تعرضت أوروبا لعمليات غزو وهجرات متعددة منذ قرون طويلة ساهمت في تشكيلها وتنوع لغاتها، فغزتها قبائل الهون الآسيوية وقبائل الفايكنج، وتحركت إليها وداخلها العديد من الشعوب فيما أسماه المؤرخون بعصر الهجرات. ومرت القارة الأوروبية التي نعرفها الآن بفترات وحقب كبيرة دارت فيها الحروب والمعارك فيما بينها، وتبادلت أممها وبلدانها الاحتلال والغزو. وأسهمت كل تلك التحركات والمعارك في صقل وتشكيل دول أوروبا الحالية.

مع ذلك يقرر فريمان في بداية الفصل الثاني من كتابه (الهيمنة العثمانية في أوروبا) أن «حُكم الأتراك العثمانيين في أوروبا هو بحد ذاته ظاهرة لا مثيل لها في التاريخ». معتبرًا أن الدلالة الأكبر على هذه الظاهرة؛ هي أن أولئك الغزاة لم يطل حكمهم التغيير قدر بقائهم في تلك الأرض، فقد ظلوا غرباء عن البلاد التي يحكمونها طوال خمسة قرون وبعدها أيضًا.

أثبتت الدراسات الحديثة أن أوروبا كانت منذ العصر الجليدي بوتقة انصهر فيها مزيج من السلالات القديمة، التي جاءت من أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة روسيا الآن، وأن موجات الهجرة إليها بدأت من أفريقيا خاصة. رغم ذلك فإن الأوروبيين تحكمهم منذ عهد بعيد – ولا يزال يتبناها الكثيرون وخاصة اليمين الأوروبي – فكرة مهيمنة مفادها أن الأراضي التي ولدت فيها الحضارة الأوروبية هي ملك خالص لبعض الأجناس المحددة. وأن تلك الأجناس هي التي صنعت أوروبا وكانت لها سيطرة دائمة عليها، وإن تبادلوا هذه السيطرة فيما بينهم عبر الحروب التي دارت رحاها كثيرًا هناك. وأن أوروبا قد صاغتهم في المقابل كأوروبيين بكل ما يميزهم عن الأفريقي أو الآسيوي، وأنهم وحدهم هم من يحملون كل السمات والصفات التي تشكل أوروبا كما نعرفها.

وتوافقًا مع هذه الفكرة يرى فريمان أن جميع أمم أوروبا الرئيسية تعود إلى فرع واحد من العائلة البشرية، فهم جميعًا يتحدثون بألسنة يمكن أن نرى منها أنها كانت تنتمي إلى لغة واحدة في البداية. وأن هناك زمن كان فيه أجداد جميع أمم أوروبا (اليونانية، واللاتينية، والتوتونية، والسلافية، والليتوانية) كانوا كلهم شعب واحد عندما بدأوا مسيرتهم في رفقة مشتركة، من وطن واحد مشترك بعيد قادمين إلى أرض أوروبا. وباستثناء بعض بقايا الأجناس السابقة التي وجدها أجدادنا في أوروبا، وبعض المستوطنات التي أُقيمت في أوروبا في العصور التاريخية على يد رجال من أعراق أخرى؛ فإن جميع أمم أوروبا تنتمي إلى أصول آرية مشتركة. وأن هؤلاء الذين ليسوا من نفس الأصول الآرية سواء من بقايا الأجناس السابقة أو من استوطنوا أوروبا لاحقًا؛ جميعهم تم جلبهم بوسيلة أو بأخرى داخل نطاق النفوذ الآري، فهم وإن لم يكونوا أوروبيين بالميلاد فقد أصبحوا أوروبيين بالتبني.

ويدلل المؤلف على وحدة الأصل الأوروبي بأن النازحين الأوائل الذين استعمروا الأراضي الأوروبية من الغال، الرومان، القوط، وإن لم يكن لديهم فكرة أو أي معرفة بنسبهم الأصلي الذي يربطهم معا؛ فإن هذا الأصل المشترك قد أدى دوره تمامًا عندما سمح بدمج الغال والرومان والقوط في مجتمع واحد. مجتمع لم يكن لقبائل الهون أو للمسلمين فيه من نصيب. وحدة يميزها أصل يجمع بين العرق واللغة ومن المؤكد أنه لا يمكن الشك في أن وحدة العرق والكلام هذه كان لها التأثير الأقوى، في جمع الدول الأوروبية معًا كأعضاء في كومنولث واحد عظيم، يميزهم عن أولئك الذين لا يشتركون معهم في تراث الأجداد هذا.

