إنها قهوتنا، حانتنا، فندقنا، سمها ما شئت، لكنها ملك لنا كلنا مهما حاول أحدنا أن ينسبها إلى نفسه.

***

قصتنا طويلة، لا نعرف لها بداية، كان جدي يقول لنا دومًا إننا أقدم حانة في شارعنا، حكى لي قصصًا طويلة عن تاريخها، لكن والدي مات وأنا صغير في السن فلم أعد أتذكر معظم هذه القصص، لكن مLWا علق منها في رأسي أن حانتنا هذه مليئة بالخيرات وجيدة الطعام، لكنها لم تعد كذلك لا أدري لماذا؟!

***

منذ أن أبصرت نور الحياة في حانتنا، كان هناك حاكم لها، جرى العرف أن يحكم الحانة أقوى الحرس وأقدمهم، كان يحكمها حتى وفاته، ثم يحكمها الذي يليه من حرس الحانة، فقد اقتنعنا يومًا ما أن حرس الحانة هم الأقدر على حمايتها وإدارتها، فقد دافعوا عنها ضد الكثير من الحانات الأخرى التي كانت تسعى لسرقة طعامنا وكذلك ضد اللصوص الذين حاولوا المبيت بالقوة فيها، صحيح أنهم أخفقوا كثيرًا لكنهم انتصروا في النهاية.

***

نحن متشابهون داخل الحانة، نمتلك نفس الملامح مع البشرة الخمرية، نأكل نفس الطعام ونلبس نفس الملبس، ورغم أن مأكلنا ومشربنا مختلف وفق ما يملك كل منا من مال، إلا إنني أتذكر كثيرًا كيف كنا نتشارك طعامنا من وقت لآخر.

***

لماذا أصبحت أرى اختلافًا داخل الحانة!؟ قد تكون الملامح متشابهة ولكنها مختلفة، الملبس مختلف المأكل مختلف، حتى أسلوب الكلام بات مختلفًا، من يملك لا يعطي من لا يملك، وأصبح من يملك يتحصل على نصيب أكبر من الطعام دونًا عن الآخرين!

أما الأعجب فهو أن حرس الحانة يشاهد ما يحدث ولا يحرك ساكنًا؟!

***

يومًا بعد يوم، أخذت حصتنا من الطعام تقل، الماء الذي نشربه لم يعد نظيفًا كما كان سابقًا، أثاث حانتنا أصبح سيئًا ومتهالكًا، لا أحد يعلم لماذا، ظننا أنها فترة سيئة وستمضي، ذات ليلة وأنا ذاهب للحمام والجميع نيام، لمحت شجارًا بصوت خافت، تسللت لأرى ما يحدث، فوجدت ظل أحد حراس الحانة يتفق مع أحد أثريائها على الاستيلاء على جزء كبير من طعامنا، ذهبت وأخبرت والدي، فزجرني وحذرني من البوح بما سمعت كي لا يصيبني ما أصاب عم حسن.

***

عم حسن كان رجلًا متوسط الحال، طيب القلب، يحب الجميع والجميع يحبونه، اعترض ذات مرة على عدم تنظيم الأمور داخل الحانة، وبات يحرض الجميع على الاعتراض، فقام الحرس بضربه وإبعاده إلى حانة مجاورة، لكنه لم يتوقف يومًا عن محاولة العودة لحانتنا، فكان يضرب بقوة في كل مرة واصفين إياه بالمجنون. كنا نسمع صراخه في بعض الليالي خارج الحانة قائلًا:

“الحرس للحماية، لا للحكم والجباية”. لم أفهم كلماته، ولم ألقِ لها بالًا وقتها.

***

لماذا زادت ملامح الناس عبوسًا، حقيقة لا أدري!
لماذا ازدادت ملامح الناس اختلافًا، حقيقة لا أدري!

***

كان والدي يقول لي قديمًا عندما كنت أطارد القط: إياك أن تحشر القط في زاوية الحانة، فلو لم يجد ملجأ لهاجمك، اترك لها سبيلًا للهرب.

لكنهم لم يتركوا لنا سبيلًا للهرب، ثار الناس داخل الحانة، وطالبوا بحارس جديد عليها، كان الناس يهتفون بصوت واحد: حارس جديد، خبز جديد، طعام نظيف.

تطور الأمر وجاء الحرس وطالبونا بالسكوت والعودة إلى غرفنا، رفضنا، فبدأت المعركة، جرح الكثيرين منا، ولكننا لم نستسلم، نظرت بطرف عيني إذ بمجموعة تفضل الجلوس على الكراسي وتتابع ما يحدث عن بعد! لماذا لا يشاركونا ثورتنا؟ حتى إن ملبسهم أسوأ من ملبسنا!

على الناحية الأخرى وجدت أناسًا طيبي الملبس يعاونون الحرس في مهمتهم ويمنحوهم الماء والطعام والهراوات للبطش بنا! لماذا يفعلون ذلك؟!

فهمت الإجابة عندما تعرفت على هوية أحدهم، لقد كان هو الشخص الذي يقف مع أحد الحرس يتقاسم معه طعامنا.

***

انتهت المعركة دون وجود منتصر، أصاب جميعنا الإعياء، حتى الحرس أنفسهم، وبتنا في حيرة من أمرنا، فلن نستطيع العودة إلى غرفنا خوفًا من أن يبطش الحراس بنا، كذلك لا نملك القوة الكافية للسيطرة على الموقف، أما الأسوأ فهو أننا لا نمتلك خطة!

انتظرنا حتى جاء عم حسن، فرح الجميع بلقائه، لكن الحرس لم يفرحوا ولكنهم لم يمنعوه من الدخول إلى الحانة بعد طول غياب.

***

اقترح عم حسن اقتراحًا لاقى قبولًا واسعًا، وقبله كذلك الحرس مرغمين. يعود الحرس إلى الحراسة ونختار نحن حاكمًا جديدًا من بيننا، فوافقنا، لكن الحرس قالوا لنا: كيف تختارون حاكمًا جديدًا دون أن تتفقوا على نظام الحانة الجديد. ساد الصمت على الجميع، وباتت التساؤلات تطرح، حتى عم حسن نفسه لم يجد جوابًا، وبدأ الناس يختلفون.

***

لم تتشابه ملامحنا كما كنا، ولم نكن نتوقع ذلك، ولكن الجديد أننا لم نعد نجلس سوية، لقد أصبحنا نجلس في حلقات متفرقة.

***

الحلقة الأولى كان يجلس فيها مجموعة من الرجال اقترحوا أن نفتح حانتنا على الحانات المجاورة، وأن نمنع تقديم الخمور وأن نكتفي باللبن، ورفعوا شعار “اللبن هو الحل”.

لا أدري ما علاقة مشاكلنا باللبن!

***
الحلقة الثانية كانوا يرغبون في السير على خطى الاجداد، كانوا يرفضون وضع البهارات على الطعام، وكانوا يطالبونا بالنهوض مبكرا مع نور الصباح كعادة أجدادنا فسموا انفسهم “النور هو الحل”.

لماذا يرفضون وضع البهارات !؟ فهي تمنح الطعام مذاقا رائعا.. بالتأكيد كان اجدادنا افضل منا، ولكنهم لم يعرفوا البهارات وقتها.. ولو عرفوها لاستخدموها.. هكذا كان والدي يقول لي دائما.

***

الحلقة الثالثة كانت عبارة عن مجموعة حسنة الثياب، ممن كانوا يساندون الحرس في معركتهم، ادعوا انهم كانوا معنا في ثورتنا.. لكنني لم أصدقهم، ادعوا انهم سيعيدون الامور الى سابق عهدها من خلال ترشيح أحد الوجوه الجديدة من الحرس بدلا من الحارس القديم “مبروك” لكننا رفضنا ولم نثق بهم.

***
الحلقة الاخيرة كانت هي الاكبر.. لم تكن حلقة على الاطلاق، لكنها كانت مجموعة كبيرة من الثائرين وانا واحد منهم، كنا نجلس مع جميع الحلقات في آن واحد نتفرق ونجتمع، نحاول ان نختار بين الحلقة الأمثل والأفضل للجميع.. كان الجميع يحسن التعامل معنا، لكنهم لم يكونوا يقولوا لنا كل ما يتناقشوه في حلقتهم.

***
ذهبنا لعم حسن نستشيره.. فقال لنا اختاروا ما شئتم، ولكن ابتعدوا عن الحرس ومن عاونهم..

***
اللبن هو الحل..
هكذا صرخ أحد الحاضرين بعد ان فاز ممثل حلقة اللبن في الانتخابات، استمعنا له فوجدنا كلامه معسولا، شرح لنا خطته فقلنا له هيا ابدأ وانهض بنا من جديد.. ونحن لك عونا.

***
ممثلون حلقة اللبن يجلسون مع الحرس والابتسامة تعلو وجوههم.. لكنني أكاد اجزم انها ابتسامة صفراء، وان كل طرف يدبر للآخر مكيدة لا أعلمها.

***
لماذا حانتنا أصبحت الاسوأ بين الحانات الأخرى !؟ حقيقة لا أدري !!

***
لماذا لم تمنع الخمور من حانتنا !؟ ولماذا شحت كمية اللبن التي وعدنا بها حاكمنا !؟ ولماذا تغير حالنا للاسوأ !؟ حقيقة لا أدري.. ولكنني واثق ان هناك الكثير مما لا يحمد عقباه.. هل اخطانا عندما اعترضنا على الحارس “مبروك” !؟ هكذا يقول الكثيرون .. ولكن عم حسن كان يجيبهم قائلا.. لولا مبروك لما حدث كل هذا .. أعتقد أنه محق.

***
زادت الاوضاع سوءا واندلعت مشاجرات ضخمة بين حلقة اللبن واهالي الحانة، ذهب الناس للحرس فقالوا لنا انهم معنا، وقالوا نفس القول لاعضاء حلقة اللبن ووقفوا يشاهدوننا في شماتة.

ذات يوم اندلعت مشاجرة لم ارى مثيلا لها.. تدخل الحرس واوسعوا اهالي اللبن ضربا وسحقا، ووعدونا بان يظلوا حرسا كما طلبنا من قبل وان يساعدونا في اختيار حاكم جديد.

***
قام كبيرالحرس بالترشح لرئاسة الحانة !؟ الم يقل من قبل انه لم يفعل !؟ أمر عجيب.. أصبح هو الحاكم الجديد .. والجميع يهتف باسمه.. أتمنى أن يكون هو الشخص الأنسب.

***
لماذا طرد عم حسن من حانتنا من جديد !؟ ولماذا لم يتغير حالنا للافضل كما وعد !؟

***
لماذا يكثر حاكم حانتنا الجديد من الجلوس مع رجال الحلقة الثالثة !؟ ولماذا عاد “مبروك” لحانتنا !؟ هل يجلس حاكمنا مع الرجل الذي كان يسرق طعامنا !؟ أم ان عيني قد خدعتني !؟

***
ذات يوم وانا اتناول طعامي وجدت ذبابة في الاناء، اعترضت بقوة وبصوت عال وسط صمت من الجميع.

***
في الصباح استيقظت على ضوضاء شديدة، فوجدت الحرس يلتفون من حولي، سأل أحد الجيران عن سبب اعتقالي فقالوا له أنني من حلقة اللبن !!!

لم اكن يوما من حلقة اللبن !! فلماذا يدعون ذلك !؟

***
تم وضعي في غرفة الفئران.. وبت اشاهد ما يحدث اتباعا، ترك الكثير من أهالي الحانة حانتنا، وباتوا يهاجموننا ليلا، ويقتلون الحرس غدرا، وفي كل يوم يتساقط المزيد منا دون سبب واضح !؟

***
لماذا يصر الحرس على تسمية الحانة بحانتنا !؟ انها ليست حانتنا.. فهي في الحقيقة حانتهم.

***
اليوم اصبحت حانتنا أكثر قذارة.. لم يعد أهالي الحانات الأخرى يرحبون بنا، ولم يعودوا يزورونا كما كان الوضع قديما.

***
لماذا يفكر أغلب شباب حانتنا بتركها والذهاب الى حانات أخرى مع ان الحانات الأخرى لا ترحب بهم !؟ ولماذا يسعى شباب حانتنا للالتحاق بالحرس !؟ ربما لانهم يحصلون على طعام نظيف ولذيذ بعكس الجميع.

***

في كل يوم يتشاجر الحرس مع بعض من اهالي الحانة بينما يشاهد البقية الدماء تتناثر من حولهم ببرود، يشربون الخمر ويتمايلون في سأم وخوف.. أما العجيب.. فهو عم حسن.. فلم يعد يأتي كما كان يفعل سابقا ولم نسمع صوته… أتمنى أن لا يكون قد اصابه مكروه، ربما لم يعد يجد ما يقال.. ولكننا ما زلنا في انتظاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الشباب, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد