لا حَاجةَ بِي إلى إكثار الكلامِ في بيَان المكانَة التي تبوّأها «علم الكلام» في حقُول التأليفِ الإسلاميّ، وفي الحقبِ الكلاسِيكيّة التي مرّت بها العُلومُ الإسلاميّة والشرعية، ويكفِي تأكيدًا على مُحوريتِه الأسَاسيّة معرفة أنّه «العلمُ الذي أنِيط به تقريرُ العقائد الإسلاميّة، والحجاج عنْها بالأدلة العقليّة، والنقليّة». هذَا العلمُ التبسَ، في فترتِه المدرسِيّة ولأسْبابٍ عديدةٍ، بحقلَي: الفَلسَفةِ، والمنطق، ولا أدلّ على ذلك إلاّ كتَابات المتأخرين فِيه بعد القرن السّابع الهجري – الثالث عشر الميلادي.

توّفر عددٌ من الجامعات العربيّة، والإسلامية – وحتى الغربيّة منْها- ضمن مسالك بعْضِ كُلياتِها شُعبًا معرفيّة تُدرّسُ وحداتِ «الفكر الإسْلامي»، ومعَه، بعضَ قضايَا «علم الكلام» الأسَاسيّة، هذَا إنْ لم يُجعلْ لـ«علم الكلام» (أو الثيولوجيا الإسلامية- théologie islamique) وحدة خاصّة به تُعنَى به من حيثُ كونُه رافِدًا منْ روافدِ الفكر الإسلاميّ عُمومًا. وتختلفُ هذِه الجامعاتِ في طرائق التّدريس، والتقويم والتأطير حسَب أنظمةِ التّعليم السائدة في بُلدانِها، وإمكانياتها العلميّة والماديّة، وعليه فإنّ حديثِي لنْ يَشملَ، إطلاقًا، الكيفيَات التي يُدرس بها «علم الكلامِ» في أقسام «الدّراسات الشرقية والعربية»، و«أقسام الدّراسات الإسلامية» بالغَربِ؛ لأنّي، في المقَام الأوّل، لستُ مطّلعًا، بمَا يكفِي، عن كثَبٍ على ما يَجري في حُجرات الدّرس الجامِعي الغربِي الخاصّ بـ«علم الكلام»، رُغم أنّ هذه الأقسَام قد خرّجتْ عددًا مُهمًّا منَ الباحثينَ والأساتذة المستشرقينَ المهتمّين بتاريخِ الفكر الإسْلامي، عمومًا، وبـ«علم الكلامِ الإسْلامِي» تحديدًا، والذين أثروا الباحثينَ ببحُوثٍ أكاديميّة رائِدة.

وحتّى لا أوسّع دائرةَ الحديثِ، أكتفِي بأنْ آخذَ نموذجَ «المغْربِ» مثَالاً علَى الكيفيَات التي يُدرّس بها «علم العَقائد الإسلامي» أو «علم الكلام»؛ وليكنْ مَا أقُوله شَاملًا، فِي جهات مَا، ما يحصلُ ببعضِ الكليات في العالَم العربيّ؛ ذلك أنّ الطرائقَ تبدُو قريبَة إلى حدّ كبيرٍ لاعتبَارات عديدةٍ منْها: طبيعةُ التخصّصات التِي توفّر هذا الدّرس، وطبيعة التّكوين الذي تلقاه جلّ أساتذة الدّراسات الإسلاميّة والعربية بجَامعاتِنا العربية؛ والذي يبْدُو ميّالًا إلى التقلِيد التّعليمي القديم… إلى غير ذلك منَ الاعتبَارات التي تجعلُ من هذا الإلحاقِ، أو القيَاسِ بين الجامعَاتِ العربيّة، صحِيحًا إلى حدٍّ كبير.

بنَاء علَى ما مرّ، فإنّ حديثِـي عن المغْرب، فيمَا يخصّ واقع درسِ «علم الكلامِ»، سَيخصّ شعبتين: شعبة الفَلسفة بكليَات الآداب والعُلوم الإنسانيّة؛ وشعبة الدّراسات الإسلامية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية (نلحق بها: مُؤسّسات جامعة القرويينَ، والتعليم العتيق في الطور العالِي، وكليتَيْ الشريعة، وكُلية أصول الدين الوحيدة!) وهي تخصّصات تجدُ لها نظائرَ مماثلةً، كليّة أو جزئية، لما في الجامعَات العربية الإسلاميّة، ككلياتِ أصول الدين والدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، ومعاهد جامعة الزيتونة التونسية، وكليات الشريعَة والدراسَات الإسلامية المنتشرةِ في أكبرِ الجامعات المحليّة وأشهرها في الدّول العربية، دون أنْ نستثنيَ بعضَ المؤسسات الجامعيّة المشابهة في دولٍ غير عربيّة، ككلياتِ الإلهياتِ في تركيَا مثلًا.

ثمّة، إذن، تخصّصان يُفترضُ بالطالب الملتحق بهما أنْ يحصّلَ منْ خلالِهمَا كفاياتٍ معرفيّةً فيمَا يُسمى بـ«الفكر الإسْلامي»، عمُومًا، و«علم الكلامِ» تحديدًا، والتخصّصانِ يُدرسَان – أوْ يُفترضُ أن يفعلا ذلك – على نحوٍ ما، «علمَ الكلام» من جِهتين اثنتين:

– جهةٍ تاريخيّة، وتأريخيّة، تُعْنى بتقليبِ أوجه التطورَات التّاريخية التِي مرّ بها علمُ الكَلام حسَب المعطيَات العِلميّة التي توفّرها المصَادر الفكريّة للمُتكلمينَ المسلمينَ، ومَصادر التّاريخ المعرُوفة.

– وجهةٍ معرفيّة، يحصّل خلالها الطّالبُ جُملةً من الآلياتِ المَعرفية التي تمكّنه من ملامَسَة المصادر الكلاميّة الأصِيلة والأساسيّة (المعيَاريّة) في التراث الإسلاميّ مُلامسَة المُؤهّلِ لحسْنِ قراءتِها، أوّلًا، ومنْ ثمّ لحسنِ درَاستها ثانيًا. وليسَ هذا إلاّ لكونِ الكتابات الفكريّة، كمَا هو معْهودٌ، كتابَاتٍ خاصّةً تحوِي بينَ ثنايَاها جُملًا من المفَاهيمِ التّقنيّة، والقضايا التّجريدية التِي لا يتيسّر قرَاءتها بأدنى جهدٍ ممكن.

– مَواقِفُ من «عِلم الكلام» في الجَامعة:

يعرفُ المتخصّصون في تاريخ «الحضارة الإسلاميّة» أنّ علمَ الكلامِ الإسلاميّ قدْ واجه، ومَا زال، بعْضًا من المواقِف المعادية! بوصفهِ نمَطًا غير مألوفٍ من «التّفكير الديني»، إنْ جازتِ العبارة! ولعلّ هذا الأمرَ يُشبهُ، إلى حدٍّ ما، المواقفَ التاريخية التِي شهدتها الحضَارة الإسلامية من الاشتغالِ بـ«الفلسفة» أو «عُلوم الأوائل» وبـ«المنطق»، وهِي مواقف ما زال طالبُ الدراسات الإسلاميّة، في البلاد العربيّة والمغرب تحدِيدًا، يجدُ لها صدى كبيرًا في حُجرات الدّرسِ الجامعِي، لا سيمَا في بعْض الشعبِ والكليات التِي يَغلبُ على أطرها الأكاديميّة الأخذ بآراء معيّنة في العلومِ الشرعيّة والإسلامية؛ ذلك أنّ بعضَ الكليات تدرّس «علم الكلامِ»، ليومِ الناس هذا، بوصفه «بِدعةً» في الدينِ والتّدين! وهو أمرٌ يؤثّر سَلبًا، بدونِ أدنى شكَ، في التلقِي العلمي، المفترضُ، للعلمِ فيحُول دونَ أخذِه أخذًا مُلتحفًا بمقتضيَات البحث الأكاديميّ المحايدِ، كمَا أنّنا نجدُ، إلى هذا، لفيفًا من الأسَاتذة الذينَ يخرجونَ الدّرسِ عن مسَاره المفتَرض، في المستويين المذكُورين، إلى متَاهةِ القذعِ، والنّقاشَات العقيمة، والموَاقفِ الشّخصية والعَقدية غير العِلميّة في أقلّ الأحوال سُوءًا، وهي أمُور بُليْت بِها حُجرات الدّرسِ الجامعيّ، عمُومًا، ودروس «علم الكلام» خُصُوصًا.

ولا يختصّ هذَا الأمر بالأطُر التِي ما زالت تحتفظُ بآراء نقديّة تقليديّةٍ معروفَةٍ عن عِلم الكلام؛ بل إنّ الأمرَ يتعدى هؤلاءِ إلى «أطرٍ جامعية» أخرَى تُبَالغ، لربمَا، في تمجِيد علم الكلام أو، لنقلْ، في تمجيدِ تقاليدَ مدرسِيّةٍ كلامِية معْروفة على حِسابِ أخرَى، تَبعًا لـمَا استقرّ في بَعضِ البُلدان من اختيَاراتٍ مذهبية، أو تبَعًا لبعضِ الأغراضِ الفكرية التِي تجد لها تربَة في مذْهب كلامِي معيّن، وهو أمرٌ ملاحظٌ في الكليَات الشرعيّة التِي تنتمِي إلى بلدانٍ عَربية وإسلاميّة عُرفتْ بتَبنيها، مثلًا، للمذهب الأشعَري في علم الكلام، أو المذهبِ الحنبليّ ذي النزوعِ الأثريّ؛ كمَا يلاحظ أيضًا هذا الأمر عند بَعض الأكاديميينَ العرب الذين آثروا الميُولَ نحو مذهَبِ المعتزلة لأغراضٍ فكريّة معَاصرة.

إلى هذا فإنّ أمرَ تدريس «علم الكلام» يَواجه، كغيره منْ العلوم الإسلاميّة الأساسيّة (الفقه، الحديث، التّفسير) مُعضلةَ عدمِ تفريق «الأطر الأكاديميّة» بيَن درسٍ جامعيّ من مقْتضياته الأوليّة والأسَاسيّة عرضُ المعارفِ وإفْهامها للطلاب دونَ الزجّ بهم في متاهاتِ المذهبياتِ والتحيّزات الفجّة، التي لا تبقِي للعلمِ، على الأقلّ في وضعيتِه الجامعية الأكاديميّة، شيئًا سوى الاسم! وكثيرَةٌ هي تلك المحاضراتُ التي كانَ الأسَاتذة الجامعيون يلقونها بينَ يدي الطّلاب إلقاءَ الواعظِ الخطيبِ، أوْ إلقَاء المتحيّز إلى رأْي مذهبِيّ بشيءٍ من المَدحِ المغلّظ، أو القذْعِ البَالغ؛ ولا تُلقى إلقاءَ الأسْتاذ الجامعيّ العارفِ بالتّدريسِ والإلقَاءِ الأكاديميّ وآدابِه.

هكذا، إذَن، لم يكنْ «علم الكلام»، كما أشرتُ قبلُ، بعيدًا عن معضلتَي: المواقف المتضاربةِ منه التي ما زالتْ نوائبُها تلاحِقه إلى اليوم؛ وعدَمِ التحافِ أطره بلحافِ الأكاديميينَ لأسبَابٍ عدّة، منْها تلك التي ترجعُ إلى طبيعَة التكوينَات التقليديّة التي تلقّاها عددٌ كبيرٌ جدًّا من أساتذة «علم الكلام» فِي حلقَات الدّرس التقليدية، والتي تَبتعِدُ عنِ كثيرٍ من صفاتِ الدّرس الجامعِي، وإنْ انطوتْ على فوائدَ جليلةٍ في تلقِي العلوم الإسلامية الأساسيّة وفهمها؛ ومنها أيضًا ما يرجعِ إلى واقِع التّعليم والجامعات نفسِها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد