أثارت الخطوة الجريئة التي قامت بها السويد بالاعتراف بدولة فلسطينية في أكتوبر الماضي ثم تبعتها بخطوة افتتاح سفارة فلسطينية في ستكهولهم يوم الثلاثاء 10 فبراير الجاري وتقديم مساعدات سويدية للسلطة الفلسطينية تصل إلى 200 مليون دولار على مدار خمس سنوات.

أثارت المخاوفَ حول تاريخ الدول الإسكندنافية ودورها كوسيط محايد “محب للسلام” في الصراع العربي الإسرائيلي, حيث يخبرنا التاريخ القريب أن جارتها العاصمة النرويجية شهدت المحادثات السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي ظهرت بذرتها عام 1983، حيث تبلورت علاقة جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بلقاء “أبي إياد” بقادة من حركة “السلام الآن” وحضرته الصحفية الإسرائيلية “حنا زيمر” ووصفت اللقاء بالمهم والعنيف.

 

ثم تبعته لقاءات كثيرة وحضرها يهود شرقيون، والتي أسفرت بعد ذلك عن اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993، والتي تمت في الولايات المتحدة الأمريكية بحضور ياسر عرفات وشيمعون بيريز وبيل كلنتون.

السويد إحدى ممالك الدول الإسكندنافية في شمال أوروبا، مساحتها تعادل مساحة العراق وعاصمتها “ستوكهولم”، وعدد سكانها تجاوز 9 مليون نسمة من بينهم ما يقارب 500 ألف مسلم، مع وجود حالة تزايد ملحوظ لعدد المسلمين.

ويعد الإسلام الدين الثاني في السويد, وتولت حكومة اليسار الوسط “الحزب الديمقراطي الاجتماعي” بعد غياب ثماني سنوات عن الحكم لتستكمل مسارها القيمي والحزبي كالاهتمام بحقوق الإنسان والحريات، ليس فقط لصالح السويد لكن أيضا لجعل العالم أكثر سلامًا وأمنًا.

وزاد التخوف هذا بتوافر أجواء ما قبل أوسلو من ازدياد معاناة الفلسطينيين في الداخل(غزة والضفة) والخارج (مخيمات اللاجئين)، وخاصة بعد حرب غزة2014 وزيادة الحصار على القطاع والإخفاق السياسي في تتويج آثار الحرب وتضحياته وبلورتها في شكل حزمة سياسية تخدم الفلسطينيين.

هذا إلى جانب فشل المصالحة الفلسطينية وزيادة التفرق والتشاحن بين الفصائل الفلسطينية وخاصة فتح وحماس, والتكيف العربي والاستعداد بقبول تسويات جديدة والهرولة نحو الإسرائيلي وغياب الحاضنة المصرية مرة أخرى بعد انقلاب السيسي 2013، مع تغيير كبير في المشهد الإقليمي والدولي بعد فشل ثورات الربيع العربي وانشغال الأمريكي بترتيب المنطقة، وحشد التحالف الدولي في مواجهة ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

ويدعم التخوف ما ذهب إليه “دافيد ستافرو” وهو صحفي إسرائيلي وكاتب يقيم في ستوكهلوم “لماذا اعترفت السويد بفلسطين؟”:

“إذا تصرفت السويد بحذر ولا تقصي إسرائيل، قد تكون بالضبط ما تحتاجه المنطقة – شريكًا دوليًا غير منحاز وغير منافق، شريك يرسل مساعدات إنسانية عند الحاجة ويتدخل في التمويل الدولي والضمانات لأجل سلام ثابت، عادل، ومستديم في المستقبل, تقدم ذو أهمية مميزة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تحقق في عاصمة إسكندنافية أخرى، أوسلو، قبل 20 عاما.

إذا لم تقع السويد وإسرائيل في دوامة التصريحات العدائية، والمقاطعات والمواجهات، فمن يدري – ربما تكون المنصة المقبلة في عملية السلام معاهدات ستوكهولم.

وأعزى الكاتب الإسرائيلي تفنيده لعدم التخوف من هذا القرار الجريء للسويد وعدم أهميته لأسباب منها, المعارضة الشديدة من البرلمان السويدي لهذا القرار وعدم تحمس بقية الدول الإسكندنافية، وأنها غير جاهزة للاعتراف بفلسطين, واستقرار العلاقات التجارية والتكنولوجية والاقتصادية القوية بين إسرائيل والسويد, واهتمام الحكومة بمغازلة المسلمين المتزايد أعدادهم مع اليسار السويدي.

ويقول الخبير والأستاذ في القانون الدولي الدكتور شفيق المصري – كماذكرت روزانا بومنصف – أن المقاربة الأوروبية نحو الاعتراف بفلسطين في إطار النيات الحسنة إذ أن الموضوع يتمحور حول سؤال هو ما إذا كان الاعتراف يأتي بمثابة وعد أو هو مشروط بالاتفاق مع إسرائيل؟

أي أن الاعتراف هو مجرد إعلان رمزي يعود قراره في نهاية الأمر إلى إسرائيل، متوقعا أن لا تسمح الولايات المتحدة الأميركية باعترافات غير مشروطة بدولة فلسطين.

ويزداد التخوف وضوحًا مع رمزية القرار دون التأثير السياسي مع التعقيد الواقعي الميداني، وتزداد الإشكالية مع اعتماد موضوع “حل الدولتين” لحل الصراع دون التطرق لمسألة السيادة والقومية واللاجئين والمستوطنات والحدود, مع بقاء مهندس “أوسلو” أبو مازن وفريقه القابع على إدارة السلطة ومنظمة التحرير وملف المفاوضات, وسعادة هذا الفريق بمثل هذه الخطوة والتنظير لها وكأنها عودة فلسطين بالكامل وتحرير ترابها من الاحتلال الإسرائيلي.

وخلاصة القول تكمن في أن خطوة السويد بالاعتراف بدولة فلسطين ليست بالأهمية والقدر الكبيرين، ويجب على واضع الإستراتيجيات والأطروحات أن ينظر فيما وراء هذا الإجراء في ظل تلك التخوفات السابقة، وتاريخ الدول الإسكندنافية في اللعب في ساحة الوسيط المكاني والزماني لملف الصراع في هدوء وصمت بعيدا عن ضوضاء السياسة ومجريات الأحداث والتهاب المنطقة واشتعالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد