رغم كونها دولة دينية لكنها جعلت من «نظام الملل Millet System» الركيزة الرئيسة للتعامل مع غير المسلمين، الذي ارتكز على أساس المذهب الديني (الملة)،(1) فباتت كل ملة لها كيان ذاتيّ خاص بها، وبطبيعة الحال كان اليهود من بينهم، وهنا لابد من الإشارة إلى أن نظام الملل الذي شكل أحد خصائص الدولة العلية قابله محاكم التفتيش الإسبانية Inquisition التي شكلت فصلًا من فصول التطور الاجتماعي والديني في إسبانيا وفق رؤية هنري كامن H. Kamen مؤلف كتاب «محاكم التفتيش الإسبانية»، وذلك في ظل حكم فرديناند Fernando وإيزابيلا Isabella (الملكان الكاثوليكيان).

                                                                       الملك فرديناند الثاني

                                                                    الملكة إيزابيلا الأولى

  ففي عام 1492 سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، حيث واجهه مسلموها كافة أشكال الاضطهاد الديني والإبادة لكننا نخص الحديث عن اليهود والتعامل العثماني معهم. ففي عام 1492 (2) صدر أمر ملكي بمغادرة رافضي اعتناق الكاثوليكية لإسبانيا خلال 4 أشهر؛ إذ تم طرد أكثر من ثلاثمائة ألف يهودي من إسبانيا، وسرعان ما لحقت بها البرتغال عام 1497 حيث أمر ملك البرتغال بمغادرة اليهود لبلاده على أن يُترك أبناؤهم الذين تقل أعمارهم عن أربعة عشر عامًا؛ لكي تتم تنشئتهم على المسيحية الكاثوليكية.

                                                                        محاكم التفتيش الإسبانية

 وإزاء حالة القمع والاضطهاد الديني لم يتردد حاخامات اليهود في التواصل مع السلطان مراد الثاني (1421- 1451م)؛ للسماح لهم بالهجرة إلى الدولة العلية، وهو ما استجاب له السلطان دون قيد أو شرط؛ فكانت الهجرة إلى الدولة العثمانية، وقد (3) وصفت بعض المصادر التاريخية السلطان مراد بـ(الرجل الإنساني الكبير) لتعامله الإسلامي والإنساني مع اليهود، كما كان لخيرالدين برباروس (1470- 1546) القائد والمجاهد الذي نجح في تحويل البحر المتوسط إلى بحيرة عثمانية (4) دورًا في نجدة يهود إسبانيا ونقلهم إلى أراضي الدولة العلية.

                                                                           خير الدين بارباروس

وهنا لابد من التوقف قليلًا؛ هكذا تعاملت الدولة الدينية العثمانية مع أصحاب الملل ونتحدث هنا عن «اليهود»؛ لم تقتل ولم تحرق ولم تُجبر أحدًا على اعتناق الإسلام، فالتسامح والعدل هما حجر الزاوية في التعامل مع الرعايا غير المسلمين، فقد تحدث الكاتب نامق كمال «عندما أخذ الإسبان غرناطة أحرقوا الشعب بالنار لإجبارهم على تبديل دينهم. وعندما أخذنا نحن إسطنبول منحنا الحرية الكاملة لسالك كل مذهب في ممارسة شعائره الخاصة».

استقر قسم من اليهود اللاجئين في جزيرة ساقز بالبحر المتوسط، وبعد فتح جزيرة رودس عام 1522 انتقلوا إليها حيث مُنحوا امتياز معدن الكبريت، كما قدمت الدولة العلية المساعدة لجماعات من اليهود خلال فتح حصن شوكزيم (خلال إتمام فتح بلاد المجر 1674)، فقد بدا عليهم الفقر والبؤس، لذا وفرت لهم سفينة لكي تقلهم إلى إسطنبول، كما أرسل جانبًا منهم إلى المدن الكبرى كالقسطنطينية وأدرنه وسلانيك (مركز يهود الدونمة) إلى جانب أزمير.

اندمج اليهود في الدولة العثمانية حيث تغلغلوا في المرافق الصناعية والتجارية، كما أصبح لهم تسلسل هرميّ، كما تولى رئيس الحاخاميين Chachm Bashi ممارسة السلطة في الشؤون الدينية والحقوق المدنية، حيث تحولت المراسيم والقرارات التي كان يُصدق عليها من قِبل الحكومة إلى قانونٍ يخص اليهود، كما تولى تحديد الضرائب للطائفة اليهودية، إلى جانب المصادقة على اختيار الرؤساء المحليين المُنتخبين من قِبل الملة المحلية، فقد كانوا يتقلدون مناصبهم بموجب فرمان سلطاني، كما تمتعوا باستقلال ذاتي في المجالات الدينية والإدارية وكذلك النواحي التشريعية (كالزواج، الطلاق، الوصية،…)، حيث كانت الأحكام التي تصدرها الملة تُنفذها الدولة؛ وبالتالي فقد وجد اليهود السلم والأمن والعدالة في الدولة العلية.

لكن يبقى السؤال هل حفظ اليهود الجميل للدولة العلية وسلاطينها (المسلمين)، فاكتفوا بما حصلوا عليه أم تحولوا لأداة تغلغل داخل الكيان الإمبراطوري لهدمه وتقسيمه؟

لقد تطورت تطلعات اليهود مستغلين سماحة الإسلام وعدالته التي تمتعوا بها داخل الكيان الإمبراطوري العثماني؛ فأصبح الهدف هو القصر السلطاني، وهنا يقع على عاتق سلاطين الدولة العلية جزء من المسؤولية، فقد تعاملوا مع اليهود كفئة مُضطهدة من الشعوب الأوروبية، لكن لم يكونوا على دراية حقيقية بواقع الشخصية اليهودية، فالتكتل في مراكز وأحياء محددة (الجيتو)، إلى جانب عدم الاندماج في المجتمعات التي تواجدوا فيها من أهم سماتهم. تبنِّي سياسة الإفساد وفرض السيطرة اليهودية على الشعوب الأخرى، فقد فسر أحد الحاخامات في إسبانيا الفلسفة اليونانية بأنها قطعة متكاملة من الشريعة اليهودية، في محاولة لنشر أحكام التوراة والسيطرة على الآخر؛ وفي ظل ما تمتعوا به من عدل داخل الدولة العلية، لم تكن بمنأى عن مساعي السيطرة عليها بل والتخلص من بعض سلاطينها، فقد لعب اليهود ويهود الدونمة تحديدًا دورًا هامًا في تاريخ الدولة العلية لا سيما خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني، خاصة عندما نتحدث عن دورهم في العلاقات بين الدولة العثمانية وأوروبا، إذ كانوا أداة لتنفيذ ما تسعى له أوروبا تجاه الدولة العلية وذلك سواء كان في مراحل قوتها وازدهارها أو في مراحل ضعفها.

فمنذ بزوغ نجم الإمبراطورية العثمانية وكانت أوروبا تنظر إليها ولفتوحاتها في أوروبا كفتوحات إسلامية؛ فباسم الإسلام كان فتح القسطنطينية 1453، وباسم الإسلام مضى السلطان محمد الفاتح (محمد أبو الفتوح) للزحف نحو روما لتوحيد شقي الإمبراطورية البيزنطية حيث استطاعت القوات العثمانية الوصول إلى أوترانتو في مملكة نابولي عام 1480 والتي سقطت بعد حصار دام أربعة عشر يومًا، وقد رمى السلطان إلى الاستيلاء على نابولي واتخاذها قاعدة للزحف نحو روما، وأقسم ليقدم الطعام إلى
حصانه عند مذبح كنيسة روما، وفي ظل تلك الأجواء تواصل الأوروبيون مع يعقوب باشا من يهود البنادقة الذي أخفى اليهودية وهو طبيب الفاتح، إذ قام بتسميمه مقابل 100 ألف دوق من الذهب وهو من يهود الدونمة إذ توفي عام 1481 مسمومًا بالعاكور  (سم شديد المفعول)، نجح البنادقة بعد فشل خمسة عشر محاولة لاغتيال الفاتح. قُتل يعقوب على يد الحراس، ولم يستطع أن يتسلم مكافأته.

 

                                                            مدفن السلطان محمد الفاتح في إسطنبول

هذا وقد حملت الرسالة التي حملت نبأ وفاة الفاتح للسفارة البندقية عبارة «مات النسر الكبير».

 هكذا كانت البداية حيث يقول أوسكار ليفي «نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه. ومحركي الفتن فيه وجلاديه»، لكن النهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عمر عبد العزيز عمر، تاريخ الشعوب الإسلامية في العصر الحديث، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2009)، ص 48-49.
يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ت. عدنان سلمان، (استانبول : منشورات مؤسسة فيصل، 1990)، ج1، ص 194- 196.
أحمد نوري النعيمي، الدور السياسي ليهود الدونمة في تركيا، (مكتبة الإسكندرية، 2008).
أحمدنوري النعيمي، الدولة العثمانية واليهود، (مكتبة الاسكندرية، 2006).
عرض التعليقات
تحميل المزيد