هل تتمنى أن تكون منتصرا أو على الأقل مع منتصر عظيم محنك، ربما عليك أن تراجع نفسك قليلا بعد قراءة هذه الكلمات .

كان هناك صراع مرتقب بين “روما” القوة الصاعدة وبين مستعمرة  “بينيغنتوم” التابعة لإسبرطة الإغريقية، الثرية جدا والتي تعتبر نفسها في هذا الوقت نموذج متحضر راق ، لديها كبرياء كبير ولا يعيبها أن ليس لديها جيش فيمكنها بكثرة اموالها أن تمول أي جيش حيث تريد.

قررت بينيغنتوم أن تلقن روما درسا كبيرا يناسب كبرياءها فأغرقت الأسطول الروماني الذي دخل ميناءها ليس هذا فحسب بل انتقمت من قائد الاسطول وقتلته بعد تدمير الأسطول تماما .

شعرت روما بحجم الضرر الكبير الذي ارتكبته وما يمكن أن يجر عليها من الوبال ، فقررت أن تقدم الاعتذار وحاولت التوسط ، لكن … كبرياء بينيغنتوم أبى إلا أن يسطر لحظات فارقة جديدة في التاريخ وأن يختزل كل التاريخ في تلك اللحظة وقررت الرفض وتحدي روما إلى أبعد حد .

لدى بينيغنتوم الأموال والمقايضة بالأحلام والآمال ولديها طبول اللحظة الفارقة وشارات المجد التي يمكن أن توزع في الهتافات والميادين والميداليات التذكارية ، ليس هذا فقط بل لديها قريبا في منطقة ” ابيروس ” القائد العظيم المحنك الملقب ب ” النسر ” سليل الاسكندر الاكبر القائد ” بيروس ” وهو قائد محنك ولد في عام 319 قبل الميلاد وكان له صلة قرابة من الاسكندر وعاش على قصص أسطورة المحارب والقائد  “أخيل” ولديه حلم وطموح كبير ، وأثبت أنه قائد محنك واستراتيجي قدير في أرض المعارك .

لم يكن الأمر هينا أن يـُستأجر لشن حرب كبرى على روما ، لكن اللحظة الفارقة داعبت أحلامه وأمجاده التي يريدها فعرضوا عليه المال وعرضوا عليه العون بجيش كبير من الحلفاء وأعطوه فرصة بعد النصر أن يعلن نفسه ملك ايطاليا ، بل يمكنه التوجه غربا حتى يسيطرعلى البحر المتوسط ، لكنه عندما وصل بينيغنتوم وجد المفاجأة أنهم لم يجهزوا له جيشا منهم ولا من غيرهم وليس معه إلا نفسه وقوته التي لا يستهان بها .

لم تنتظر روما أن يأتي لها ” النسر ” بل زحفت إليه في بنينيغنتوم ، وقرر بيروس المواجهة و حقق أكبر نصر عظيم ساحق على روما بفضل عبقريته واستراتيجياته الحربية ومعه قوة جبارة في هذا الوقت قوامها 20 ألف مشاة و30 ألف فارس و2000 رماة و20 وسلاحه النوعي من الفيلة .

كانت المعركة بحق كبرى ، وكان النصر بحق نصر كبير ، لكن روما التي كانت بالأمس تريد التفاوض والاعتذار والتوسط لدى بينيغنتوم  اشتعلت فيها روح الثأر والانتقام لروما مهما كان الثمن ، وهو ما أدركه بيروس- خاصة بعد حجم الخسارة الكبيرة والضخمة التي خسرها في جيشه وفي قوام جيشه الأساسي – فقرر سريعا بعد هذا النصر أن يطلب التفاوض مع روما وعرض عليهم وهو المنتصر التشارك ، غير أنه فوجئ بالرفض القاطع وبرغبة عارمة للمقاومة والثأر لن يوقفها أحد .

تجهزت روما للثأر والانتقام من ” بيروس ” في معركة أخرى هي معركة ” اسكالوم ” ورغم بسالة روما وقوتها وحماستها وحجم الخسارة التي كبدتها لبيروس بل كادت أن تحسم المعركة لصالحها نجحت تكتيكات واستراتيجيات بيروس ونجح في استخدام سلاحه المميز الفيلة وحقق نصرا كبيرا .

علت الانتصارات في هذه اللحظة الفارقة التي لم يكن يحلم بها أنصار ” بيروس ”  فهو الامبراطور المنتظر لكنه تعلم شيئا خطيرا في هذه اللحظة الفارقة  أوجزه في هذه المقولة ” لو هزمنا الرومان مرة أخرى في معركة كهذه فسندمر كليا ” .

لم يتمكن بيروس من تحقيق أحلامه – فقد كان انتصاره هذا بداية النهاية – واكتشف متأخرا أنها لم تكن لحظته الفارقة ، وأنه خدع نفسه – أو وافق على خداعها – كان عليه أن يدرس موقفه جيدا وأن يدرس معاركه جيدا وأن يختارها بعناية وأن يحدد فعلا – ليس فقط الوصول للنصر – ولكن من أجل ماذا كان النصر ؟ أمن أجل الفناء والتمزق وخسران القدرة على الاستمرار والمواصلة ، إنه السؤال الذي قد نهرب منه حين نُستغرق داخل لحظة نراها فارقة ونخشى الإجابة عليه : من أجل ماذا كان الصراع والمعارك وهل يمكننا الانتصار في هذه المعارك والأهم هل حين ننتصر سنكون قادرين على تحقيق ما ضحينا وناضلنا من أجله ولا يكون نصرا بيروسيا  .

لقد أصبح ”  نصر بيروسي “ مثلا لكل من انتصر انتصارا بطعم الهزيمة لا يستطيع أن يستفيد من انتصارته ولا أن يبني عليها ، فالانتصار وحده ليس هدفا لذاته ( إلا عند بعض المرضى ) بل هدف لشئ أسمى ، عليك ألا تفكر فقط في النصر لكن عليك أن تفكر من أجل ماذا يكون النصر ومن أجل ماذا تكون التضحيات والصراعات والمعارك هل من أجل نصر بيروس الذي يعقبه فناء القوة ومقوماتها أو يعقبه التفكك والهزيمة والانهيار وعدم القدرة على تحقيق ما كنت ترجوه وتحيا من أجله ؟

إن المعارك والصراعات سواء كانت قبل الميلاد أو في عصر السماوات المفتوحة هي هي ، منها ما تحقق نصرا حقيقيا ومنها ما تحقق نصرا زائفا ، فكم من معركة أو انقلاب أو ثورة  أو جهاد كان من أجل مطالب ورغبات وأحلام عادلة لكنها كانت إما معارك عبثية فاشلة بلا أدوات ، او أنها كانت تسعى لتحقيق نصر بيروسي لم يكن بداية لتأسيس الحلم والمطالب العادلة بل بداية للسقوط والتمزق .

إن معاركنا الآن مع الاستبداد والفساد ، مع القتلة والمفسدين ، مع المؤسسات التي تدعمهم وتحميهم وتوفر لهم منظومة الحماية ، هي معركة بين مستقبل نريده نحن ولا يريدوه هم ، إنهم يريدون أن لا نخوض المعارك معهم بل يريدوننا عجزة أو فشلة ، وإن كان من المعارك بد ، فليدفعونا إلى معارك لإفنائنا ، يريدون لنا أن نكون دوما الضحية حتى حين ننتصر، يخططون لترسيخ ماضيهم وحاضرهم وتبديد مستقبلنا ، إن واجبنا الحقيقي أن نخطط ليس لهزيمتهم فحسب، بل لنصر غير نصر بيروس ، لحضارة عليا وقيم راسخة ونظم عادلة لا تبقى فقط في هتافات الحناجر ولا لافتات المظاهرات بل تكون واقعا يمكن لها أن تتحقق في حياتنا وحياة أبنائنا .

الرأي قبل شجاعة الشجعان     …    هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة       …    بلغت من العلياء كل مكانِ
ولربما طعن الفتى أقرانه        …    بالرأي قبل تطاعن الأقرانِ
لولا العقول لكان أدنى ضيغم   …     أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

روما
عرض التعليقات
تحميل المزيد