مع بدايات القرن السادس عشر نشأت دولتان في منطقة الشرق الأوسط غيرتا ملامح المنطقة إلى يومنا هذا، الدولة العثمانية والدولة الصفوية. تتشابه نشأة كل منهما من حيث الظروف كافة، فقد نشأت كلتا الدولتين في أعقاب الصراعات والتوتر الناشئ وحالات الفوضى فيما يعرف باسم أقاليم الأناضول والهضبة الإيرانية.

بدأت الإمبراطورية العثمانية، كما غيرها من الدويلات والدول التركية التي حاولت البقاء، بمحي أي أثر لأي شائعات أو تهديدات بقيام دولة أخرى تنافسها وتحل محلها. يرجع تاريخ التأسيس إلى السلطان الغازي الملقب بأبي الملوك عثمان الأول المعروف بـ«القائد السياسي» إذا ما تتبعنا رواية «ويكيبيديا».

في القرن الثالث عشر وأثناء نوم عثمان، حلم حلمًا اهتز له، فذهب إلى واعظه ليخبره بتفسيره. كان الحلم عبارة عن تبشير للسلطان المؤسس بأنه وأسرته ونسله سوف يحكمون العالم في المستقبل، إذ إن عثمان كان قد تعلق قلبه بفتاة تدعى مال خاتون فرغب أن يتزوجها، ولكن والدها الشيخ رفض أن يزوجها له، فحزن عثمان لذلك ولم يرغب في الزواج بغيرها حتى وافق أبوها الشيخ؛ وذلك بعد أن قص عليه عثمان مناما رآه ذات ليلة.

جاءت رواية الحلم كالتالي: رأى عثمان القمر صعد من صدر رجل صالح وصار بدرًا، ثم نزل في صدر عثمان ثم خرجت من صلب عثمان شجرة نمت في الحال حتى غطت الأجواء بظلها عبر جبال القوقاز والبلقان وطوروس (غرب تركيا الآن) وأطلس، وخرج من جزعها أنهار دجلة، والفرات، والنيل، والدانوب (في البلقان بشرق أوروبا الآن)، ورأى ورق هذه الشجرة كالسيوف، تحولها الريح نحو مدينة القسطنطينية، فتفاءل الشيخ من هذا المنام وزوّج ابنته عثمان بن أرطغرل.

بعد أن انتهى العثمانيون من الإمبراطورية البيزنطية عبر غزو القسطنطينية، وخلال السبعين سنة التالية عززوا من موقفهم في الأناضول والبلقان. في غضون ذلك ظهر تهديد للسلطة العثمانية في الشرق.

خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر قدمت فرقة من الرعاة الأتراك الذين عاشوا في شمال بلاد فارس، ولاءهم لشخصية أسطورية أخرى، صافي الدين، الذي سميت بعدها السلالة الصفوية باسمه.

صافي الدين كان زعيم واحدة من الحركات الإسلامية الشعبية. تميز أتباع صافي الدين برأسهم الأحمر المميز، ونتيجة لذلك أطلق عليهم العثمانيون اسم «القزلباش» بالتركية (ذي الرأس الأحمر).

انتشر «القزلباش» في جميع أنحاء شرق الأناضول وشمال فارس. وبحلول عام 1501، دخل الزعيم الصفوي إسماعيل، الذي ادعى أنه التابع الرسمي لصافي الدين، مدينة تبريز الشمالية الفارسية وأعلن نفسه شاه. وخلال 10 سنوات كانت كل بلاد فارس تحت سيطرة الزعيم إسماعيل.

بعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن الشاه إسماعيل أن الشيعية هي المذهب الرسمي واستورد علماء الدين الشيعة من لبنان وجزيرة البحرين في الخليج الفارسي لنشر العقائد الشيعية. وهنا تأتي أول الاختلافات بعد التباين الواضح بين الدولتين، فقد كان مذهب الدولة العثمانية هو الإسلام السني.

الحاجة الملحة لتأمين الاستقرار في الدول العسكرية بعد النجاح الكبير الذي تم تحقيقه على الصعيد العسكري والاقتصادي جعلت من كل من الدولتين العثمانية والصفوية يلجآن إلى استخدام تقنيات جديدة واستحداث أساليب الدفاع بما يتناسب مع موقعهم.

كانت تلك التقنيات ترتكز على استخدام الأسلحة المتطورة والمدافع والبارود، وعلى إثر ذلك سميت الامبراطوريات الثلاث العثمانية والصفوية والمغولية باسم إمبراطوريات البارود. مع استخدام تقنية البارود أصبحت كل دولة قادرة على حماية حدودها من النهب والغزو، إخضاع القبائل الأقل تطورًا، بناء بيروقراطيات مستقرة، وتمكنوا من توفير الأمن لعمليات الزراعة التي كانت رئيسة، حيث إن جميع إيرادات الدولة تقريبًا مستمدة من الزراعة.

تم اختيار الزراعة والأراضي الزراعية كعائدات أساسية إلى جانب موارد أخرى يستفيد منها كل من الدولتين مصدرًا لجني الضرائب. كان أحد النظم المتبعة لجني الضرائب من الأراضي التي يعود كلها إلى الدولة يسمى بنظام «التيمار»، وهو نظام حول كيفية توزيع الأرض والحق في استخدام تلك الأرض، والحق في تحصيل الضرائب من تلك الأرض عن طريق إرسال محافظ لجمع الضرائب من الأراضي التي أعطيت لمزارعين بهدف العمل بها وتحصيل الضرائب منها. نفس نظام جني الضرائب كان موجودًا لدى الدولة الصفوية، ولكن تحت اسم «التيول».

أثناء الحرب كان كل من السلطان والشاه قائدي حرب. بمعنى أنهما كانا رؤساء نظام في وقت السلم، لكن في وقت الحرب ينزل كل منهم إلى ساحة المعركة ويتقدم جيشه.

تم تقسيم الشعب في ظل حكم السلطان والشاه إلى فئتين: عسكرية وغير عسكرية. حيث اتبع السلطان العثماني نظام «devshirme» و«janisharen» بالنرويجية. فكان يستقدم أبناء المسيحيين في سن صغير ويربيهم ويعلمهم التعليم الإسلامي، ثم يقسمهم إلى قسمين: من حيث الكفاءة العقلية، ومن حيث الكفاءة الجسدية والقوة البدنية. فكان الـ«janisharen» هم جيش السلطان المخلص الأهم في القسطنطينية والبلقان، الذي أبدى ولاءه في كل معركة يخوضها إلى جانب سلطانه.

عملية مماثلة في الإمبراطورية الصفوية حدثت حين استقدم الشاه عباس عبيدًا من القوقاز، من الجورجيون والأرمن والشركس والشركاء. وفي عام واحد كان لديه 130 ألف جورجي في بلاد فارس، كان يسمي هؤلاء العبيد بالغلمان، ولم يستخدم الشاه عباس هؤلاء العبيد في البيروقراطية والأسرة المالكة فحسب، بل جعلهم جيشًا دائمًا مكونًا من 40 ألف رجل مجهزين بالأسلحة النارية.

على صعيد آخر كان القانون في الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية مستمدًا من مزيج من الشريعة الإسلامية والسلالة الحاكمة. هذا يقودنا إلى جانب مهم من كلتا الإمبراطوريتين: دور الدين.

استخدمت كل من الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية الدين لإضفاء الشرعية على حكمهما. في الدولة العثمانية، كان الإسلام السني. في الدولة الصفوية، كان الإسلام الشيعي كما ذكرنا.

لم يكن استخدام الدين بهذه الطريقة غريبًا أو مميزًا بالنسبة للعالم الإسلامي، ففي كتاب «تاريخ الشرق الأوسط الحديث»، للكاتب جيمس جيلفن، يقول: «لقد أنشأ هنري الثامن من إنجلترا – على سبيل المثال – كنيسته الخاصة (التي ترأسها معظم ملوك وملكات إنجلترا منذ ذلك الحين)، وادعى الملوك الأوروبيون الآخرون أنهم كان لهم الحق الإلهي في الحكم. أما في أوائل العالم الحديث، استخدمت السلالات في جميع أنحاء أوراسيا الدين لإضفاء الشرعية على حكمهم بإحدى طريقتين، في بعض الأحيان، قدمت السلالات الحاكمة نفسها حماة للدين؛ إذ أكد السلاطين العثمانيين أحيانًا دورهم كخليفة، وشاركوا في الشعائر الدينية، وسعوا إلى فرض الشرعية بصفتهم حماة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وعينوا قضاة في المحاكم الإسلامية، ورعوا الأوقاف الدينية.

على سبيل المثال حاول سليمان العظيم إظهار دينه من خلال إعادة بناء وتجديد القدس، ثالث أقدس مدينة في الإسلام. لقد قام بإعادة بناء أسوار المدينة (الموجودة حتى يومنا هذا) وقام ببناء قنوات المياه والنافورات والمستشفيات والمدارس هناك.

وبالمثل ادعى الصفويون أنهم حماة الإسلام الشيعي. في بعض الحالات، ذهبوا أبعد من ذلك: لقد حاولوا دمج أنفسهم في السرد الشيعي للتاريخ. على سبيل المثال، في أوقات مختلفة، وفقًا لمصادر مختلفة، مثّل الشاه إسماعيل، الذي عرّف عن نفسه على أنه من نسل الإمام علي، أو ممثلًا للإمام الخفي.

وهكذا فقد تباينت الدولتان واختلفتا في كثير من النقاط الفاصلة التي مكنت كل منهما من السيطرة على الحكم في منطقتهما، إذ حكمت الدولة العثمانية ما يقارب 600 عام وحكمت الدولة الصفوية لما يقارب 200 عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد