منذ سقوط الخلافة العثمانية حتى اليوم لم يكن لنا نحن العرب خلال أكثر من خمسمائة عام إلا أن نتأثر ببقايا من الثقافة العثمانية التي اندمجت في ثقافتنا وتآلفت معها مشكلة حالة طبيعية لتأثر الحضارات والثقافات بعضها ببعض.

أما الخازوق العثمنلي فهي أداة تعذيب اشتهر بها في بلاد الشام جمال باشا الملقب بالسفاح وقد كان واليًا على بلاد الشام منتدبًا من الدولة العلية، ومن المعروف تاريخيًا أنه الرجل الذي كان يستخدم الخوزقة ضد الكثير من العرب الذين حاولوا الوقوف بوجه الدولة العثمانية واتهموا بأنهم خونة يقفون إلى جانب الاستعمار الغربي.

نحن لسنا هنا بصدد إعادة سرد أحداث تاريخية يعرفها معظمنا ولكننا عند قراءتنا حاليًا للواقع الذي نعيش وحالة دولنا العربية والمجتمعات التي ما عادت مجتمعات إلا بالمعنى التقليدي فإننا نجد في كثير من النماذج الفردية وحتى المؤسساتية حالة من شعور هذه الأفراد والمؤسسات العربية خاصة بالألم من الخازوق العثمنلي الذي أخذ شكلًا جديدًا غير ذلك الشكل الخشبي الطويل المدبب الرأس الذي نعلم كلنا بمجرد التخيل حجم الألم والعذاب الذي يتسبب به لأولئك الذين قد يجربونه.

الدولة التركية الحديثة وبقيادة حزب العدالة والتنمية ما زالت تمارس إلى اليوم بشكل غير مباشر وغير مقصود ربما الخوزقة لبعض المتنطعين العرب، وهذا واضح لمن أراد أن يراه عند مطالعة وسائل الإعلام العربية وصفحات التواصل الاجتماعي التي تنطق بالعربية، وليس دفاعًا عن الأتراك ولا هو محاولة لمهاجمة هؤلاء العرب ولكن حتى نكون منصفين الملاحظ أنه عند مطالعة أي خبر يتضمن إنجازًا جديدًا للدولة التركية يرفع من قيمتها ومركزها الدولي كدولة متقدمة إقليميًا ودوليًا فستجد الكثير من التعليقات التي تحاول النيل من أهمية هذه الإنجازات ومحاولات يائسة لأصحاب هذه التعليقات لإظهار ما يفعله العدالة والتنمية في تركيا بأنها إنجازات لا يمكن حتى أن تقارن بما تقوم به أنظمتنا العربية التقليدية من منجزات عظيمة نراها يوميًا في بلادنا ونعيش في خيراتها متنعمين.

في الوقت الذي يجب علينا فيه نحن المواطنين العرب على اختلافاتنا وتباين قدراتنا وثقافاتنا أن نهتم فقط وحاليًا على الأقل بدولنا ومجتمعاتنا وواقعنا الذي تفشى فيه الفساد وفي مختلف المجالات، ترى الكثير من مثقفينا وإعلاميينا وحتى الناس العاديين قد تفرغوا فقط ليعيشوا دور الناقد الذي يهمه جدًا واقع الحال في دول أخرى مثل تركيا والشعب التركي المسكين الذي يرى هذا العربي البطل أنه من واجبه أن يساهم ولو بتعليق على منشور إخباري لموقع تركي ينطق بالعربية محاولًا فيه أن يلفت نظر الناس عربًا وأتراكًا إلى الفساد الذي يعشش في المجتمع التركي الذي يمارسه ويقوده العدالة والتنمية في تركيا.

المتمعن قليلًا في بعض هذه التعليقات والردود يرى حجم الحقد والغيرة والشعور بالدونية لعدم قدرة هذا الشخص على مقارنة دولته العظيمة ونظامها الديمقراطي الأعظم ومنجزاته في كل المجالات بما يفعله العدالة والتنمية في تركيا، كأنك تشعر بأن هذا الشخص يشعر بالحرقان في كل جسده فقط عندما يقرأ أي خبر جديد عن الأتراك ومنجزاتهم.

«متلازمة الخازوق العثمنلي» هي الوصف الأنسب لما يعانيه هؤلاء ممن تركوا كل المصائب والابتلاءات التي تعاني منها بلادهم ووجهوا وعيهم وتفكيرهم ووقتهم وجهدهم لمهاجمة الدولة التركية إما عن غير قصد وإما عن نية مبيتة قد رسم لها الخطط لتأخذ هذا الشكل المرضي، وكأنهم يصيحون من حالة ألم مزمن تزيدهم وجعًا كلما قرؤوا أي خبر عن قدرة تركيا مثلًا على الوقوف ندًا للدول الغربية التي لا تستطيع دولهم وأنظمتهم في الوقت ذاته أن تتنفس إلا بأمر من البيت الأبيض أو تل أبيب.

الرسالة هنا، عودوا إلى رشدكم فبالنسبة للأتراك في نهاية الأمر القافلة تسير وأنتم تضيعون وقتكم وجهدكم وتجعلون من أنفسكم مجرد أضحوكة مثيرة للشفقة لا أكثر.

أكثر ما نحتاجه الآن أن نلتفت لمشاكلنا وضعفنا والدمار والحرب الذي يطاردنا منذ أن انقلبنا على الخلافة العثمانية وفضلنا عليها الاستعمار، وأنا هنا لا أطبل للإخوان ولا للعدالة والتنمية لأنني في النهاية أعلم أنه لن يحك جلدك إلا ظفرك وأننا في النهاية لن تقوم لنا قائمة إلا إذا وقفنا مع بعضنا البعض كأمة واحدة تترك ما لا يهمها وتلتفت لما يهمها فقط، لا نريد أن نتعلم منهم كيف نهضوا وهذا قمة الغباء لا بأس ولكن أن لا نترك كل ما فينا من مصائب ونلتفت إليهم محاولين تعريتهم حتى نشعر بالقليل من الرضا عن أنفسنا.

كأننا نخبر العالم أن الخازوق العثمنلي التاريخي المعروف إذا كان قد نال من بعضنا فيما سبق جسديًا، فإنه وإلى اليوم ما زال ينال منا نفسيًا وفكريًا وحضاريًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد