لقد بات من الضروري الحديث عن هذه الظاهرة المتفشية في شعوبنا العربية، وهي ظاهرة التعصب، بمختلف أنواعه، فاليوم لا يكاد يخلو أي منتدى للنقاش أو مقطع فيديو على اليوتيوب أو صفحة على مواقع التواصل، أقصد العربية منها طبعًا من التعليقات المليئة بعبارات السب والشتم بين من يدافع، ومن يعارض؛ فهذا يسب ذاك لأنه عبر عن رأيه، والآخر يتهم صاحب المنشور لتصل غالبًا وتتفرع إلى نقاشات حادة مخلة بالآداب لا تدل إلا على درجة البؤس الفكري الذي تعاني منه هذه الجماهير.

ولهذه الظاهرة أشكال مختلفة منها العقدي والديني، ودون أن أتطرق لسرد بعض الأمثلة، فالجميع قد مر أمامه هذا المشهد الذي يحتد فيه النقاش إلى أن يصل درجة السب والتكفير، فقط لأن الطرف الآخر اختلف معي في الرأي، فقط لأنه ينتمي إلى طائفة أو جماعة أو مذهب غير الذي أنتمي إليه.

متى سيفهم هؤلاء القوم الآية «لكم دينكم ولي دين»، وأن لا أحد مهما كانت صفته أو درجة علمه قد أوكلت إليه مهمة الحكم على الناس ومعتقداتهم؟ متى سيعي هؤلاء أن لهذا الخلق إله هو المسؤول عن محاسبتهم؟

وأضيف إلى هذا المشهد صورة أخرى قد ألفناها في إعلامنا العربي، فكل نقاش أو حوار يدور بين طرفين لا بد أن يتحول إلى عراك وسب واتهام، وأحيانًا إلى الاعتداء بالضرب، وينتهي برمي للكراسي، وكأنك في مقهى شعبي بأحد الأفلام، فكلا الطرفين يريد الخروج منتصرًا، فإن لم ينفع السباب والشتم وعجزت الكلمات على أن تأتي أكلها فلا بأس أن نجرب لغة العنف البدني، ما دام الكل يبارك ولا يمانع عن هذه المهزلة بداية من مقدم البرنامج وصولًا إلى المشاهد الذي يرى في المشهد متعة التي اعجز أن اجد لها تفسيرًا مقنعًا.

برامج في ظاهرها حوارية لكن في الحقيقة ليست إلا فرصة لكل من الطرفين لينفث كل ما لديه من سموم وكره على الطرف الآخر؛ فقط لأنه يختلف معي في الرأي، فبدلًا من النقاش وتبادل وجهات النظر، وتقريب الأفكار بعضها لبعض، والخروج بنتيجة وفائدة، تحول إلى صراع لإثبات فكرة لا يهم إن كانت خاطئة ما دمت أنا من يدافع عنها.

لم يسلم أي مجال من التعصب، حتى الفن والرياضة، فهذا يسب ذاك لأنه معجب باللاعب أو النادي الفلاني، وهذا يتهم الآخر لأنه يسمع أغاني فنان لا يستسيغه أو يشاهد مسلسلًا لا يعجبه، فلا يكاد يخلو أي فيديو أو منشور من عبارات السباب والشتم، مشهد قد خلق فيك رغبة لعدم النزول وقراءة التعليقات لأي محتوى عربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد