إننا الآن في مدينة القدس، ندخل من جهة باب العامود، هذا الباب الذي شهد على حروب كثيرة ومواجهات عنيفة، ندخل الآن من باب العامود الذي أعاد بناءه السلطان سليمان القانوني، ندخل الآن من أجمل أبواب القدس الذي سُمي بباب العامود أو «باب دمشق»، نسبة إلى وجهةالمسافرين من خلاله باتجاه دمشق، كما سُمي «باب نابلس» لأنه أيضًا يسير باتجاه نابلس.

القدس تلك المدينة التي لطالما كانت أرض الأنبياء وحلم الشعراء، هنا يحلو التناقض، هنا بدأت رسالات الأنبياء، هنا القدس.

إن ترك بصمة في مدينة ما أو دولة ما حكمت منطقة ما مهم جدًّا لإثبات وجود حاكم هذه المدينة، ولا شك في أن الدولة العثمانية قد تركت أثرًا واضحًا وراسخًا في مدينة القدس القديمة خاصة وفلسطين عامة. ويمكنك التخيل معي أيها القارئ أننا الآن في مدينة القدس لنتعرف إلى آثار الدولة العثمانية في القدس. نرى الآن سورًا ضخمًا يحوط مدينة القدس القديمة، هذا السور الذي أمر بإعادة بنائه السلطان سليمان القانوني، وما زال هذا السور قائمًا حتى هذه اللحظة رغم تعرضه للرصاص والقذائف. ندخل الآن إلى سوق خان الزيت ونرى امرأة تبيع فجلًا وورق عنب، كما أننا نشم رائحة كنافة نابلسية رائحتها عطرية يصعب علي تشبيهها أو اقترانها برائحة شيء جميل. نرى في القدس الهلال بجانب الصليب ونرى أطفالًا يلعبون في كل مكان، في القدس طابع عثماني قديم ما زال موجودًا إلى اليوم نرى أشياء كثيرة في القدس. في القدس أناس صامدون رغم كل المعاناة والتهويد والظلم.

وعندما أستذكر مدينة القدس، تمر في مخيلتي رائعة تميم البرغوثي التي أدعوكم لقراءاتها، وهذه بعض الأبيات:

والقدس تعرف نفسها، اسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميع

فكلُّ شيء في المدينةِ ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ

في القدس يزدادُ الهلالُ تقوسًا مثلَ الجنينْ

في القدس أبنية.. حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآن.. في القدس تعريف الجمال مثمن الأضلاع..

أزرق.. فوقه.. يا دام عزك قبة ذهبية.. تبدو برأيي.. مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء ملخصًا فيها..

وفي القدس السماء تفرقت في الناس.. تحمينا ونحميها.. ونحملها على أكتافنا حملًا.. إذا جارت على أقمارها الأزمان…

بعد أن دخلنا من باب العامود الذي هو أكثر أبواب القدس زخرفةً، نمر على إحدى سبل الماء التي أمر ببنائها السلطان سليمان القانوني، كما أن هنالك أكثر من ستة عشر سبيل في مدينة القدس وحدها ما زالت حاضرة إلى يومنا هذا، ونرى على هذا السبيل هذه الكتابات «أمر بإنشاء هذ السبيل المبارك مولانا السلطان الملك الأعظم والخاقان المكرم، مالك رقاب الأمم، سلطان الروم والعرب والعجم عز الإسلام والمسلمين، ظل الله في العالمين حامي الحرمين الشريفين السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان. خلد الله ملكه وسلطانه وأدام عدله وإحسانه بتاريخ ثاني وعشرين شهر رجب المرجب من شهور سنة ثلاثة وأربعين وتسعمائة».

كما أنشئ في عهد السلطان سليمان القانوني – أكثر حاكم اهتم بمدينة القدس – بمشروع يسمى «بِرَك سليمان» التي أنشئت في مدينة بيت لحم وتصل إلى مدينة القدس، التي استفاد منها سكان بيت المقدس بشكل كبير والآن برك سليمان أصبحت معلمًا سياحيًّا كما أن هنالك حديقة بالقرب منها.

نمشي الآن بين حواري القدس الضيقة ونقترب من قبة الصخرة الذي هو أقدم بناء عريق للمسلمين ونستذكر جهود الدولة العثمانية في ترميم هذه القبة العظيمة. نرى الآن طبقة زرقاء على مسجد قبة الصخرة اسمه البلاط القشاني. وضع البلاط القشاني كان أول عملٍ للسلطان سليمان، كما أنه وضع سورة (يس) قلب القرآن على البلاط القشاني بالخط العثماني الأصيل. كما رمم السلطان المسجد القبليي،، وأرسل مهندسين ومعماريين بترميم المسجد القبلي والقبة والمحراب، وأمر أيضًا بصنع ستة عشر شباكًا من الزجاج المذهَّب في رقبة قبة الصخرة. وجهود هذا السلطان كثيرة في القدس وحدها، فقد بكى في المسجد الأقصى بكاءً شديدًا عندما صلى فيه، كان ذلك قبيل دخوله مصر، وقد عُرف عن العثمانيين حبهم الشديد للمقدسات الإسلامية في كل مكان وتأثرهم بها.

نتحرك لمسافة قليلة، ونحن الآن بالقرب من محطة سكة الحديد، تلك التي بناها السلطان عبد الحميد، والتي تصل بين دمشق والمدينة المنورة، لنقل الحجاج، نرى الآن سكة حديد القدس – يافا. هذه السكة التي كانت تنقل الحجاج وسكان مدينة القدس لتسهيل المواصلات.

تعدد مشروعات الدولة العثمانية في القدس سواء كانت مساجد أم مدارس أم مكتبات أم سبل ماء.

وهذه بعض الأعمال خلال الحكم العثماني في مدينة القدس:

– محراب قبة النبي

– قلعة القدس

– الزاوية الأفغانية (النقشبندية)

– حمام السلطان

– المدرسة العثمانية

– المدرسة الرصاصية

– تكية خاصكي سلطان

– محراب علي باشا

– جامع المولوية

واستمر سلاطين الدولة العثمانية في إنشاء المشروعات والمساجد والمدارس والأسواق، حتى في أضعف الأوقات، ففي عهد السلطان عبد الحميد الثاني أنشئت المدارس الرشيدية والسكة الحديدية، كما أنشئ المستشفى البلدي عام 1891م. كما أنه جرى تجديد سبيل قايتباي الموجودة بين الصخرة المشرفة وباب القطانين. وما تزال أغلب هذه المنشآت والمشروعات موجودة إلى يومنا هذا، رغم الحرب الطاحنة ولم تقتصر الدولةالعثمانية بالتطوير في المجال الثقافي والديني فقط، بل كانت رادعًا قويًّا ساهم في تأخير الهجرة اليهودية والانتداب البريطاني.

في الختام أحب أن أنوه إلى شيء، وهو أن هذه المقالة القصيرة لم ولن تعطي حق المشروعات المعمارية والدينية في القدس، بل هذه الجهود التي تحدثنا عنها ما هي إلا غيض من فيض، وإني لم أكتب هذه المقالة إلا لأبين لكم بعض جهود وآثار العثمانيين الأتراك في القدس وفي فلسطين، ورحم الله سلالة آل عثمان المباركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد