جريدتك اليومية ..

هل تشتري الجرائد، لأعوام كانت أيامنا تبدأ بجريدة وكوب شاي أو قهوة،الأمر يختلف إذا كنت “أهرام” أو “أخبار”، بالنسبة لـ”أهرامية”: الصفحة الثانية في الأهرام،وصندوق الدنيا أحمد بهجت، برنامج التليفزيون..سهرة القناة الثانية الحافلة وأفلامها، أين تذهب هذا المساء وأفلام الأربعاء، هل تذكر صفحة السينما ويوسف فرنسيس.. هل تذكر مقال أنيس منصور الغرائبي يوم الجمعة وحكمه المضادة للمرأة بشكل عام 🙂

مقالات الثلاثاء وتحقيق السبت وآخر صفحة حيث الأخبار الخفيفة التي نبدأ بها غالبًا، ومقال رئيس التحرير في الجُمع الذي نادرًا ما نقرأه،وملاحق الفكاهات والأشعار والقصص القصيرة،والقصص المؤثرة كل بريد جمعة مع ردود عبد الوهاب مطاوع المُنمقة المثقفة…

حسنًا امسح كل ما سبق، الآن جريدتك هي أفكارك الشخصية ومشاركات زملائك والصفحات التي أعجبتك في لحظة ما وصفحة الكوميديا الساخرة دومًا والصفحات الإعلانية التي تدفع لفيسبوك فيقحمها في عالمك حتى دون خيارك، ثم المقال الذي تختاره الجريدة الإلكترونية ليتصدر صفحتها كي يظهر أولًا، ثم أخبار الساعة التي هي حقيقة “تريندينج” الساعة، الأمر لا يختلف كثيرًا على تويتر فقط العبارات أقصر والصفحات أقل شخصية وإسهاب.

وفي خضم كل هذا المركزية، أنت تصنع جريدتك، تتابع اجتماعياتك إلكترونيًّا وتشاهد فرح زميل الدراسة “لايف”،وتشعر بمشاعر مختلطة من الفضول واللامبالاة لكن الصور تظهر على أية حال، بين صفحات الحِكمة المقطرة، بين مشاركات البوح المُطولة والقرارات المُسجلة،وإعلانات الحب والكره المتبادلة بين “موجهة” ومقصودة”.. هل تجد نفسك أكثر؟ هل تعرفها أكثر؟

يقول مارك زوكربرج -أو هكذا أذكر- إن فيسبوك هي جريدتنا اليومية التي نصنعها، فنظريًّا نحن نختار المشاركات التي تظهر أولًا والأصدقاء الذين نريد متابعتهم، مع أني قرأت بحثًا ذات مرة يُقال إنه أُجري على فيسبوك، تم فيه اختيار مشاركات سلبية لتظهر أولًا وتأثير ذلك على الفيسبوكيين، ووجدوا أن ذلك أثر سلبًا،وأن شيوع المشاعر والمشاركات السلبية يُشيع الروح السلبية أكثر بين الفيسبوكيين. السؤال الخطير هل تم أخذ موافقة المُشاركين بمشاعرهم؟

في لحظة ما أثارني الموضوع وبحثت عن الأساليب والآليات التي تختار فيسبوك على أساسها المشاركات التي تظهر لنا في”feed”، من المفروض أن الصفحات والأشخاص التي تتفاعل معها أكثر تظهر أولًا، لكن الأمر ليس هكذا تمامًا على ما يبدو، فهناك صفحات لا أتفاعل معها تظهر لي،وأصدقاء آخرون قلما تظهر مشاركاتهم مع أنهم فاعلين، مازلت لا أفهم الآلية تمامًا. الحقيقة أن أيًّا منا يقرأ أول عشر أو حتى عشرين “بوست” ثم يصبح الـ”سكرول” عبثي بحثًا عن أي شيء قاتل للملل، جاذب للانتباه، قبل أن تغلق مُسرعًا، لتفعل شيئًا آخر في حياتك على عجل، قبل أن تعود للأثير الأزرق وتجد مجموعة جديدة تمامًا تشاهد بدايتها أيضًا التي يختارها لك فيسبوك.

الحقيقة لا أؤمن بالمؤامرة الكونية وأن الأمر “مُزيف” كليًّا، لكن مسألة أن جريدتي اليومية قيد اختيار برنامج إلكتروني أصم، على أحسن تقدير تتم برمجته عشوائيًّا،أو بناء على حسابات أقل ما يُقال عنها أنها مجرد مسائل حسابية، وأن المزاج العام لمجموعة من البشر يتأثر بشكل أو بآخر بموضوع “الهري” الحالي، الذي نشارك فيه بِرضا لنظل”Posted”، تؤرقني .

ووسط كل هذا “الهري” وشخصنة أخبارنا التي تعتمد على “خيارتنا”، هل نتعرف على أنفسنا أفضل؟

هل نقرأ أنفسنا بشكل أوضح؟ ربما ساعدنا الأثير للقاء أناس مختلفين عن دوائر معارفنا الصغيرة، للتعرف على أخبار أكثر وأسرع، للذهاب لأماكن تثير اهتمامنا لم نكن نعرف أنها متاحة أو نشاطات وفعاليات كُنا لِنفوّتها. ربما ساعدنا للتعبير عن أنفسنا بشكل أكثر حرية، لكن في كثير من الأحيان نحن نختار تلك اللحظات ونختار تعبيراتنا أيضًا، نُمارس دور المُحرِر والمُراجِع على تلك الحرية وذلك البوح. هل أبعدنا كل هذا الانتقاء والاختيار والبرمجة عن ملاقاة تلك النفس -كما هي-  حيث تتحدث لنا بشكل أوضح وأعلى -دون تحرير وتعديل-  في الطبيعة بين الأشجار والهواء الحقيقي غير المُكيّف،وفي الشوارع بين البشر الحقيقين الذين لا نعرف عنهم شيئًا ولم نختارهم قط؟

من العبث البكاء على تقليديتنا المفقودة، نحن جيل المنتصف، الجيل الذي عاصر الكلمة الورقية والإلكترونية، الجيل الذي ينتمي “للمتغيرات” أكثر من “الثوابت”. ومن العبث اتهام مواقع التواصل الاجتماعي بمأساة الإنسان المُعاصر..حسنًا تلك المأساة بدأت منذ بداية القرن العشرين قبل اختراع فيسبوك بكل تأكيد.إنها مأساة الإنسان والآلة! والإنسان والإنسان.. وواقعًا: مأساة الإنسان ونفسه.

 

في أغنية لافتة لمغني الفولكلور “باسينجر” يقول:

“يجب علينا الجري في الغابات، السباحة في الجداول
أن نبكي..أن نضحك
أن نُحب بدون خوف..أن نحلم
أن نُحملق في النجوم لا في الشاشات
أن نُغني بعلوّ أصواتنا
أن نشعر كما لو أنه مازال لديك الخَيار
نخاف الموت غرقًا أو السقوط من المرتفعات
بينما نموت كلنا ببطء أمام أجهزة الكمبيوتر اللعينة!
ربما لو أضاء كُل منا روحه، أفزعنا العَتمة عنا بعيدًا”
Passenger – Scare Away the Dark

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد