كيف تشكلت الروابط العثمانية فى مصر ؟

تعد مصر العثمانية نموذجًا جيدًا لفهم العلاقات التي ربطت بين المركز العثماني، وأطرافه العربية، والتي جعلت الأنظمة العثمانية يُعاد تشكُلها وفقًا لحقبتها التوسيعية الجديدة، ولا يمكن فهم مصر العثمانية دون الرجوع لمركزية الدولة العثمانية.

المركزية العثمانية

أتت المركزية العثمانية كبنية عسكرية / دينية ارتبطت بالسلطان ما جعل تشكيل مؤسسات الدولة الاقتصادية / الدينية كتقاسم للسلطة العثمانية فأصبح السلطان سلطة فوقية مؤسسًا منظومة اقتصادية تركز حولها الجيش العثماني أساسها نظام التيمار بحيث منح السلطان جنوده الأراضى مقابل جباية الأموال، ولتمويل مواردهم الإقتصادية عُرفوا باسم (الإسباهية) تزامنًا مع تشكيل نظام الديوشرمة (جمع أعداد كبيرة من أبناء المسيحيين، وتحويلهم للإسلام) ليؤكد على «استقلالية الطبقة الحاكمة عن مجتمعها وبنيتها الأساسية»(1)، وإعادة تشكيل محيطها البيزنطي بنزعة إسلامية / توسيعية؛ ما أدى لنشأة نظم عسكرية كالإنكشارية استُعملت كنخب حاكمة ولائها الرئيس لمركزية السلطان.

جاء تشكيل هيئة دينية على رأسها شيخ الإسلام «كنافذة للمؤسسة الحاكمة عبر وظيفتها القانونية والتعليمية»(2) ما جعل شبكة نفوذها تتسع لتشمل أدوارًا في مجالات الحياة العامة كتسجيل العقود، وإصدار الفتاوى السياسية نظرًا لطبيعة مركزها باعتبارها مرجعية دينية.

وبالرغم من ارتباط المؤسسات بالسلطان فعليًا إلا أنها في الوقت نفسه، ونتيجة لاستقلالها النسبي استطاعت تكوين شبكات اقتصادية، وسياسية. فالمؤسسة الدينية، وعلى رأسها (شيخ الإسلام) استغلت نفوذها في أوقات لإصدار فتاوى دينية، بينما استطاعت المؤسسة العسكرية بحكم (نظام التيمار) تحويل نفسها لطبقة اقتصادية أصبح لها وجود سياسي تدخلت بموجبه لفرض سلاطين بعينها.

وتجدر الإشارة إلى اعتبار القرن السابع عشر بداية ضعف الدولة العثمانية بفعل صراعات، سواء بين المؤسسات التقليدية، أو الخاصة بالسلطان، ففي غياب قانون للعهد «تزايد دور مؤسسة الحريم بالتحالف مع الهيئة الحاكمة ممثلة في الصدر الأعظم لتولية أولادهم»(3) تزامن هذا مع توقف الفتوحات، وفقدان الدولة موردًا اقتصاديًا تمثل في جباية الأراضي، وتأكيدها على السمة العسكرية بتزايد أعداد الإنكشارية؛ ما أنتج أزمة العملة التي انعكست بالسلب على الفلاحين من خلال فرض الضرائب من رجال التيمار، وعبرت الولايات عن مشاكل المركز فأصبحت الخزينة العثمانية تعاني بفضل انتقال سلطة الالتزام (بيع حق جباية الأرض في مزاد) لصالح طبقة محلية كالمماليك استطاعت تكوين ثروات مهدت فيما بعد لحركات استقلالية كحركة علي بك الكبير، ومع ضعف المركز تولدت داخل الولايات المختلفة صراعات بين الحامية العسكرية، والفئات المحلية.

الحكم العثماني

يُنظر إلى مصر العثمانية باعتبارها حكمًا مركزيًا منذ البداية، إلا أن الوضع لم يكن كذلك، خاصة مع تبني الدولة العثمانية في عهد سليم الأول هيكلًا مرنًا بسياسات إدارية، واقتصادية على رأسها: منظومة حاكمة في القاهرة ارتبطت بإستانبول، وإبقاء ست أوجاقات أهمها: الإنكشارية أو المستحفظان (أقوى الأوجاقات، تولت وظيفة شرطة القاهرة)، والعزب (جمع المكوس على الغلال) والجاويشية (مماليك تابعين للوالي ومد الأوجاقات بالعسكر واختيار قائد الإنكشارية منها أو إستانبول)، وتشكلت فرقة المتفرقة في عام 1595 كأداة مسيطرة على الباشا، وبقية الأوجاقات» (4)، وتقسيم مصر إلى 12 سنجقًا مع إبقاء منصب أمير الحج تحت حكم البكوات المماليك القدامى، «واعتبار الصعيد ولاية مستقلة تتعامل مباشرة مع السلطان العثماني وفقًا لنظام الدولتين» (5).

تشكل التوازن بين الهيئات الحاكمة وفقًا لسياسات ربطت الولاية بالمركز ما جعل المرحلة الأولي تعاني من إزدواجية تبدو طبيعية نظرًا لتمدد النفوذ المملوكى في الجهاز الإداري ما تطلب تعاملًا خاصةً ظهرت ملامحه الأولى «بنظام الساليانه جامعًا بين الإقطاع المملوكي والنظم العثمانية» (6) حيث يُجمع فائض الولاية ويرسل من قبل الوالي، والاحتفاظ بنسبة للصرف على الهيكل الإداري، وحقه في تعيين الهياكل الإدارية، والمالية، وأدت تلك الازدواجية إلى استغلال أحمد باشا «الخائن» المُرسل من إستانبول موارد ولايته ضد الدولة العثمانية، وتعطينا حالة أحمد باشا نموذجًا فريدًا في فهم تركيبة الدولة العثمانية، ولا يجب النظر إليها فقط باعتبارها محاولة تمرد، وإنما صورة لتعاملات الدولة العثمانية بمحيطها الداخلي الذي ارتكز على بنية الديوشرمة، فأحمد باشا رأى أحقيته في منصب الصدارة العظمي نظرًا لمساهماته الحربية إلا أنه لم يحصل على المنصب، بالرغم من أحقيته.

هنا نرى أن أحمد باشا يمثل نظام الإسباهية الذي تأسست عليه الجيوش العثمانية في بدايتها، وبالانتقال لنظام الديوشرمة أصبح محيطها أقدر على استيعاب عبيد جدد مثله بوضوح ترقية إبراهيم باشا من مرب للصقور إلى الصدر الأعظم؛ ما جعل التنافس بينهما تنافسًا بين نظامين عثمانيين، وليس تنافسًا على مناصب فقط.

بمجيىء أحمد باشا الجزار لمصر تشكلت قواعد حكمه وفقًا لطبقته الإسباهية التي نظرت إلى مصر باعتبارها ملكية خاصة، «وبالرغم من القضاء عليه من قبل إبراهيم باشا، إلا أنه ساهم بطريقة مباشرة في القضاء على ازدواجية المرحلة الأولى بصدور قانون نامة 1525 ليؤسس المرحلة الثانية بدمج مصر في المركزية العثمانية، ويضع القواعد السياسية، والاقتصادية عن طريق تأسيس هيكل إدارى على رأسه وال يتبع إستانبول مباشرة، وفصل الوظائف الاقتصادية بطريقة تخدم مصالح الدولة بتدخلها في جباية الضرائب على السلع في المقابل حماية مصالح التجار، وخاصة تجار التوابل بإصلاح الهيكل الضريبي، وربط جمارك ميناءي جدة وسواكن بخزانة مصر بسلطة الأمناء» (7) هنا أصبحت مصر مندمجة فى عمليات تبادل وتسويق تجاري بين البحر الأحمر، وموانئ الدولة العثمانية قوامها المنتجات العابرة من اليمن (البن)، والمحلية (القمح) ما ساهم في تراكم ثروات للتجار انتقلت بثرواتها للاستثمار في جباية الأرض باعتبارها مجالًا مستقرًا ارتبط بالسلطة العثمانية (الساليانة).

بالرغم من تشابه نظام الساليانة والالتزام إلا أن الأخير أتى ضمن جهود سابقة في فصل الوظيفة العسكرية الاقتصادية (الإسباهية) عن المركزية العثمانية وبدايتها بالاعتماد على نظام الديوشرمة في تشكيل الإنكشارية، والذي انهار بفضل ضعف المركزية؛ ما سمح باختراقه من المسلمين الأحرار ما مثل تهديدًا لنفوذ السلطان.

جاء الالتزام ليعيد ترسيم العلاقة بين الطبقة العسكرية، ونفوذها الاقتصادي وبوجود فئات محلية  تشكلت نتيجة اندماجها في الشبكات التجارية العثمانية التي كانت صلاتها الأوروبية في تزايد باعتبارها سوقًا تجاريًا ما جعلها تسيطر على الالتزام، ونتيجة تأثر الدولة العثمانية بالتغييرات الأوروبية من ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية نظرت إلى قيمة الأرض باعتبارها وظيفة جديدة تستعيد من خلالها نفوذها الاقتصادي ومركزيتها في خلق شبكات التزامية تمكنها من إدارة جباية ضريبة الأرض في مزاد هنا اندمجت الهيئات الحاكمة، وشبكاتها الوظيفية في تنظيمات اقتصادية أصبح المماليك فيها طبقة التزامية نظرًا لثرواتهم من الصناجق.

في المقابل ساهمت «عوامل كخفض المرتبات خصوصًا مع التضخم النقدي في إستانبول نتيجة ضم أعداد كبيرة من المجندين، وازدياد لا مركزية الإدارة في إستانبول بتحالفاتها الأوروبية فى دمج الأوجاقات العسكرية في عمليات الأنشطة التجارية» (8) مستغلة وظائفها الأمنية في بناء شبكات اقتصادية ونتيجة الصراع الاقتصادي ظهر مجال جلب العبيد وسيلة مهمة لعمليات الاختراق المتبادل بين الأوجاقات والبكوات المماليك، وأصبحت الشبكات الموردة للجنود (الجاويشية والمتفرقة) خاضعة تحت تأثير هؤلاء المجلوبين ما أدي لعمليات اختراق ظهرت أثرها في أهم الأوجاقات الحاكمة: الإنكشارية، والعزب هنا تبلورت أولى انقسامات مصر العثمانية بين الفئات المملوكية: فرقتي الفقارية (أمير الحج)، والقاسمية (الدفتردار).

يصف الجبرتي ظهور الفرقتين على النحو التالي: «ظهر في عسكر مصر سُنة جاهلية، وبدعة شيطانية، زرعت فيهم النفاق وأسست فيما بينهم الشقاق واحتزبوا بأسرهم، فرقة يقال لها: فقارية وأخرى تدعى قاسمية» (9).

تمثل صورة الانقسام بين الفرقتين صورة مصر العثمانية بصراعاتها الداخلية، وانخراط أطرافها في الأنشطة التجارية، فالبكوات المماليك استطاعوا الاستفادة من الالتزام فمن خلال 6 آلاف ملتزم نجد أن نصفهم من المماليك، نتج عن هذا نشوء شبكات اقتصادية، سواء داخلية، أو خارجية، فمناصب كالدفتردار بفضل الالتزام أصبح لها الحق في جباية الأموال داخل الولاية وبتنامي قوة المماليك الاقتصادية أصبح المنصب مملوكيًا بقيادة (مراد بك القاسمي) وعلى الرغم من وظيفة أمير الحج الدينية بقيادته رحلات الحج التي جمعت بين أعداد من المسلمين الشوام والمغاربة التي ارتكزت تجارتهم على البن والتوابل؛ ما جعل المنصب مندمجًا في شبكات التجارة الدولية خاصة مع اعتبار البحر الاحمر منفذًا اقتصاديًا لبيع البن، والتوابل؛ ما جعل النفوذ المملوكي يندمج في مجال تجاري خارجي مكنه من التعبير عن راسمالية خارجية، وكان المنصب بقيادة (عثمان بك ذو الفقار) هنا انعكست تلك الانقسامات لتدخل المجال العسكري الممثل في الأوجاقات العسكرية.

ظلت مصر الإسلامية ذات طابع خراجي بين مدينة مركزية (القطائع، والقاهرة)، وأقاليمها، لكن في العهد العثماني ومع دخول الالتزام تحولت الدولة وطبقاتها الحاكمة من إدارة الصراع بين القوي المختلفة إلى قلب الصراع نفسه نتيجة امتلاك طبقاتها موارد أعطتها الحق في دمج وظائفها في صراعات تمحورت حول أهم أوجاقين: الإنكشارية، والعزب.

تركزت أنشطة «أغا الإنكشارية» داخليًا في حفظ الامن، وخارجيًا في سردار الحج عدا وظيفة المحتسب التي كانت لها دور كبير في الرقابة على الأسواق بينما أوجاق العزب يختار منه أمين البحرين، وتأسيس مراكز الشرطة، والإشراف على الملاهي، هكذا كان التقسيم في البداية. بمجيء القرن الثامن عشر حدثت تغييرات داخل أوجاق الإنكشارية بسيطرتها على مهام المحتسب تدريجيًا لأسباب منها: تواجده في القاهرة باعتباره أداة حفظ الأمن، وقدرته على تأمين الأسواق ما جعله قريبًا من حركة الأسواق دون التدخل في عملياته، لكن بدخول وظيفتي التأمين والمراقبة أصبحت وظيفة المحتسب متدخلة في هيكل السوق؛ ما جعل الإنكشارية مندمجة في مركزية السوق التي تتميز بتقلباتها، واندماجها في عمليات التبادل الخارجى.

استطاعت الإنكشارية الدخول في شبكات التجارة في البحر الأحمر، وخاصة تجارة التوابل والبن عن طريق استيلائها على التزام جمارك التوابل، هنا أصبحت الإنكشارية تعبيرًا عن مصالح كبار التجار، وبالأخص تجار البن والتوابل، في المقابل حصل أوجاق العزب بفضل قاعدته الاقتصادية الداخلية الناتجة من القمح وتمركز قوته في مراكز البوليس على التزام الخردة؛ ما أعطى له سيطرة على الحرف المتدنية، كالطبالين هنا عبر العزب عن مصالح الطبقات نظرًا لطبيعتها الأساسية كأداة مساعدة للإنكشارية.

وبالرغم من سيطرة الأوجاقات على الطوائف الحرفية، والدخول فيها إلا أنها استطاعت تطوير أنظمتها الوظيفية عن طريق الاعتماد على مماليكها في اختراق الأوجاقات، والزواج من مصريات والدمج الكامل في بنية تجارية تزامن هذا مع تطوير لأنظمة اقتصادية عُرفت باسم «الحماية» بموجبه جُمعت أموال إضافية؛ ما جعلها صيغة تعاقدية بين الطوائف والشبكات الحاكمة، فلا يكتفى أن تكون حرفيًا، بل أصبح وجودك معتمدًا على الهيئات الحاكمة مهما تنوعت (الباشا، والأوجاقات، والمماليك) (10)، وعبرت الحماية عن توازن العلاقة بين أكبر اوجاقين: الإنكشارية والعزب.

أصبحت الأوجاقات في بنيتها الداخلية تجمع بين وظيفتها العسكرية «الأساسية»، ونفوذها التجاري «الثانوي»؛ ما جعل بنيتها الداخلية هشة نتيجة ضعف الديوشرمة المؤسسة لها وتعبيرها عن مصالح التجار، ما جعل وظيفتها تنتقل لطبقة مملوكية جديدة تشكلت من رحم الصراعات الاقتصادية بين الهيئات الحاكمة ساهمت فيما بعد بتشكيل البيوت المملوكية التي أصبح البكوات المماليك بموجبها على رأس الهيكل الإداري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد