لطالما كانت الدولة العثمانية محط جدل وخلاف في العصر الحديث؛ بسبب انتشار الفكر القومي والعلماني والتغريبي. فقد عدها البعض دولة استعمارية كانت تعتمد على القوة العسكرية، فيما عدها آخرون دولة خلافة إسلامية حكمت المسلمين بدون تمييز بين أعراقهم، وحتى غير المسلمين أعطتهم حقوقًا، خاصة أهل الكتاب وفق ما تمليه الشريعة الإسلامية، وربما أكثر، حتى عدها البعض الدولة الاكثر تسامحًا مع النصارى بين دول الخلافة السابقة، واستطاعت بفضل تفوقها البحري على باقي الدول في ذلك العصر أن تكتشف أمريكا والقطب الجنوبي قبل الأروربيين، من خلال خرائط في أرشيف الدولة تؤكد ذلك، إضافة إلى التطور في المجال الطبي، خاصة فيما يتعلق بمعالجة بعض الجراثيم والأمراض العقلية، والتي استفاد منها الأوروبيون بعد أن كانوا يقتلون مرضاهم العقليين بحجة أنهم ملبوسون وتسيطر عليهم الشياطين، ناهيك عن التطور العمراني، حتى أصبح له طابع خاص عرف بالطراز العثماني، فكانت في النهاية امتداد للحضارة العربية الإسلامية وإن أهملت الناحية العلمية، خاصة في آخر عهدها؛ عندما أصبحت تقلد الغرب بشكل أعمى، واصبح مفهوم الحداثة محصورًا في النهضة الأوروبية، لكن هذه الخلافة لم تسلم حتى من انتقاد بعض القوميين الترك بأنها كانت تفضل العنصر البلقاني على التركي الذي كان ينتمي إليه الخليفة أو السلطان عبر الجيش الانكشاري الذي كان يضم في غالبية صفوفه من البلقانيين كالصرب والكروات والبوشناق، وعبر منصب الصدر الأعظم وهو الأعلى بعد الخليفة؛ كون معظم أمهات الخلفاء كن أوروبيات، خاصة من البلقان وأوروبا الشرقية، كروسيا وأوكرانيا.

إذا بدأنا من عصر الإمارة، أي القرنين الأولين من عمر هذه الدولة، نرى كيف أنها كانت تتوسع وتعيش نموًا وازدهارًا مطردين، ثم خلال القرنين الأولين من عصرها كخلافة، والثالث والرابع كدولة استمرت تقريبًا على هذا النحو؛ لتبدأ في قرنيها الأخيرين تعيش حالة من الركود والضعف وقيام ثورات ضدها كان من الممكن أن يكتب لها النجاح، كثورة الظاهر عمر والي عكا في فلسطين، وثورة الأميرين الشهابي وفخر الدين المعني في لبنان، والثورة الوهابية في الجزيرة العربية، وأخيرًا ثورة محمد علي في مصر، والذي ساهم في قمع الثورات السابقة، والذي وصلت جيوشه إلى قلب الأناضول خلال ثورته فيما بعد؛ فهرعت الدول الأوروبية خوفًا لمساندة الدولة العثمانية؛ لمنع قيام دولة حديثة في المنطقة في العصر الحديث تهددها، والإبقاء على هذه الدولة المترهلة، وتكبيلها بالاتفاقات المجحفة والامتيازات بحق حماية الأقليات لكل دولة أوروبية للأقلية التي توافق مذهبها، كحماية فرنسا للموارنة والكاثوليك بشكل عام، وحماية بريطانيا للبروتستانت والدروز، وحماية روسيا للأرثوذكس؛ حتى لا يستطيع أي خليفة عثماني قوي التحرك من جديد في الدولة عبر هذه الاتفاقات، وآخرهم كان السلطان عبد الحميد، فعزل من منصبه؛ بسبب محاولاته للنهوض بالدولة، فسميت حينها بالرجل المريض الذي ينتظر الجميع للانقضاض عليه وتقاسم ثروته، وهذا ما حصل في الحرب العالمية الأولى بعد أن تمكنوا من النخر في جسم الدولة العثمانية والسيطرة على الحكم عن طريق يهود الدونمة ممثلين في حزب الاتحاد والترقي فأثاروا العناصر المسلمة غير التركية في الدولة، كالعرب بسبب سياساتهم، وحرضوا بعضهم على الثورة مدعومين بتلك الدول وإغراقهم بالوعود الكاذبة ونجاحهم في اقتسام الكعكة أخيرًا.

من هنا نرى كيف أن الغربيين ساهموا في زيادة عمر هذه الدولة أكثر من قرن ومنعهم للقيام بإصلاحات داخلها؛ مما ساهم في نظرة البعض السلبية تجاهها، وكأن عصر الركود والانحدار هو ما كانت عليه الدولة طيلة عمرها، فكان عمرها حوالي ستة قرون، لكن المتصيدين ركزوا على القرن الأخير. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد