

حكى صديق لي أكبر في السن عن أنه منذ منتصف الثمانينات وحتى بداية الألفية الجديدة، كانت مسلسلات السيناريست الشهير «أسامة أنور عكاشة» هي التي تشكل الوعي الجمعي لمن يريد أن يراقب المجال العام، سواء لفرض معرفته السياسية على أصدقائه باستعراض كلام حول روعة الزعيم عبد الناصر، وخيانة السادات، كانت الوطنية في ذلك الفترة تعني نعم لعبد الناصر ولا للسادات، وأنهم كانوا في غاية الفرحة حينما يشاهدون مواطنًا بسيطـًا يعيد تشكيل مفهوم أسامة أنور عكاشة عن الوطنية، ليقوله لجاره في مقعد الأتوبيس.

شخصيًا لا أتذكر كثيرًا من أحداث مسلسل ليالي الحلمية، لكنني أتذكر أرابيسك جيدًا، يمكن لأن والدتي كانت معجبة بهذا المسلسل، فكنت أشاهد إعادات كثيرة له.

صراحة لا توجد محاولة لبناء مشروع فني سياسي في الدراما المصرية غير محاولات «أسامة أنور عكاشة»، الرجل فعلًا يمتلك مشروعًا فنيًا بامتياز، قائم على تطوير نظريات حول الوطنية والهوية والحكم والديمقراطية؛ لذلك شكل الرجل فاعلًا مهمًا في المجال العام لمدة كبيرة من خلال مسلسلاته.

منذ شهور تعرفت على أحد أبناء نظريات أسامة أنور عكاشة، تحدث كثيرًا عن كل شيء، بداية من وجودية سارتر وحتى عدمية شوبنهاور، كان غريبًا حقـًا، لكن حينما يأتي الحديث عن السياسة تجده يعيد عليك تلاوة مسلسلات أسامة أنور عكاشة، كان يحمل هموم الرجل نفسها بامتياز، الوطن هو الأرض، مصر تمتلك هوية، الدولة فوق كل شيء.

تفاجأت عندما علمت أن نظرية «مبارك كان جيدًا في أول عشر سنوات» منشؤها مسلسلات أسامة أنور عكاشة.

لم أكن أحمل مشاعر حب أو كره تجاه الرجل، كنت أقول في قرارة نفسى دعهم يشاهدون مسلسلاته، بالتأكيد هي أفضل من السبكي أو مسلسلات «المتأمركة» التي نشاهدها الآن، لم يكن يشغلني مشروعه الفنى بالدرجة الكبيرة.

كان تشكيل الوعي لجيلهم في معظمه هو تشكيل غير ذاتي.

حينما يذكر أسامة أنور عكاشة تذكر الوطنية، وحينما تذكر الوطنية تذكر الهوية، وحينما تذكر الهوية يقع الجميع في الفخ المحير من الأسئلة التي لا طائل من طرحها ولا جديد في الإجابة عليها.

كنت على دراية بأن الرجل ساهم بشكل أو بآخر في تكوين الوعي الجمعي، وخاصة ذلك المهتم بالمجال العام السياسي في مصر، في الأوساط الثقافية هو أقل شأنـًا بالتأكيد، لكن جيله، ومن عاصر مسلسلاته في الثمانينات والتسعينات يشهدون له بالعبقرية.

مع صدمة الوعي التي تعرض لها جيلي، والتي أنتجت بشكل كبير في المشتغلين بالمجال العام أو المراقبين المختصين وغير المختصين له نوعًا من الوعي قائمًا على نقد النماذج الوطنية القديمة، والتي ظلت حتى الآن في مجملها مستمدة من نظرة عبد الناصر المؤمراتية تجاه الأمور، وأشعار صلاح جاهين الحالمة في الستينات، وحتى النقد الوطني من داخل الدولة في مسلسلات أسامة أنور عكاشة.

 

قد تختلف أو تتفق حول ماهية الوطن، هل هو الأرض؟! هل هو الشعب؟! هل الاثنان معًا؟! من الممكن.

لكن حينما يتعلق الأمر بالإنسانية في المقام الأول على الجميع الرجوع لها كمرجع جامع وشامل لتعريف انحيازاتنا الأخلاقية في لحظة ما من التاريخ، تلك الإنسانية التي تمنح العمل الأدبي والفني حسه العالمي، التي تمنحه من وحي الإبداع قبسًا، التي تعطيه رونقًا خاصًا بغض النظر عن انحيازاته، الإنسانية التي أبقت تشيكوف، ومحفوظ حتى الآن، أبقت أفلام بيرجمان، وتاركوفسكى حتى الآن.

الإنسانية التي لا تحتاج منا البحث عن مفهومها، تتجسد في رفض الدم، والقتل، والسبي، والقمع، وإطلاق الحريات العامة منها والسياسية، الإنسانية هي التي تمنحنا الانحيازات الصحيحة في نهاية الأمر، هي التي تجعلنا ننشغل بهموم الفقراء والمهمشين وندافع عن المضطهدين والأقليات، الإنسانية التي تعرف ماهية الوطن في نفوس من يقبعون في سجون الاعتقال التعسفي للنظام.

كل من سبقوا لم يفعلوا ما فعله أسامة أنور عكاشة، كان للرجل مفهوم عن الوطنية، يحاول إسقاطه على شخصياته، لا يوجد فرق عنده بين وطنية حسن أرابيسك البوهيمي الفقير، وبين وطنية علي البدري ابن البرجوازية، كلهم يحبون الوطن، والوطن هو الأرض.

في رأيي أن تلك الثنائية التفاعلية بين مفهوم الوطن وربطه بمفهوم الأرض هو ما أودى بنا للجحيم حقًا، أصبحت كل الفظاعات ترتكب باسم الوطنية، والأمن القومي. تقتل السلطة فيهلل المؤيدون بأن ذلك دفاعًا عن الوطن، ليس هناك من وطن يقتل أبناءه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد