دخلت خيول المغول عاصمة المسلمين بغداد، معلنة بذلك كسر خلافة المسلمين وقتل خليفتهم العباسي، وعاثوا في الأرض فسادًا، قتلًا وحرقًا لكل رمز حضاري، وقلوب المؤمنين واجفة، هل هذه هي القيامة؟ هل هؤلاء الجحافل هم يأجوج ومأجوج؟ هل انتهت دولة الإسلام على أيدي هؤلاء المتوحشين؟ هل لبشر أن يوقف مد هؤلاء المغول؟ لكن في نفس اليوم الذي قُتِلَ فيه الخليفة العباسي المستعصم بالله، ولد طفل في الأناضول من نفس عرقية المغول أو العرق الأصفر، كان مستدير الوجه، أبيض البشرة، كستنائي الحاجبين، عريض المنكبين، اسمه عثمان، كان قوي الجسد، طويل القامة، تصل يداه إلى ركبتيه عند وقوفه، وُلِدَ في نفس يوم وفاة آخر خليفة عباسي حقيقي – فقد صارت الخلافة العباسية صورية وقت حكم المماليك حتى قيام الخلافة العثمانية على يد السلطان سليم الأول 923 هـ – وكأنّ الأقدار قد كتبت علوًا جديدًا للمسلمين في نفس اليوم الذي ظن البعض أنها النهاية، لكن هكذا قد جرت سنة الله، (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (محمد ٣٨))، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( المائدة 54)) فاستبدل الله بقوم من العرب باعوا دينهم وبلادهم رخيصة لهولاكو وتقربوا إليه بالهدايا طلبًا لموادعته، قومًا من العجم أشداء يرفعون راية الجهاد والفتوحات بعد انطفائها عدة قرون.

وكانت علامات الصلاح تظهر على هذا الفتى القوي الإيمان والبنيان، وقد كان دائم الحضور إلى تكيّة شيخه «إده بالي»، وفي ذات مرة رأى ابنته فرغب بالزواج منها لكن رفض الشيخ أول الأمر ثم قَبِلَ بعد أن قص عليه عثمان رؤية عجيبة رآها ذات يوم، وكانت الرؤية (أنه رأى القمر صعد من صدر شيخه هلالًا ثم صار بدرًا ثم نزل في صدر عثمان، فخرجت من صُلبِ عثمان شجرة نمت في الحال حتى غطت العالم بظلها عبر جبال القوقاز والبلقان وطوروس وأطلس، وخرجت من جزعها أنهار دجلة والفرات والنيل والدانوب، ثم رأى ورق هذه الشجرة كالسيوف تحولها الريح نحو القسطنطينية عاصمة بيزنطة، وتحت الأغصان وقف صبيان نصارى شُقر ينشدون الشهادة ويتبعها عهد السلطان)، فلما سمع الشيخ هذه الرؤية بشّر عثمان بأن ذريته سوف يحكمون العالم، وقد كتب الله لهم ذلك بالفعل واستمر حكمهم لمدة ستة قرون (1299م – 1923م).

لقد كانت الدولة العثمانية من أعظم الدول في تاريخنا الإسلامي، وذلك لعدة نقاط منها:

أولًا: أن الدولة لم تقم على مبدأ طلب الملك بل قامت على الجهاد والغزوات، وكانوا يرون أن هذا هو أعلى شرف يسعى إليه قادتهم، حتى إن سلاطينهم كان يطلق عليهم لقب «غازي» أي مجاهد، أي أنه هو أرفع وأسمى وأعلى ألقاب الدولة، مثل عثمان غازي وأورخان غازي، بل إن عثمان تولى قيادة القبائل التركمانية بعد أبيه أرطغرل دونًا عن أخويه الأكبر سنًا وذلك ليس إلا لقوته وشدة بأسه فكان أهلًا لقيادة الجهاد وللغزوات.

ثانيًا: أن الدولة توسعت خارج أراضي المسلمين وداخل أرض أعدائهم، فما كان سعيهم من أجل طمع في دنيا زائلة، بل كان سعيهم للفتوحات ولمواجهة إمبراطورية الروم الظالمة المتجبرة، وهذا على عكس الدول الأخرى كالأموية والعباسية اللتين قامتا بإزالة الدول السابقة لهما كي تقوما على أنقاضهما.

ثالثًا: أن الدولة لم تتحول إلى خلافة بسبب عصبية استأثروا بها دون المسلمين، ليس بأفضليتهم على المسلمين بنسب وجاه كان لهم في قريش حتى من قبل الإسلام كالدولة الأموية، ولم تقم بسبب نسب أو قرابة من رسول الله ﷺ كالدولة العباسية، بل تحولت لخلافة بعد أن أثبتت أحقيتها بها بحديث رسول الله الذي ذكره في الأمير والجيش الذي يفتح القسطنطينية، فما أن فُتحت حتى صار معهم حجة وبرهان أمام العالم الإسلامي كله بأن العثمانيين هم أهل لهذه القيادة بقيامهم بما عجز عليه من قبلهم وبنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشهم الفاتح.

رابعًا: أن الدولة حين كبرت وأرادت أن تُقوّي جيشها عمدت إلى فكرة عبقرية وهي تجنيد أبناء النصارى وإدخالهم في الإسلام وتعليمهم أفضل تعليم وإعطاؤهم أفضل تدريب حتى صاروا قادة وغزاة وأصحاب الدولة، فاشتملت الفكرة على الجهاد والدعوة، والعنصر الثالث والذي لا يقل أهمية عن هذين العنصرين هو أن تضرب أعداءك بأبنائهم وفلذات أكبادهم، فقد كان هذا الجيش الذي عُرف بـ«الإنكشارية» هو رأس الحربة في المعارك مع البيزنطيين، وما أصعب أن يجد الروم البيزنطيون أنفسهم أمام أبنائهم إما يقتلونهم بأيديهم وإما ينهزمون أمامهم فيخسرون أرواحهم أو على الأقل دولتهم.

خامسًا: أن الخلافة العثمانية هي الخلافة الوحيدة في التاريخ الإسلامي التي ساد فيها العجم على العرب، فكان خلفاء المسلمين من العجم، فكانت شاهدًا ودليلًا على عظمة هذا الدين الذي لم ينتصر لقومية على حساب أخرى، ولا لعنصرية، فقد كان الترك (وهم من أولاد يافث بن نوح) جنودًا للعباسيين وارتضوا بسيادة العرب عليهم، ثم حين ضعف العرب سادوا هم وكان العرب جنودًا لهم، يتبعون خليفة أعجميًا تركيًا، ولا يرون غضاضة في ذلك.

لقد قامت دولة آل عثمان لله، للدعوة وللجهاد في سبيله، وإن وصية عثمان لابنه وولي عهده أورخان تلخص هذا الواقع في عدة سطور:

(يا بني إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين، وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلًا. ولا يغرك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة. يا بني: إنك تعلم أن غايتنا هي إرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضاة الله جل جلاله. يا بني: لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة الحكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا ونموت، وهذا يا ولدي ما أنت له أهل. اعلم يا بني، أن نشر الإسلام، وهداية الناس إليه، وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله عز وجل عنها. واعلم أن طريقنا الوحيد في هذه الدنيا هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا. أبنائي وأصدقائي، أديموا علو الدين الإسلامي الجليل بإدامة الجهاد في سبيل الله. امسكوا راية الإسلام الشريفة في الأعلى بأكمل جهاد. اخدموا الإسلام دائمًا، لأن الله عز وجل قد وظف عبدًا ضعيفًا مثلي لفتح البلدان، اذهبوا بكلمة التوحيد إلى أقصى البلدان بجهادكم في سبيل الله ومن انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الأعظم يوم المحشر. يا بني: ليس في الدنيا أحد لا يخضع رقبته للموت، وقد اقترب أجلي بأمر الله جل جلاله أسلمك هذه الدولة وأستودعك المولى عز وجل، اعدل في جميع شؤونك…).

لقد لخصت هذه الوصية الغاية والنهج الذي اتخذه عثمان والعثمانيون الأوائل، أما الغاية فهي التوحيد وإرضاء الله ونشر الدعوة، وأما النهج فهو الإخلاص والجهاد والشورى والعدل واتباع العلماء والتواضع، وإن هكذا تقوم الدول وهكذا تقوم خلافة الله في الأرض، من يمتثل لهذه الغاية ويتبع ذلك النهج فهو أهل للاستخلاف، سواء كان من العرب أو العجم، ولقد ظلت الدولة العثمانية  (إلى بعد أن صارت خلافة) في صعود طالما صاروا على هذا النهج، فلما بدلوا بدأت مرحلة الركود ثم مرحلة الضعف والانهيار، وهكذا هي سنة الله في الدول، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر 43).

رحم الله العثمانيين، ووحد صفوف هذه الأمة على أتقى قلب رجل منهم، من العرب أو العجم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد