قرأنا تصور التعاقديين وما تصوره كل فيلسوف منهم، على أن الدولة نتاج تعاقد وتوافق اجتماعي بين أفراد الجماعة الواحدة، وسلمنا بذلك، بوصفها تعطي للدولة والقانون مشروعية السلطة، وتعطيها المعنى كذلك، وربما لعدم وجود بديل. وبغض النظر عن تصور كل فيلسوف، وفي النقاط التي اختلفوا فيها أو اتفقوا، وهل هو افتراض مقبول أم أنه مجرد تفسير ما وراء الواقع؟

وما لا يختلف فيه اثنان، هو أن الأمن والتحضر أفضل من الفوضى، فحتى الطبيعة ليست كلها فوضى، فالنمل والنحل مخلوقات نظامية عبقرية، والطبيعة لا يحكمها دائمًا البقاء للأقوى، بل للأجمل والأكفأ أيضًا.

ونحن – المسلمين – نرفض الفوضى والعبث، ونفضل النظام، فالنظام عند الله أفضل من اللانظام (بغض النظر عن نوع النظام)، وكمجتمع عربي بشكل عام – ومغربي بشكل خاص (بمختلف بِناه) – لا شك أننا نعيش بسلوك حضاري. فهل يتصرف المغربي بسلوك حضاري مند استيقاظه إلى أن يتوفى الليل النهار، أم أنه يعيش في الفوضى؟ أم أنه لا بد للنظام من أن يزاوج الفوضى. فتكون الفوضى متعلقة بالنظام؟

ولسنا على يقين في تحديدنا للأصل هل هو النظام أم الفوضى؟  أم أن الفوضى بحد ذاتها نوع من النظام؟ ولعلكم أدرى بكم السلوكيات الفوضوية التي نعيشها في حياتنا اليومية رغمًا عنا، ونتصارع معها في قرارة أنفسنا وإنكارنا لها، وهي سلوكات تقزز وتنفر من الواقع وتشعرنا بالغرابة وسط مجتمعنا، وكأننا دخلاء عليه.

أكتب الآن بوصفي فردًا من أفراد هذا المجتمع، الذي يعايش الحياة اليومية المغربية «الجميلة»، وليس بصفتي أرستقراطيًّا مترفعًا عن بِنى المجتمع الأخرى، من مواطن لمواطن، ونحن في أمس الحاجة للوقوف على سلوكياتنا وإعادة النظر فيها.

ونرجو أن نساعد بعضنا بعضًا لتحقيق السلوك الحضاري، وهذا ليس صعبًا، فالكاتب سيكتب ساردًا السلوك ومعالجًا له، والإعلامي يعلق، والمدرس يناقش، والسياسي يطرح ويقرر، والخطيب كذلك يعزز ما سبق من الدين الذي يخاطب الوجدان والعقل، كلٌّ من منطلقه يساعد، أهل الطب والسياسة والقانون والأطر التربوية… الكل، فهل من مستجيب؟

ويومًا بعد يوم تظهر سلوكات وتصرفات مجتمعية، تتضخم كلما أغفلنا عنها، حتى صارت كالديناصور الكبير، ولعل أبرز هذه التصرفات ما نجده عند بعض الجماهير الكروية، في المباراة وبعدها، من كلام نابي، لا يرغب عاقل في سماعه بمفرده، ناهيك عن سماعه وهو برفقة أسرته، ومن همجية التشجيع وتأكيد ثقافة العنف، حتى أصبحت المباراة تشبه حلبة الموت الرومانية التي يقال إنه قد قُتل فيها نصف مليون إنسان من أجل المتعة و التسلية، حيث يزداد الصخب كلما مات لاعب، استفزازًا للوحش الداخلي.

لتخلف هذه المباراة موتى واعتداءات بالضرب والسرقة، ومطاردات بوليسية لها أول وليس لها آخر، ناهيك عن تخريب الممتلكات العامة بعد الخاصة، وخلق نوع من الهلع في الشارع.

وكان المترقب أن يكون العكس، أن يكون الملعب صورة حضارية وأخلاقية، تزهر كالوردة في العالم، ملفتة النظر إلينا، كشعب متماسك ومتضامن رغم اختلاف بِنى مجتمعه، وأن تفوح هذه الوردة بالتربية التي تلقاها كل فرد في بيته ومدرسته ومسجده، من خلال سلوكه في الملعب وخارجه، وبالطبع يبقى الكلام نسبيًّا.

وقس على هذا ما يحدث في المدارس وشاحنات النقل العام (الأوتوبيس) وفي الأسواق.

مجتمعنا في حاجة إلى طبيب يشخص الأمراض، ويقترح لها علاجًا، وفي حاجة إلى سلطة تساعد الطبيب. ويمكننا أن نشاهد ونستمتع بحلقة من حلقات النجم المصري، الكاتب والممثل الشهير، محمد صبحي، في حلقة السلوك الحضاري، من برنامجه المحمود «مفيش مشكلة خالص» التي يطرح فيها مجموعة من الأفكار السامية والنبيلة، التي من شأنها، المضي بالمجتمع للأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد