ينشغل البعض بحلم عودة الخلافة العثمانية، أو حتى عودة نظام الخلافة على الطراز العثماني، ولكني أجد نفسي غير متقبل لذلك.

ذلك أن الخلافة العثمانية كانت مرحلة زمنية وانتهت والتاريخ لا يكرر نفسه وإذا كانت مناسبة لوقتها فهي ليست مناسبة للوقت الحالي.

كما أن نظام الحكم الإسلامي الراشد لا يعرف توريث الحكم وأن الأمة الإسلامية ليست عقارًا يورثه الحاكم لذريته، ولكن تكون الإمارة دائمًا شورى بين المسلمين والأمة وحدها صاحبة الرأي الأول في اختيار من يحكمها.

فهل بعد زوال الحكم الوراثي المخالف لهدي الخلافة الراشدة نتمنى عودته؟

أليس بالأحرى ما دام الأمر في مجال التمني أن نتطلع للأفضل والأكمل ونحلم بنظام على مثال الخلافة الراشدة، حيث لا توريث للحكم أم نتمنى عودة المفضول ونترك الأفضل؟

كانت الخلافة العثمانية إنجازًا كبيرًا في زمانها حين قامت بتوحيد الأمة الإسلامية، بعد أن أصبحت مفتتة وأقرب لملوك الطوائف أو المدن، وكانت دولة المماليك في مصر قد اعتراها الضعف لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ثم هزيمتها من البرتغاليين، وفقدانها موارد مالية كبيرة من مرور التجارة منها إلى أوروبا. وقامت الدولة العثمانية بالدفاع عن الأمة الإسلامية، ولها في ذلك جهد مشكور وغير منكور. فتلك الخلافة أوقفت الزحف الصليبي الأوروبي من جهة الإمبراطورية البيزنطية وغيرها من إمبراطوريات أوروبا، بل توسعت تلك الدولة داخل أوروبا ونشرت الإسلام فيها خاصة في البلقان وشرق أوروبا بها حتى وصلت إلى أبواب فيينا.

كما كان لها دور كبير في تأخير الاحتلال الأوروبي للدول الإسلامية لعدة قرون بتصديها للمحاولات البرتغالية لاحتلال جنوب الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وتصديها لمحاولة إسبانيا والبرتغال غزو شمال أفريقيا والمغرب بعد أن قامت بطرد المسلمين من الأندلس.

كما تصدت من ناحية الشرق للدولة الصفوية التي كانت تحاول التوسع في بلاد فارس والعراق وتفرض المذهب الشيعي الإمامي بالقوة.

وبالرغم من هذه الإنجازات، إلا أنها لم تكن خلافة راشدة، ولم يكن حكامها معصومين، بل رأينا فيها الأخ يقتل أو يقاتل أخاه من أجل الحكم، وكان في بعض خلفائها والولاة التابعين لها ظلم بين كما اشتهر بعض خلفائها بالعدل والتقوى وإعلاء راية الشرع.

ولكن أن نحاول أن نحكم على الدولة العثمانية بمقاييس الزمان الذي نعيش فيه وذلك ظلم لها وللتاريخ أيضًا.

لأنه إذا أردنا محاكمتها فليكن بمقاييس عصرها وحين تأسست الدولة العثمانية لم يكن مصطلح الدولة القومية قد وجد، ولكن كانت هناك إمبراطوريات تحاول التوسع على حساب بعضها، وكان البقاء فيها للأقوى، وبالتالي فلم يكن حكم العثمانيين للولايات (الدول الآن) العربية والإسلامية احتلالًا بقدر ما كان تغييرًا في نظم الحكم فيها، وبدلًا عن كونها تابعة للخلافة العباسية والتي أصبحت في آخر عهدها خلافة رمزية ودينية، ولكن ليس لها من أمر الحكم شيء أصبحت تابعة للخلافة العثمانية. وكان المسلمون يتقبلون ذلك ما دام خليفتهم مسلمًا ويحكم بالشريعة.

َ بالرغم من ظهور الدولة القومية في أوروبا 1648 بعد صلح وستفاليا وظهور مبدأ سيادة الدول إلا أن ذلك تأخر في الظهور في البلاد الإسلامية لأنهم كانوا متقبلين الحكم العثماني حتى وإن كان به جور فمثلًا حين قام المصريون بثورتهم في عام 1805 ضد جور الولاة العثمانيين وحين تمكنوا من القدرة على اختيار وتعيين حاكم جديد لمصر، وربما بالرغم من تأثرهم بحملة الاحتلال الفرنسي التي سبقت ذلك بسنوات، إلا أنهم لم يعينوا مصريًا حاكمًا لمصر، وإنما اختاروا جنديًا عثمانيًا من الجيش العثماني ألباني المولد هو محمد علي لتعيينه واليًا على مصر والطلب من السلطان العثماني اعتماده واليًا على مصر، وهذا يعني أن المصريين، وبالرغم من ثورتهم على الولاة العثمانيين لظلمهم الشديد، إلا أنهم لم يسعوا في ذلك التاريخ للاستقلال عن الخلافة العثمانية؛ لأن الخلافة كان لها بعد ديني، إضافة للبعد السياسي.

وكما أسلفت ربما كانت الخلافة العثمانية في زمانها مناسبة، ولكن مع تغير الزمان وضعف تلك الخلافة حملت في داخلها عوامل نهايتها وعجل بذلك مؤمرات الغرب عليها وطمعهم في وراثة واحتلال ولاياتها ومؤمرات الصهاينة حين رفض السلطان عبد الحميد منحهم وطنًا في فلسطين مقابل أموال طائلة.

وفي عام 1924 تم إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا، وإعلان تركيا جمهورية علمانية متخاصمة مع الدين.

ومع ذلك هناك حنين من البعض لعودة تلك الخلافة، ولكن الزمان ينطلق ويظل منطلقًا ولا يعود للخلف.

وأولى بمن يستبد بهم الحنين لعودة الخلافة أن يفكروا في شكل جديد من أشكال الوحدة للأمة الإسلامية، وليس شرطًا أن يكون اسمها خلافة، ولكن الشرط أن تطبق معايير الإسلام في الحكم، وأهمها الشورى، والعدل، والحرية وللمسلمين في ذلك أن يستفيدوا من تجارب الأمم غير الإسلامية في سعيها للوحدة، وخاصة الاتحاد الأوروبي الذي تكون من أمم مختلفة بينها تاريخ طويل من الحروب والخلافات الدينية والقومية راح ضحيتها مئات الملايين منهم، ولكن وجدوا في النهاية الوحدة أفضل لهم من النزاع.

يمكن للأمة الإسلامية أن تتوحد في هيئة كيان مثل الاتحاد الأوروبي وفي إطار الحفاظ، على التنوعات العرقية، واللغوية، والمذهبية.

كما يمكن لهم الاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي بأن يبدأوا تكاملًا وتعاونًا اقتصاديًا يتزايد مع تزايد الثقة بين أنظمة حكمهم بشرط أن تكون كل وحدة، أو دولة تطبق معايير الإسلام في الحكم مثل الشورى، والعدل، والحرية، حتى يكون هناك تجانس بين هذه الدول.

و سعينا لوحدة أمتنا ليس شرطًا أن ينتهي بوجود إمام أعظم، أو خليفة، يحكم كل بلاد المسلمين، بل نتطلع لوحدة تكون قيادتها جماعية بين هذه الدول، وديمقراطية في اختيارها، ومتناوبة بين الشعوب بمعنى أن هذه القيادة الجماعية تكون الشعوب الإسلامية كلها ممثلة فيها من العرب، والترك، والفرس، والأمازيغ، والأفارقة، والهنود، والباكستانيين، والبنغاليين، والمنتمين لجنوب شرق آسيا، والأوروبيين وغيرهم.

إن حلم الوحدة بين الأمة الإسلامية لا يعني استنساخ أو محاولة استدعاء تجارب تاريخية كانت مناسبة لزمانها، ولكن على المسلمين إبداع نظم مستحدثة تستمد أصولها من المبادئ والقيم السياسية الإسلامية، ويدعم ذلك أن الإسلام لم يضع نظامًا تفصيليًا للحكم، وإنما مبادئ يتم تطبيقها على أي نظام حكم تختاره الأمة شريطة أن تكون قيم الشورى (رأي الأمة) والعدل والمساواة، والحرية، وحقوق الإنسان، وحفظ الدين، والنفس.

والإسلام حين تحدث عن العبادات تحدث عنها تفصيلًا، ولا مجال فيها للاجتهاد أو التجديد.

أما في النظام السياسي فهو مفتوح للمسلمين للتجديد المستمر والتطور والأخذ من تجارب الدول المسلمة وغير المسلمة للوصول لنطام حكم أمثل يجمع الأمة ويحفظ للشعوب المسلمة خصوصيتها واختلافاتها اللغوية، والعرقية، والثقافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد