#إلى_مجهول

بعد مرور السنين سيذكّرنا مارك – ربّما – بهذه الكلمات وحتى وإن لم يفعل فالزمن كفيلٌ بذلك.
لقد عايشنا فترة حالكة الظُلمة ببن فكّي آلة قمعية رهيبة امتدّت على فتريتن متلاحقتين أولاهما في عهد بورقيبي والثانية زمن المخلوع زين الهاربين.

لم يُخلّصنا من براثن هاتين الفترتين سوى إرادة شعبيّة وهبّة جماعية بعد إرادة المولى عزّ وجلّ. يوم وصل منسوب الوعي الشعبي عندنا ذروته فخرجنا متناسين اختلافاتنا وانتماءاتنا في هبة رجل واحد لنصرخ بصوتٍ واحد لا للظلم لا للقمع فاتحين نافذة الأمل وأبواب الحريّة على مصراعيها.
اليوم بلادنا عادت لتعيش وضعًا تعيسًا يمثّل منعطفًا حاسمًا ومسمارًا جديدًا في نعش المسار الثوري عسير الولادة، لقد وصلنا لمرحلة أن الثورة المضادّة وقفت لنا بارزة أنيابها بوجه مكشوف لتقول ها ذا أنا فواجهوني! نعم لقد وصلنا لهذه المرحلة، لكن لسائل أن يسأل ما السبب ومن المسؤول؟

التنازلات الكبيرة الحاصلة ودخول من كنّا نعتقد أنهم قادرون على حماية وضمان وصول سفينة الحرية والديمقراطية لبر الأمان عجّلت بتفاقم الحالة المرضية.

لقد مرّ قانون المصالحة بعد أن تم حبك خيوط مسرحية قذرة من إخراج حزب نداء تونس بالاشتراك مع حركة النهضة لتقسمه إلى مصالحة إدارية وأخرى مالية اقتصادية، حيث يقضي هذا القانون بالعفو عن الإداريين الفاسدين الذين سهّلوا لبن علي وزبانيته سرقة خيرات البلاد والعباد. كما سيمر قانون المصالحة المالية القاضي بالعفو عن ناهبي المال العام المقدّر بآلاف المليارات من الدينارات ولن يجني المساكين والمتضررون حتى اعتذارًا ينسيهم مرارة الخيبات المتتالية لنجد أنفسنا مجددًا في مربّع ما قبل يناير 2011.

الموضوع صار صراعًا واضحًا كما سبق وقلنا بين الثورة – المتمثلة في مجموعة قليلة لا قوة لها للتصدي للماكينة الإعلامية المدعومة بسخاء كبير – وبين الثورة المضادة التي تُهرسل كل من يقف أمام مشاريعها ومخططاتها الشيطانية. اليوم نحن مطالبون بالوقوف بحزم أمام هذه العصابة، فنحن أمام مرحلة مفصلية سيكون كل منا مسؤولًا أمام الله وأمام نفسه فإما الآن وإما فلا. فلطالما كانت القوانين الظالمة والجائرة التي تخرُجُ من جحور رُعاة الثورة المضادة وسيلة لا هدفًا، مثلًا عندما خرج الرئيس التونسي بمبادرة المساواة في الميراث كان هدفه تحويل وجهة الرأي العام ذي الأغلبية المسلمة وتخفيف الضغط الشعبي المطالب بإسقاط قانون المصالحة الرّامي إلى العفو عن المفسدين والمخربين طيلة العهدين السابقين.

رغم الخذلان غير المتوقّع من واحد من أكبر الأحزاب التي راهن عليها الشباب في بلوغ النور بآخر النفق المظلم فحزب كحركة النهضة لم يكن أكبر المتشائمين يتوقّع اصطفافه جنبًا لجنب مع قوى الرجعيّة والغطرسة كان أشد حرصًا منها على تمرير القانون المشؤوم تاركًا كل المتابعين للشـأن العام في حيرة من أمرهم مرجحًا صحّة الإشاعات التي راجت عن صفقة سياسية قذرة بينها وبين شركائها في الحكم. فكما أسلفنا القول رغم هذا الخذلان لا يزال الحماس يسيطر على الشباب وأصحاب النفس الثوري وكلهم أمل ببلوغ ما عاهدوا الله وأنفسهم عليه يومًا ألا وهو وطن يطيب فيه العيش تملؤه المساواة والعدل.

المطلوب من كل القوى الديمقراطية الالتفاف الآن لحماية ما تبقى من مكتسبات الثورة المباركة والتصدي لقوانين مماثلة قد تعصف ببلد كامل حيث إنه لا مفرّ اليوم لنا إن كنا نبتغي بناء دولة قوية متماسكة قوامها العدل والديمقراطية إلا بإزاحة قطاع الطرق عن طريقنا بالديمقراطية المطلوبة وبكل الوسائل الشرعيّة.

Commentaires
Ouday Hnoudi

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد