بعد أن التزمت منظمة التحرير الفلسطيني بحق دولة الاحتلال الإسرائيلي في العيش بسلام وأمن، والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة؛ لعيش حقبة خالية من العنف، وإدانة الإرهاب، وتقييد الشعب الفلسطيني بهذه الاتفاقية، وفرضها عليه، دون أن يتم أخذ رأي الشارع الثوري؛ باعتبار أن هذا الشعب ضحّى من أجل الوطن، ورواه بدمه، فله الحق الأساسي الأول والأخير في تقرير مصيره وأرضه.

أصبح لدولة الاحتلال أحقيّة بممارسة حقوقها، التي استمدتها من الاتفاقية، أو من خلال فرض هيمنتها على هذا الشعب، ومحاسبة كل شخص، ينتهك بنود الاتفاقية؛ وهذا دليل كبير على فشل القيادة الفلسطينية في السيطرة الفعلية، وجذبها من قبل دوامة الكلمات الملتوية، لتسقط في دائرة التنازل.

بعد الأحداث التي حصلت عام 2007، بين الحزبين الكبيرين في فلسطين «حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وحركة المقاومة الإسلامية حماس»؛ أصبح قطاع غزّة تحت الحكم الإسلامي، أو بالتعبير الأصح استخدام الدين باعتباره وسيلة؛ للوصول إلى كرسي الحكم – كما أسلفنا الذكر – وأصبح الشعب يعاني من احتلالين: احتلال فلسطيني للفلسطينيين يقتلهم نفسيًا، وجسديًا، ويستغل وجودهم. والآخر احتلال غربي دخيل، الاحتلال الصهيوني، يُدمّر الوجود العربي في المنطقة. وما إذ قارنّا بينهما نجدُ أنّ الأحداث التّي حصلت بين الفلسطينيين هي التي تؤثر سلبًا على القضية الفلسطينية؛ وفعليًا فقد أثرت سلبًا، وعملت على إعادة القضية الفلسطينية لمربّع الستّينيات من القرن الماضي؛ أصبح هذا الفشل حالة مرافقة لملف القضية الفلسطينية، بعد أن كُنّا نطالب بعودة اللاجئين، وإقامة دولة فلسطين، على الحدود التاريخية لها؛ أصبحنا نطالب بالرواتب، والكهرباء، وفتح المعابر؛ للهروب من هذه المنطقة المعشّبة بالسكاكين والرصاص.

«مصر، والسعودية، وقطر، والإمارات، وتركيا، وروسيا، وسويسرا» فشلت الأولى، تدخّلت الثانية، ثم الثالثة، ولكن يأبى الجرح الفلسطيني، أن يلتئم، ويكأنه مصابٌ بالسكري. في هذا اليوم بالتحديد نجح الجرح الفلسطيني وبنسبة تشارفُ على الاكتمال 100%؛ حيث ترى الشارع الفلسطيني وقد عادت لهُ ضحكته، بعد حصار دام أحد عشر عامًا، ثلاثةُ حروبٍ، وجعٌ نفسي. ترى الشعبُ أمسكَ بحبل الأمل في أن تتمّ هذه المرحلة على خير هذا ما نتمنّاه.

ولكن لماذا أمريكا وإسرائيل صامتتين؟ الأمرُ غريبٌ؟! نحنُ قوم من الذين يقولون بعد أن يضحكوا: «يا ساتر، شو في وراء هاي الضحكة؟» خوفٌ يجوبُ من كَونِ القيادة تتّجهُ صوبَ تنازلٍ جديد أكبرُ وأقوى، وأكثرُ كآبة من أوسلو الأول، ماذا تبقّى بعد أن تم الاعتراف بإسرائيل؟ ماذا تبقّى بعد أن قبلنا وجودها؟ هل سنمنحها الضفة الغربية على طبقٍ من ذهب تكريمًا لما فعلتهُ من مجازر على مرّ السنين؟

مصلحةُ إسرائيل من المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس

 

هذا الهدوء الذي يسيطر على الحدود ما بين قطاع غزّة وإسرائيل، لم يحصُل مثله منذ عام 1967، هذا الذي قاله وزير الأمن الإسرائيلي «أفيغدور ليبرمان» في تصريحٍ لهُ منذ أسبوعين؛ وهذا هو الهدف الرئيسي لإسرائيل مرونة في التعامل التي أظهرته القيادة الجديدة لحركة حماس، متمثّلة في «يحيى السنوار» بدءًا بالابتعاد والتخلّي عن الإخوان المسلمين، باعتبار أنّها مناورة سياسية أمام دول سئمت من الإخوان المسلمين، كما فرضت إسرائيل جدار الفصل العنصري على السلطة الفلسطينية وإبعادها عن طاولة المفاوضات، أيضًا تحاول حركة حماس فرض حقائق على أرض الواقع؛ وهي أنّ سلاح المقاومة لن يتم التنازل عنه، ولن تسلّمه للسلطة الفلسطينية، وأيضًا من سيستلم أمن قطاع غزة؟؛ لأنّ الأمن مرتبط بحماية الحدود، سواء مع مصر، أو مع إسرائيل؛ لمنع إطلاق الصواريخ، وحفر الأنفاق، وتهريب المطلوبين، والأسلحة، ومنع عمليات التهريب باتّجاه سيناء.

إن استمرار الهدوء، ومنع تعاظم قوّة حماس، وتطويرها لأسلحة وصواريخ، كما حصل بعد حرب 2006 مع حزب الله في لبنان، وهي تجربة يُمكن تطبيقها على حركة حماس، وفي ذات السياق إضعاف حركة حماس واستبدالها؛ سيخلق مشاكل أمنية تتجه نحو إسرائيل، من خلال الصواريخ، والعمليات الفريدة من نوعها دون وجود مسئول يمكن أن تحمله المسئولية؛ ولكن المشكلة الأساسية أنّ هذا الهدوء، يمكن أن يساعد حماس في تطوير المنظومة العسكرية لديها؛ حتّى تصبح مستعدّة لمواجهةٍ قادمة مع الاحتلال، وهذا شيء لا يُمكن أن تتجاهله إسرائيل بتاتًا. وإن استلمت السلطة الفلسطينية قطاع غزّة؛ هذا سيجعلها تقع بمكانة المسئولية الكاملة عن القطاع، وفي نفس الوقت إسرائيل لن تقبل بأن يكون في غزّة نظامين: نظام تابع للسلطة وهو أن تهتمّ بالشئون الحياتية فقط، وآخر لحماس ومن خلاله تبقى السيطرة الأمنية بيدها؛ حتّى تواصل عملية تسلّحها. هناك مميزاتٍ أخرى في هذه المصالحة، أنها ستعمل على تحسين الوضع المعيشي لسكّان القطاع؛ وهذا سيخفف من رغبة حماس في الدخول في مواجهةٍ شديدة، وحربٍ رابعة؛ لذلك مصر ترعى هذا الاتفاق؛ حتى تصل لهدنة طويلة الأمد «5: 10» سنوات بين حماس وإسرائيل.

وإسرائيل أساسًا ترى أنّ حماس تنظيمًا إرهابيًا، ودخولها في السلطة هو خرق لاتفاقية أوسلو الأساسية، كَون حماس لا تعترف بدولة إسرائيل، والوثيقة التي أصدرتها منذ أشهر لم تغيّر شيئًا، وهذا ما شاهدناه من ردٍّ إسرائيلي عليه. وإسرائيل لا تريد أن تكرر خطئها الذي ارتكبته في انتخابات 2006، وهو السماح لحماس بالمشاركة في الانتخابات.

أوسلو 2 «كونفدرالية أردنية- فلسطينية أو دولة غزّة»
وعندما نتحدّث عن تنازل فلسطيني، هنا نتذكر الكونفدرالية الأردنية- الفلسطينية؛ وذلك لأنّنا جميعًا نعلم بأنّ إسرائيل باقية في المنطقة، ولعبت بفضل الحلفاء العرب، والمستعربين، والمتأسلمين الجدد؛ وأصبحت صديقتهم المقرّبة. كيان فلسطين لا دولة، كونفدرالية مع مصر والأردن، بدائل إسرائيل لحل الدولة الفلسطينية، أو ما شابهها. أمريكا تعارض إقامة دولة فلسطينية، وهُنا لن يبقى أمام الفلسطينيين سوى القبول بحكم ذاتي داخل إسرائيل، أو تشيكل كونفدرالية مع الأردن، وكما نعلم أن منطقة الضفة الغربية الآن كلها تتبع إسرائيل، ولا حُكمًا فعليًا للسلطة الفلسطينية «نظام أبارتهايد» وهي ضمّ الضفة لإسرائيل، مما ستمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا في المنطقة، وتبقي على كل ما تملكه، سواء باتفاق أوسلو القديم، أو بفرض عنجهيتها.

عام 2012 و2011 رأينا تجاوبًا أمميًّا من الأمم المتحدة، ومنظوماتها العالمية سواء بالاعتراف بدولة فلسطين، أو إعطائها عضوية كاملة، في المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «إنتربول»، كما شاهدنا أمس وهذه حركات دبلوماسية أممية غير مسبوقة، سواء من قبل المنطقة الأوروبية، أو من قِبل المناطق شرق آسيوية، وأمريكا الجنوبية، لكنه يعني الكثير ويوجّه أنظارنا نحو تنازلات أشبه بإقامة كونفدرالية، وإسرائيل فعليًا تُريد إشراك الأردن في التسوية النهائية.

أما على جانب دولة غزّة، فقد شكلت قضية اللاجئين الفلسطينيين هاجسًا حقيقيًا لإسرائيل، ولدول الإقليم المحيطة، وإلحاحًا دوليًا لإنهائها؛ كونها العلامة الأبرز لمأساة الشعب الفلسطيني، فمنذ السنوات الأولى للتراجيديا الفلسطينية، والمقترحات تتوالى وفي قلبها قضية اللاجئين، إما بالتوطين أو التعويض، في سياق حلول إقليمية ودولية.

إن المتغيرات التي حدثت في مصر في تموز 2013 والانفتاح الكبير على العلاقة مع إسرائيل شجع على طرح القضية في محاولاتٍ كثيرة؛ لاستثمار هذه المتغيرات، وتقديم خطط، لطالما حلم اليمين الإسرائيلي في تحقيقها، وعلى رأسها تصفية القضية الفلسطينية، وحسم قضية اللاجئين؛ وعليه قدم الرئيس «عبد الفتاح السيسي» المشروع إلى الرئيس «محمود عباس» في صيف عام 2014، والمتمثل في قيام دولة فلسطينية في سيناء، امتدادًا من قطاع غزة بمساحة تساوي 5 أضعاف مساحة القطاع، وهو ما أشار إليه الرئيس «محمود عباس» في اجتماع داخل المنظمة الفلسطينية في أغسطس (آب) 2014، ولكنه رفضه في ذلك الوقت.

لم تزل نكبات جديدة وقديمة تضربُ بالشعب الفلسطيني، على حساب لملمة جراحه، فهل سينجرّ الدبلوماسي الفلسطيني مرةً أخرى لتنازل أكبر وأقوى؟ وكما ساد الشارع الفلسطيني في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 نوع من الكآبة، والحسرة على فشل القيادة الفلسطينية في تحرير الوطن، وإعادة اللاجئين، وفرض السيطرة الفلسطينية على الأراضي المحتلة، بدلًا من التنازل للاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي الفلسطينية، التي تعود أولًا وأخيرًا للشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد