كيف تفوقت مصر «مخابراتيًّا» على سوريا في التعامل مع الإسلاميين والربيع العربي؟

مدينه درعا جنوب سوريا في مارس 2011، هي منطقة رابعة العدوية في مصر بأغسطس 2013، ولكن بشكل مُصغر، هل تدري عزيزي القارئ كيف تم ذلك؟

في منتصف مارس من عام 2011 دخلت قوات الجيش العربي السوري إلى مدينة درعا جنوب البلاد، وذكرت مصادر عدة أن تعداد القوات التي دخلت المدينة وقتها يصل إلى 75 ألف جندي من الجيش من أصل 375 ألف «تقريبًا» لمحاصرة المدينة التي انتفضت عن بكرة أبيها، بعد الحادثة الشهيرة عن اعتقال أطفال درعا الذين رسموا على جدران مدارسهم «جاك الدور يا دكتور» أُسوة بـ«تونس والقاهرة».

في الثامن والعشرين من يناير 2011:

القاهرة: اقتحام أكثر من سجن وعشرات أقسام الشرطة في اليوم الرابع من الثورة، وكان أهمها سجن وادي النطرون الذي كان يحوي الكثير من المعارضين السياسين من التيارات الإسلامية؛ سواء من مصر أو حركات وتنظيمات غير مصرية مثل «حزب الله اللبناني أو حركة حماس الفلسطينية» نقف عند تلك النقطة لنجد أنه: في مساء الثامن والعشرين من يناير تحرك الجيش المصري وفقًا لخطة داخل مركز عمليات القوات المسلحة، وهي تأمين البلاد والمنشآت الحيوية، وحل الجيش محل الشرطة بعد ذلك اليوم.

وتصادف وجود قوات من الجيش على مقربة من السجن وقت اقتحامه، لكن دون اشتباك مع المهربين أو مقتحمي السجن تمامًا، رغم أن طائرة واحدة بإمكانها أن تدك السجن عن بكرة أبيه، وعلى الرغم من ذلك اختار الجيش أن يبتعد عن معركة «النظام والداخلية مع الثورة» بسبب تحالف الجميع من تيارات ثورية، أو إسلامية، أو النخبة المثقفة، أو شباب الجامعات، هذا بخلاف توزيع استمارات كما أخبرني «ضابط في المخابرات العسكرية» على القادة والضباط لاستفتاء رأيهم حول إطلاق النار على المتظاهرين، وقال «الضابط»: «إجمالي الاستمارات أو التوقيعات كانت ضد إطلاق النار». لا أعلم تحديدًا مدى صدقه بشأن تلك التوقيعات، وهل هي مؤثرة بشكل كبير في اتخاذ القرار أم أن للثورة حسابات أخرى، وهي أن الجيش من الممكن أن يستفيد من نزع السُلطة من رجلهم في القصر «مبارك». وعلى ما أظن أيضًا أن الجيش كان يُرجح بفوز الثورة أو تحديدًا «فوز الإسلاميين والبلطجية أو أفراد من الشعب على الداخلية ونظام مبارك»، تحديدًا في معركة الأقسام والسجون. لا أقصد هنا أن الثورة قام بها فقط الإسلاميون وهذا منافٍ تمامًا لما حدث، ولكن أشير فقط إلى النقطة الفارقة التي قصمت ظهر النظام، وهي اقتحام السجون والأقسام مثل ما حدث في الثورة الفرنسية، حينما تم قصف السجن في فرنسا بمدافع الثورة ليكون رمزًا لنشوبها. ولكن ما لا ينتبه إليه الكثير منَّا أن أجهزة المخابرات المصرية تفوقت على الاستخبارات السورية في كيفية التعامل مع التيارات الإسلامية كافة، ومع الربيع العربي. في مصر، بدلًا من أن تكون المعركة في 28 يناير 2011 تم تأجيلها إلى يوم 14 أغسطس 2013، «مجزرة فض رابعة» حتى تكون قد توحدت كل القوى والتيارات المدنية والثورية ضد الإسلاميين، فبدلًا من أن يكون الجيش والشرطة في مواجهة مع الشعب، تركوا الشعب يواجه الإسلاميين بعد أن أظهروه بمظهر الشيطان المُرعب، مثل ما حدث في تسعينيات القرن الماضي في الجزائر، بعد حصول الإسلاميين على أغلبية برلمانية، وبعد عدة أشهر تم عزلهم واستبعادهم أيضًا «دون مظاهرات ضدهم مثل ما حدث في مصر في يونيو 2013، بعد أن خرج الملايين في مصر مُطالبين بعزل الإخوان المسلمين»، ولكن بعد أن تركتهم أجهزة الأمن الجزائرية بحرية مُطلقة في الجزائر يتجولون، وينشرون أفكارهم التي كان منها الجديد على الثقافة الجزائرية. ساعد النظام في مصر، أيضًا، سذاجة التيارات الإسلامية كافة، وبعد أن فرَّقت أجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية والإعلامية في مصر التيارات الثورية والإسلامية «عن طريق مبدأ فَرِّقْ تَسُدْ». في عام حُكم «محمد مرسي»، أصبحت الساحة خالية تمامًا إلا من اثنين «الجيش وأجهزته، والإخوان المسلمين وأنصارهم»، في ذلك المنعطف التاريخي وقع الاختيار على الجيش بأجهزته وتركوا الإسلاميين. أمَّا في سوريا اختار بشار الأسد ونظامه القمع منذ البداية، فرصاص بنادقه ودباباته لم تُفرِّق بين إسلامي، أو يساري، أو إخواني، أو سلفي، أو مسيحي؛ فنزلت قوات الأمن ومن بعدها الجيش في قمع الاحتجاجات بشكل مُرعب، أدانه العالم أجمع الذي نجد نتيجته الآن في عشرة ملايين لاجئ سوري في مختلف البلدان العربية والأوروبية، وما يزيد على موت مئات الآلاف من الشعب السوري سواء من الجيش، أو المدنيين، أو من المنشقين عن الجيش النظامي. ونُزيد أيضًا على ذلك اصطياد النظام السوري لكل أشكال المعارضة الثورية، أو المعتدلة منها، وترك المتطرفين يجوبون سوريا من شمالها إلي جنوبها، حتى يكون البديل إمَّا بشار أو المُتطرفين. وأضف إلى ذلك خروج القيادي السلفي «زهران علوش» من السجن، الذي قُتل في 2015 في غارة جوية كما قالت وكالات الإعلام وقتها، وكان «علوش» قد كوَّن فصائل مقاتلة بعد خروجه فورًا، وسُميت بعد ذلك بجيش الفتح، الذي يسيطر على مناطق عدة في الغوطة في دمشق بجانب مناطق أخرى في حلب. يتضح هنا أن خروج مثل هذا القيادي ومعه الكثير من القيادات الإسلامية ما هي إلا صفقة بين النظام والمعارضة الإسلامية في سوريا. حقًّا يجب أن نُدرك أن التيارات الإسلامية في البلدان العربية قوة لا يُستهان بها على الأرض، سواء كانت مُتطرفة أو «معتدلة»، ودائمًا الأنظمة العسكرية والتيارات الإسلامية في معارك تكسير عظام مُنذ يوليو 1952 وحتى الآن، وتختلف من عصر إلى عصر، ومن رئيس إلى رئيس، أحيانًا تكون في أفضل حالاتها مثل سبعينيات القرن الماضي، وأحيانًا تكون في أعنف مراحلها مثل ستينيات القرن الماضي، وما بعد 2013. في هذا المقال أنا لا أُمجد في نظام عن نظام، فكلا النظامين المصري والسوري المتمثلين في أنظمتهما العسكرية أجرما في حق شعوبهما، وقاما بتنفيذ عقاب جماعي على شعوبهما، ولكن بدرجات متفاوتة، فالنظام السوري اختار أن يقتل الجميع إلا من يناصره فقط، سواء من الناحية العرقية «الدينية»، أو من يُدعم مصالحة حتى ولو أتى بالروس لحمايته. أمَّا في مصر تجنب الجيش معارك طاحنة مع الشعب، وقرر أن يصطدم فقط مع الإسلاميين ومن يناصرهم أو يتعاطف معهم أو حتى يدافع عنهم في صحافة أو قضاء فيما بعد يوليو 2013، وأن من سيعترض فيما بعد نشوب المجزرة في أغسطس سواء من تيارات ثورية، أو مدنية، أو حتى من أفراد الشعب سيتم تصنيفه فورًا بشُبهة الإرهاب، وتأكدنا من ذلك بعد وضع قانون التظاهر الذي جرَّ من ورائه الكثير من الشباب وقياديين في حركات ثورية ومدنية، وظلَّت تلك المظلة لفترة طويلة يتم من خلالها كل شيء وأي شيء. الآن من الممكن أن أتفهَّم جملة «مش أحسن ما نبقي زي سوريا والعراق»، الحقيقة في هذه الجُملة غاية في الألم والحسرة على شعوبنا العربية. والحقيقة، أيضًا، هي أن النظام العسكري في مصر يُريد أن يخبرنا بشأن تلك الجملة، ولكن بشكل متوارٍ: «لقد قتلت فقط الإسلاميين ومن يناصرهم ويتعاطف معهم؛ ولم أقتلكم جميعًا». أمَّا في سوريا فيقتل الجميع ثم يُخبر أهله وعشيرته «العلويين والشيعة وأنصاره من السُنَّة»، أنا أقتل الجميع حتى لا يقتلونكم إذا وصلوا إلى السلطة. النهاية واحدة لا تختلف إلا باختلاف إحصائيات عن عدد المقتولين في كل الشعوب العربية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد