في سبتمبر (أيلول) عام 1993 اختارت قيادة حركة فتح الاستفراد باتخاذ قرار مصيري ليس فقط للشعب الفلسطيني بل للأمتين العربية والإسلامية أيضًا، وتم اتخاذ هذا القرار تحت اسم «منظمة التحرير الفلسطينية» والتي من المفترض أنها تجمع الكل الفلسطيني وتمثل الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، اتخذت الحركة قرارًا بالتخلي عن 77% من أرض فلسطين مقابل إقامة حكم ذاتي على أقل من ربع مساحة فلسطين المحتلة لمدة خمس سنوات تمهيدًا للتفاوض على «قضايا الحل النهائي».

سلطة مكبلة أمنيًا واقتصاديًا

يحتاج قادة السلطة إلى إذن ضابط «إسرائيلي» على حاجز أمني للتنقل عبر أراضي «دولة الحكم الذاتي»، بل قد يتم إيقافهم وتفتيشهم وربما إرجاعهم وحتى اعتقالهم، حيث توجد في أراضي الضفة الغربية عشرات الحواجز العسكرية التي تُنغص حياة الفلسطينيين وتعيق تحركاتهم وأعمالهم وتكبّل حريتهم بل وتهين كرامتهم.

قامت سلطة أوسلو بإنشاء أجهزة أمنية مهولة حيث يوجد أكثر 65 ألف عنصر أمني في الضفة الغربية على السلطة توفير رواتب شهرية لهم، وربما لم يكن مهمتهم الأساسية حماية الفلسطينيين بقدر ما كانت حماية المستوطنين وتحقيق التنسيق الأمني مع العدو، تطبيقًا لما نصّت عليه المبادئ من نبذ للعنف ومنع لأشكال المقاومة المسلحة، وبناءً على ذلك تم اعتقال مئات المقاومين وعشرات قادة المقاومة بتنظيماتهم المختلفة وتعذيبهم وتصفية كثير منهم أو الإبلاغ عن أماكن تواجدهم لقوات الاحتلال، وأبرز الأجهزة العاملة آنذاك كان جهاز الأمن الوقائي الذي تم تأسيسه بعد الاتفاق الذي جرى عام 1994 بين محمد دحلان وجبريل الرجوب من جهة ويعقوب بيري رئيس جهاز الأمن العام «الإسرائيلي» آنذاك وأمنون شاحاك نائب رئيس هيئة أركان الجيش «الإسرائيلي» من جهة أخرى، وتم التوصل إلى إعطاء الاحتلال للجهاز حرية الحركة في الأراضي الفلسطينية مقابل أن يقوم بحملة واسعة ضد المقاومة المسلحة خاصةً القوى الإسلامية المسلحة ممثلة بحركة حماس.

أما فيما يتعلق بالاقتصاد فقد كان بروتوكول باريس 1994 هو حجر الأساس لجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعًا بشكل كامل لاقتصاد الاحتلال، حيث إن ما يقارب ثلثي الواردات من الاحتلال وأكثر من 80% من الصادرات تذهب للاحتلال، إضافةً إلى التأثير الواضح على القرار السياسي للسلطة حيث إن ما يقارب 80% من الإيرادات مرتبطة بإرادة العدو في المقاصة التي دائمًا ما يبتز بها السلطة ويهددها.

لقد كان من المفترض أن تكون السلطة مجرد سلطة انتقالية لمدة خمس سنوات فقط لتسيير الأمور ثم التفاوض على «قضايا الحل النهائي» لكنها سرعان ما تحولت إلى سلطة وظيفية وسرعان ما انكشفت لعبة «قضايا الحل النهائي»، فالعقلية «الإسرائيلية» تفاوض لأجل التفاوض وتلعب على عامل الوقت بشكل احترافي حيث زاد الاستيطان بنسبة 300% منذ 1993 وحتى اليوم، أضف إلى ذلك أنه وبعد التخلي عن 77% من أرض فلسطين أصبحت الضفة الغربية شبه محتلة حيث تسيطر السلطة على 18% فقط من الضفة الغربية فيما يعرف بمناطق «أ»، وليس ذلك فحسب، بل إن هذه المناطق محاصرة بين الطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري، أما باقي مساحة الضفة فالاحتلال يسيطر على 60% منها أمنيًا وإداريًا وتعرف بمناطق «ج»، في حين أن 22% من أراضي الضفة والتي تعرف بمناطق «ب» تقع تحت السيطرة المشتركة وللاحتلال اليد العليا فيها، وهذا التوزيع بناءً على العديد من الدراسات ويبقى غير دقيق إلى حدٍ ما، لكن في المجمل تعتبر الضفة الغربية بشكل كامل تحت السيطرة الأمنية للاحتلال من خلال قواته على الأرض ومن خلال التنسيق الأمني مع السلطة.

وقد أشار المكتب الوطني للدفاع عن الأرض في تقريره بتاريخ 15 سبتمبر 2018 إلى أن عدد المستوطنات وصل إلى 158 مستوطنة وأكثر من 250 بؤرة استيطانية، وأن عدد المستوطنين ارتفع من 115 ألف في عام 1993 إلى 765 ألف مستوطن حتى هذا العام.

أما في ما يتعلق بالثروات الطبيعية فلا تسيطر السلطة على أي منها، فمثلًا الاحتلال يسيطر على 85% من المياه في الضفة الغربية، كما يسيطر على المحاجر والكسارات الواقعة في المنطقة «أ».

أوسلو على خطا مدريد

لم يكن إعلان المبادئ في واشنطن بعد المفاوضات السرية في أوسلو أول خطوة في طريق السلام، فقد سبقه مؤتمر مدريد عام 1991 والذي شاركت فيه سوريا ولبنان والأردن والفلسطينيين من جهة و«إسرائيل» من جهة أخرى، في سعي من الإدارة الأمريكية لتحقيق السلام للاحتلال والتطبيع معه، وقد سُمّي المؤتمر الذي عقد بعد حرب الخليج «مؤتمر السلام في الشرق الأوسط»، وقد كان هذا المؤتمر بداية عملية السلام المباشرة بين الاحتلال ومنظمة التحرير.

وقبل مدريد بثلاثة عشر عامًا عُقد مؤتمر كامب ديفيد 1978بين رئيس مصر آنذاك أنور السادات ورئيس الوزراء «الإسرائيلي» مناحيم بيجن برعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وقد كان المؤتمر أول عملية سلام تخوضها دولة عربية مع «إسرائيل»، وقد كان له أثر بالغ الأهمية في العلاقات العربية الداخلية والخارجية كون مصر دولة من أهم وأكبر الدول العربية وكونها دولة من دول المركز، وبالتالي فقد أفضى المؤتمر إلى الكثير من الخلافات العربية وتعليق عضوية مصر حينها في جامعة الدول العربية، وقد أفضى إلى تحقيق السلام مع «إسرائيل» وشكّل اعترافًا ضمنيًا بها.

أوسلو والاتفاقيات والبروتوكولات اللاحقة

لقد تبع أوسلو العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات المرتبطة بها لتنظيم العلاقات بين السلطة والاحتلال وكان أهمها اتفاق غزة أريحا المُوقّع في القاهرة عام 1994 والذي تم بموجبه التوصل إلى تفاصيل الحكم الذاتي الفلسطيني فقد أعطت الاتفاقية منظمة التحرير حكمًا ذاتيًا محدودًا في الضفة وغزة وقد وعد الاحتلال بالانسحاب جزئيًا من غزة وأريحا، وفي نفس العام أُعلن من واشنطن عن تفاهمات بين «إسرائيل» والأردن تم بموجبها إنهاء حالة الحرب بينهما، وفي عام 1995 تم التوقيع على بروتوكول حول نقل إضافي للسلطات والمسؤوليات بين المنظمة والاحتلال في القاهرة وبموجب الاتفاق يتم نقل إدارة القانون والتجارة والصناعة والخدمات البريدية والزراعة إلى السلطة الفلسطينية، وفي عام 1997 تم التوقيع على بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل والذي يتعلق بالترتيبات الأمنية في المدينة.

في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1998 تم التوقيع على مذكرة واي ريفر التي أُعدّت تحت الرعاية الأمريكية وتتضمن المزيد من الترتيبات حول إعادة الانتشار والأمن و«التعاون الأمني المشترك»، وفي 1999 تم التوقيع على مذكرة شرم الشيخ في مصر وتتضمن التأكيد على تنفيذ جميع الاتفاقات السابقة الموقعة منذ عام 1993 والالتزام بها، ليتم بعدها استئناف مفاوضات الوضع النهائي التي ستقود حسب المذكرة إلى تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و338، وفي عام 2001 عُقدت قمة طابا في سيناء بهدف تعزيز مفاوضات الحل النهائي لكن المحادثات توقفت في 27 يناير (كانون الثاني) بعد 6 أيام من بدئها بحجة الانتخابات «الإسرائيلية» القادمة.

أوسلو.. هل يكون السلاح عائقًا أمام إقامة الدولة؟!

أهم ما نص عليه إعلان المبادئ في واشنطن بعد الاعتراف بدولة «إسرائيل» على أراضي عام 1948، هو نبذ العنف والتخلي عن جميع أشكال الكفاح المسلح والدخول في مفاوضات تسوية للقضايا الرئيسية،فهل يمكن لقيادة شعب محتل أن تتعامل مع الاحتلال على أنه رجل طيب حسن النية؟! وهل يمكن انتزاع الشعب لحريته وحقوقه بالتخلي عن سلاحه؟! وهل يوجد في التاريخ كله مثال يشهد على أن المحتل يمكن أن يعطي الشعب المسلوب ولو جزءًا بسيطًا من حقوقه دون أن يكون ذلك تحت وطأة السلاح؟!

لقد كان الخوض في مسار التسوية والتخلي عن الكفاح المسلح خطأً كبيرًا حاول ياسر عرفات الرجوع عنه حينما اندلعت انتفاضة الأقصى عام 2000 لكن دول المركز فرضت عليه سلام فياض وزيرًا للمالية باعتبارها خطوة إصلاح سياسي، وفي عام 2003 تم استحداث منصب رئيس الوزراء ليصبح النظام الفلسطيني نظام مختلط بعد أن كان رئاسيًا مطلقًا، وقد كان أول من شغل المنصب محمود عباس.

تمكين أوسلو

بعد 25 عامًا من أوسلو وبعد توقف المفاوضات وتضاعف الاستيطان وتحطيم آمال حل الدولتين وبعد أكثر من 10 سنوات من الانقسام الذي سببه اتفاق أوسلو، قام عباس بفرض العقوبات على قطاع غزة المحاصر في محاولة منه لإقصاء حركة حماس وإجبارها على السير في مساره مسار التسوية الذي لم نجن منه شيئًا خلال ربع قرن من الزمان سوى المزيد من الاستيطان والانقسام والتفكك والتراجع، فهل ما يفعله مع غزة هو أمر قانوني وهل يحق له ذلك وما علاقة ذلك بأوسلو؟!

في كل القوانين والأعراف الدولية يعتبر العقاب الجماعي جريمة، فكيف يمكن لمن أراد أن يعاقب تنظيمًا أو فصيلًا معاقبة شعب بأكمله بحجة العودة إلى حضن الشرعية، ثم أن الشرعية التي يتحدث عنها رئيس السلطة لا وجود لها فالسلطة تم إنشاؤها لمدة خمس سنوات فقط وبذلك هي منتهية الصلاحية منذ عام 1998، أما بالنسبة للرئاسة فالفترة الرئاسية منتهية منذ عام 2010، ثم أن منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني يجب أن تضم كل أطياف الشعب الفلسطيني صغيرها وكبيرها، فكيف تكون شرعية وهي مرتهنة لدى فصيل معيّن ولدى شخص واحد، كيف تكون شرعية وهي لا تضم الفصائل التي تمثل الأغلبية؟!

عُوقبت غزة وأُفشلت المصالحة بحجة التمكين فهل التمكين هو تمكين لأوسلو التي تعتبر تمكينًا للاحتلال بشهادة ربع قرن مضى من الزمن، وهل يحق لشخص واحد أن يفرض رؤيته على شعب بأكمله، وهل يحق له أو لأي فصيل أن يحرم الشعب من حقه في الكفاح وتقرير مصيره، وماذا لو وافقت حماس على التمكين والسير في مسار التسوية هل تكون غزة جنة كما أصبحت الضفة بعد أوسلو ؟! وهل مسار أثبت فشله خلال 25 عامًا يمكن أن ينجح، وهل يمكن لاحتلال يواصل الاستيطان ليل نهار القبول بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم؟!

أوسلو وصفقة القرن

كانت اتفاقية أوسلو هي التسوية الأولى من نوعها التي تُعقد بين طرف فلسطيني وآخر «إسرائيلي» حيث ارتكزت على مبدأ حل الدولتين والاعتراف المتبادل بينهما، اليوم وبعد 25 عامًا من أوسلو وبعد توقف المفاوضات لسنوات تطرح الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب وطاقمه اليهودي المتطرف (كوشنير وغرينبلات وفريدمان) خطة معروفة إعلاميًا بصفقة القرن لحل القضية الفلسطينية، لكن كل ما تم من حديث عنها غير رسمي فالخطة لم تعلن بشكل واضح ورسمي حتى الآن، لكن بالمختصر صفقة القرن هي «تصفية القضية الفلسطينية»، وأما بالنسبة لتأجيل الإعلان عنها فهو جزء من الخطة للمراوغة وكسب الوقت، حيث إن الخطة بدأت تُنفّذ فعليًا على أرض الواقع، وقد بدأت من إعلان ترامب عن أن القدس عاصمة لدولة «إسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية إليها، ثم قطع المساعدات تدريجيًا عن الأونروا وصولًا إلى إيقاف تمويلها كليًا قبل فترة وجيزة لإنهاء قضية اللاجئين وتحويلها من سياسية إلى إنسانية، وتقليل المساعدات الأمريكية للسلطة، وصولًا إلى إغلاق مقر منظمة التحرير في أمريكا قبل أيام.

هل السلطة فعلًا ضد الصفقة أم أنها جزء منها؟!

أوسلو لم تتحقق إلا بعد تقويض القوة الفلسطينية الفاعلة آنذاك (منظمة التحرير الفلسطينية)، واليوم القوة الفاعلة على الساحة الفلسطينية هي المقاومة في غزة وعلى رأسها حركة حماس، لذلك يحاول العدو بشتى الطرق إضعافها واستنزافها حتى يستطيع تمرير الصفقة، والسؤال الذي يطرح نفسه هل عقوبات السلطة على غزة تأتي بالتوازي مع جهود إخضاع غزة التي يمارسها الاحتلال وجهات أخرى؟!

الذي يجعل إجابة هذا السؤال أقرب إلى نعم هو نظرة السلطة إلى المصالحة بأنها تكون بالتمكين بمعنى السيطرة الأمنية الكاملة على القطاع وتسليم سلاح المقاومة، وهذا كان مطلبًا واضحًا من خلال الدعوة إلى سلاح شرعي واحد ومن خلال وصف عباس الأخير للمقاومة بالميليشيات، فهل نظرة السلطة لسلاح المقاومة والتي تطابق نظرة الإدارة الأمريكية تمامًا هي مجرد صدفة؟! وهل من يساعد في إخضاع غزة ويستمر بالتنسيق الأمني ولا يحرك ساكنًا في مواجهة القرارات الأمريكية هو ضد الصفقة أم شريك فيها؟!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!