ثم ينتقل فريمان إلى دور الدين في تأكيد الفارق الكبير بين أهل الأرض وبين المحتلون الأتراك: «وإلى جانب الأصل والتاريخ المشترك؛ فإن أمم أوروبا لديها دين مشترك أيضا. فمع أصولها الآرية والرومانية فإن أوروبا مسيحية كذلك، وعلي الجانب التاريخي كانت المسيحية هي ديانة الإمبراطورية الرومانية.» مضيفًا أن كل أوروبا – الشرقية والغربية – لها حق مشترك في عالم روما وفي كل ما ينبع عن ذلك العالم من القوانين والفنون واللغات والثقافة العامة، والتي علمتها روما لهم. وأن: «المسيحية هي عقيدة أوروبا وأمريكا المتحضرتين، فكلاهما تشتركان في تراث روما، وهي ليست عقيدة آسيا وأفريقيا لأن تأثير روما لم ينتشر على الجزء الأكبر منهما».

يُبرز فريمان دور القواسم المشتركة بين الأمم الأوروبية في علاج ما كان يدور بينهم من غزو متبادل واستيطان قسري، فالسلطات التي تأسست عبر الغزو كانت تدريجيًا مع الوقت تنسى أنها جاءت عن طريق الغزو. وتعلم الغزاة والمغزوّين عاجلا أو آجلا أن يفكروا كشعب واحد، وأن يعترفوا سويًا بقائد مشترك يحكم أرضهم المشتركة. وكان التأثير متبادل ففي بعض الأحيان تعلم الغزاة لغة المغزوّين وآدابهم، وفي أحيان أخرى تعلم المهزومون لغة الغزاة وآدابهم. وأحيانًا يتسمي الغزاة بألقاب وأسماء أهل البلاد التي فتحوها، وأحيانًا أخرى يتَسَمىَ المغزوّين بأسماء الغزاة الفاتحين. و في كلتا الحالتين أصبح الغزاة والمغزوّين، عاجلًا أم آجلًا، شعبًا واحدًا.

لكن العثمانيين – حسبما يرى المؤلف – رغم اطلاقهم اسمهم على الأرض التي غَزَوْها وأصبحت تسمى تركيا (تمامًا مثلما أطلق الفرنجة اسمهم على الأرض التي غَزَوْها وأصبح اسمها فرنسا)، إلا أن تاريخ الأتراك في اليونان وبلغاريا وصربيا والأراضي الأخرى التي احتلوها كان مختلفًا تمامًا عن تاريخ الفرنجة في بلاد الغال. فقد ذاب الفرنجة في بلاد الغال تمامًا في الكتلة العامة لأهل الأرض، لكن الأتراك في أوروبا ظلوا مختلفين حتى النهاية عن كتلة أهل الأرض، ظلوا تمامًا كما دخلوها أول مرة. فهم لم يتبنوا لغة وآداب أهل الأرض، كما لم يتبنى أهل الأرض لغتهم ولا آدابهم، وظل العثمانيين في عملية غزو متواصلة طوال قرون وجودهم في أوروبا، ولم ينتقلوا أبدأً إلا مرحلة الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاندماج مع أهلها.

الأمر الجلل في استدلالات فريمان على استحالة وقوع تقارب بين العثمانيين والشعوب الأوروبية؛ هو موضوع الإسلام كدين يبيح تعدد الزوجات والرق. فهذان الأمران الذين أرجعهما إلى الأصل الديني، يؤكد أنهما كانا غريبان تماماً عن أوروبا. رغم أن أوروبا عرفت التعدد قبل المسيحية، كما كانت تنتشر بها صور مختلفة من الرق والعبودية في ذات وقت دخول العثمانيين إليها. لكنه اعتبر أن تلك المظاهر كانت في سبيلها للزوال تمامًا في ظل المسيحية، بعكس الدين العثماني الذي يؤصل وجودها ويحافظ عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد