تقتضِي طبيعَة «علم الكلام» إلمَامًا بمجملِ معارفَ أخرَى تأخذُ نصيبًا وافرًا من التّجريد والصعوبَة؛ ذلك أنّ نصوص هذَا العِلم قد ركبتْ تركيبًا حِجاجيًّا خاصًّا، يَستلهمُ منهجيَات النظر العقلِي، كمَا رسِمت في التقاليد المدرِسية الكلامية الكبْرى (الأشعريّة والمعتزلة) في مرحَلةٍ مبكّرة من تاريخ علم الكلامِ، وتسْتلهِمُ، في مرحلة لاحقة وتاليّةٍ، البناءاتِ المنطقية التقليديّة التي رسمتْ معَالمهما في المنْطق الأرسْطي في الصُّورةِ التي تلقَفها المسلمون. إلى هذَا فإنّ «علم الكلام»، في فترتِه المدرسيّة الأخيرة، قد شَهِد التِباسًا كبيرًا ببحوثِ الفلسَفة التقليديّة في صُورتها السِينوية (نسبةً إلى الشيخِ الرئيسِ أبي عليّ ابن سينَا [ت:427 هـ/ 1037م]) إجمالًا.

هذه الطّبيعة الخاصّة تجعلُ من درسِ «الكلام» درسًا مُعقّدًا (أي متدَاخِلًا) منطويًا على مستويَاتٍ تلْزمُ الراغبَ في التخصّص فيه، في المقامِ الأوّل، بالإحَاطة بجملةِ المعارِفِ المنطقيّة منْ حيثُ تاريخها، وآليتُها؛ وبجملةِ الأجهزة الاصطلاحية والفنيّة التِي شَارك المتكلّمون الكبَار بها غيرَهم من الفلاسِفة الإسلاميينَ فِي إجرائها عنْد بحث أكبر القضايَا العقديّة، وأكثرها إشكالًا كإثبات وجود الله بالأدلة ذاتِ المنْحى الطَبيعيّ.

يطرحُ هذا التداخُل صُعوباتٍ مُلفِتة في الدرسِ الجامعيّ، على الأقل في المغْرب، فالمنَاهج التِي توفّر لطلابِها وحدَة «علم الكلام» تكُونُ ملزمَةً، بشكلٍ أو بآخر، بأنْ توفّر لطلابِ التخصّص، والتخصّص الدقيق في «علم الكلام» وحداتِ تغطّي حاجة الطلاّب إلى: الفلسَفة والمنطق، وهو ما نجده مُحتشِمًا أو شبهَ معدومٍ في بعضِ شعب الدّراسات الإسْلامية المغربية! صحيحٌ أنّ ثمة كلياتٍ، مغربية وعربية، توفّر تخصصًا كامِلًا في «العقيدة والفلسفة»، كما هو الشأن بالنسبةِ لكليات أصول الدين في عددٍ من الدول العربيّة؛ إلاّ أنّنا، هاهنَا، قد نصَادفُ إشكالاتٍ أخرى من قبِيل الكيفياتِ التِي تُدرسُ بها وحداتُ المنطق والفلسَفة في جَامِعات يغلبُ عليها ما ألمحتُ إليه في المقَال الأوّل، بالإضافة إلى مُعضِلاتٍ أخْرَى أكثر تعقيدًا.

ولعلّ أشدّ تلك المعضِلاتِ المحتفّة بـدرسِ «علم الكلامِ» الجامعيّ تلك التِي نرى فيها إسْنادَ الدّرسِ لغير المتخصّصينَ من الـجَامعيينَ، وهِي القاصِمة التِي بُليتْ بها مؤسّسات جامعية في المغربِ، على الأقلّ مرّةً أخْرَى! فكم تكونُ المعاناةُ مضاعفَة لطلابِ أسَاتذة لا يُحسنونَ تصويرَ مذاهب وآراء المتكلمين وتقريرَها، فضلاً عمّا يرافقُ دروسَهم من آراء خاصّة لا تزيدُ الدرسَ إلا نكُوصًا والطالبَ إلا تشْوِيشًا. ونحنُ إنْ اسْتحضرنَا التّداخلاتِ المعرفية التِي يفرضها «درسُ علم الكلام» على الأستاذ أوّلاً؛ فإنّا قدْ لا نجِدُ منْ يَحسنُ تدريسه على الوجْه الأكملِ من قِبل حاملي شواهدَ تخصصيّةٍ فيه؛ فضلًا عنِ غير المتخصّصين!، وهو مَا يشهدُ به بعْضٌ من كبَار الأكاديميينَ المعروفينَ دوليًّا بالاشتغالِ به تدريسًا وبحثًا، ممّا يجعلُ أمرَ هذا العلم في حُجراتِ الدرسِ أكثرَ تعقِيدًا؛ فلاَ يلاَمُ الطالبُ، حينئِذ، عن نُفوره وتبرّمِه من «دروس علم الكلام» الصّعبة، والتي لا تزيدُ رأسَه إلا دُوّارًا كلّمَا حاولَ فهم مسائلَ تبدُو مجرّدة زيَادةً عن المألوفِ، رُغم أنّها ركبتْ في صُور منطقيّةٍ.

لم يقعْ، في الجامعات المغربيّة على الأقلّ، تفريقٌ بين مستويين من تدريسِ علم الكلام:

(1) مستوى تاريخيّ يأتِي فيه المدرّسُ على جُملٍ علميّة مهمةٍ في تاريخ علم الكلام، يقَلّبُ فيه الأستاذ، ومعه الطلبةُ الباحثونَ تاريخَ العلم، وتطوراته الكرونولوجية التِي شهدها، وفْقَ المعطياتِ التي توفّرها نصُوص العلم نفسه، ونصُوص التّاريخ والتراجِم، دون إغْفَال المسْتجدات العلمية التِي يشْهدُها عالمُ الوثَائق المخطُوطة والمَخبُوءة والتي ما زالتْ تنبِئنا عنْ مُعطياتٍ تاريخيّة جدِيدة.

(2) ومستوى علميّ ثانٍ يكُونُ فيه الأستَاذ مشْدودًا إلى قضَايا علم الكلامِ تصْويرًا وتفهيمًا، وتدقيقًا؛ فإن هو أتى على قضيّةٍ ما تنَاولها وفقَ ما يلزمُ دونَ إخلالٍ. وهذا المسْتوى يكونُ فيه الطالبُ أقربَ إلى نصُوص المتكلمينَ يلامِسها، ويتصفحها حتّى إذا تمّ ذلك لهُ كانَ أهْلًا لقراءةِ غيرها، ومن ثمّ دراستها.

إنّ الغالبَ على «دروسِ علم الكلام»، في أحسنِ الأحْوال، بكليَات المغربِ المستوى الأوّل دون الثانِي في إلقاء الدّروس، وما ذلك إلاّ لضعفٍ في مجملِ البرامج الأكاديميّة التي تخصّص أغلفة زمنيّة غير كافية لكثيرٍ من المعارفِ، والتِي يندرج ضمنها علم الكلام؛ أو لضعفٍ في مُستوياتِ الأطر والطلاب في الجوانبِ العلمية والتدريسيّة، والبحثيّة. ولعلّ ما يجعلُ الركونَ إلى الجوانب التاريخية الأمرَ الغالب والواقعَ، إن لم يكن هو السّائد في حجرات درْس «علم الكلام»؛ عدها مستوًى سهلَ المأخذِ والفهم بالنسبةِ للطلابِ، أولًا، وغيرَ مثقلٍ تدريسًا بالنسبة للأستاذِ ثانيًا. هذا طبعًا إنْ اعتبَرنَا تدريس هذا المستوى يتمّ على النّحو المطلوب!

والحقّ أنّ الجوانبَ التاريخيّة ليسَت أمرًا زائدًا، أو نحوًا من أنحاء التّرف والهروبِ من القضايا الكلامِية نفسِها التِي تعدّ، إلى جانبها، مهمةً ذات بالٍ؛ إلاّ أنّ طغيَانها أورثَنا جيلًا من الخرّيجين الجامعيينَ لا يفهمونَ معنَى كثيرٍ من المصطلحاتِ الكلامية؛ فضلًا عن قضايا العلم ومشَاكلِه الفكريّة في أبْعَادها التاريخيّة الحضاريّة، وأبْعادها الفِكريّة المعَاصرة، جيلٌ من البَاحثينَ الذين تتكدّس المكتباتُ ببحوثِهم السّطحية، وإشْكالاتِهم السّاذجة! جيلٌ لا يَستطيعُ، في أحسَن الأحوال، التّعامل مع أقصرِ الكتاباتِ الكلاميّة بالتحليلِ والدّرس.

تلك، إذن، بعضٌ من صُور معاناةِ حقْلٍ معرفِيّ كاملٍ في الجامعة، حقل كانَ صُورةً شَاهِدة على الفكر الإسْلامِي في تطورِه التاريخيّ والمعرفي. صحيحٌ أنّ ضعف «درس علم الكلام» في الجَامعة ليسَ أمرًا خاصًا؛ لأنّه، بما يعرفُه، يَنضمّ إلى حُزمةٍ المشَاكل التِي تتخبّطُ فيها حقُول معرفيّة أخرى في الأروقةٍ الجامعيّة، جاعلةً من جَامعتِنا في صَدارةِ ذيلَ التّصنيفات العلمية الدّولية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد