لا أحد يعرف عن حياته أو الحياة بشكل عام كيف تكون؛ لأنها الآن في طور الإنشاء، العالم يتطور بناءً على التغيرات التي تحدث بداخل كل فرد، وبداخل كل شيء حي، لذلك نجد صعوبة في تخمين ما قد يحدث في الغد إذا كنت تحيا معتمدًا فقط على المعرفة الإنسانية وفقًا لمبادئ معينة ومعايير تقليدية، إذًا أنت ما زلت تعيش في الماضي ولن تعرف الجمال أو السعادة الحقيقية، إذا لم تشعر بإحساس الحرج من أفعالك وفشلك فرحلة المعرفة الذاتية لم تبدأ بعد، يجب أن يكون عندك الاستعداد أن تفشل لأنك إذا كنت خائفًا منه، فمن المؤكد أنك لن تصل لشيء بعيد، لابد أن يكون لديك الشجاعة لتواجه الخوف ولاستخراج الكنز المدفون في داخلك.

يقول نيتشة: «قد يكون هناك عدد لا يحصى من المسارات والجسور الأخرى لكن هناك مسارًا واحدًا لا أحد يستطيع المشي عليه إلا أنت، إلى أين يؤدي لا تسأل فقط امشِ».

«إن حرية الارادة هي إحدى المشكلات الفلسفية سيئة السمعة، إذ إن ألمع العقول البشرية قد كافحت لكي تحلها على مدى أكثر من ألفي عام، وفي سبيلها بنيت الأنظمة الفلسفية العظمى واحدًا تلو الآخر، واستخدم المنهج العلمي بصرامة تامة، وسالت أنهار من الحبر على جبال من الورق، كل ذلك بلا جدوى، فالحرية مثل السراب، تبدو أبعد كلما تقدمنا نحوها خطوة، وفي عصرنا هذا، يشعر الكثير من الفلاسفة بالحرج من هذا الإرث البغيض، فيحاولون إخفاءها تحت السجادة عبر مختلف أنواع الحيل البارعة، مثل إعادة تعريف كلمة «معنى» بحيث يصبح السؤال عن الحرية بلا معنى! بينما يبحث آخرون عن مخرج مشرف بأي ثمن وفي أي مكان، في علم النظم المعقدة، في نظرية الفوضى، في فيزياء الكوانتم، وحتى في العوالم الموازية!

ورغم سمـعتها السيئة ومزاجها الثائر المتقـلب الذي يثير الجنون، وبرغم انفضاض كثير من الفلاسفة المحترفين عنها نفورًا من ماضيها القاتم، إلا أن لحرية الإرادة سحرًا ما فتئ يجذب إليها المغامرين من كل التخصصات العلمية، حتى لقد صارت الكـتابة عنها تقليدًا ثابتًا يمارسه كتاب العلم الشعبيون أيًا كان موضوعهم الأصلي! وليس هناك ما هو أدل على ذلك المزيج الغريب من الخـجل والافتتان مما قام به مؤلفو «شظـايا الحقيقة» عندما ختموا كتابهم عن التطور بفصل عنوانه «نحن نرغب في كتابة فصل عن حرية الإرادة، ولكننا قررنا أن لا نفعل ذلك، هذا هو»!

إن مشكلة حرية الإرادة هي – باختصار مخل جدًا – مشكلة البحث عن مكان للحـرية الإنسانية في عالم تحكمه القوانين والصدف التي لا يد لنا فيها، إن أجسادنا مكونة من ذرات تخضع لقوانين الفـيزياء والكيمياء وجيناتنا قد «كُتبت» ببطء وعلى مدى ملايين السنين تحت تأثير الانتخاب الطبيعي وحتى خبراتنا الفردية وتاريخ حياتنا تحدده سلسلة من الحوادث -في أي بلد ولدنا وفي أي أسرة وفي أي طبقة اجتماعية ومن هم البشر الذين قابلناهم وما هي التغيرات الاجتماعية والاقـتصادية الكبرى أثناء فترة حياتنا… إلخ – وإذا كان كل قرار نتخذه يمكن – من حيث المبدأ – أن نرده إلى حدث كيـميائي في دماغنا أو إلى جين في خلايانا أو إلى خبرة سابقة مررنا بها في ماضينا، إذن فإن حرية الإرادة تكون مجرد وهم، ولسوء الحظ فإن ما نعرفه عن العالم وعن الإنسان يشير بقوة في هذا الاتجاه، فأفعال البشر لا تنبثق فجأة من لا مكان، إنها نتائج لأسباب، وتلك الأسباب تنتمـي إما إلى العالم الطبيعي أو العالم العضوي أو العالم الاجتماعي، لا يبدو أن هناك مكانًا للإرادة في هذا المخطط الكئيب.

«يعتقد الكثير من العلماء أن مشكلة الإرادة سوف تحل بمجرد العثور على مخرج مشرف، على جزيرة مختبئة في مكان من العقل ومعزولة سببيًا عن العالم، ومن الناحية النظرية فذلك ليس مستحيلًا، فالأشياء الصغيرة جدًا – كالذرات وما دونها – تتصرف بطريقة لا يمكن التنبؤ بها حتى لو كانت أدواتنا لا نهائية الدقة وحتى لو كنا نعرف كل شيء عن أي شيء آخر في العالم، وعلى سبيل المثال، فإنه إذا كان احتمال تحلـل ذرة معينة من عنصر مشع هو 50% في الساعة، فليست هناك طريقة إطلاقًا لكي نتيقن بها مما إذا كانت هذه الذرة ستتحلل أم لا خلال الساعة القادمة، وليس هناك أي شيء يمكننا فعله لكي نتنبأ مقدمًا بالنتيجة، علينا فقط أن نجلس وننتظر ما إذا كانت الذرة ستقرر أن تتحلل.

«تبدو هذه كوصفة مغرية للحرية! دعنا نتخيل أنه في ركن من عقلنا لم يكتشفه العلماء بعد، ثمة نظام كمومي يعمل بطريقة مشابهة لتحلل الذرات المشعة وذلك النظام مرتبط بآلية اتخاذ القرار بحيث إنه كلما كان علينا أن نختار بين فعلين – مثل «الذهاب إلى الكلية أم التنزه مع الأصدقاء» فإن دماغنا يربط كل فعل ممكن بأحد النواتج المحتملة لذلك النظام الكمومي، وبالتالي فعندما «يختار» النظام واحدًا من تلك النواتج المحتملة، فإن الدماغ «يقرر» القيام بالفعل الذي تم ربطه بذلك الناتج، وعلى سبيل المثال فإذا كان تحلل الذرة يعني الذهاب إلى الكلية، وعدم تحللها يعني التنزه، وإذا اختارت الذرة أن تتحلل فعلًا، فإن قرار الذهاب إلى الكلية في هذا المثال قد نتج عن حادثة احتمالية يستحيل التنبؤ بها قبل حدوثها، وفقًا لطريقة معينة في التفكير، فإن هذه تكون حرية!

«من المثير أن منظري فيزياء الكم لم يكونوا الوحيدين الذين وقعوا على هذا الحل الغريب لمشكلة حرية الإرادة، فعند مشاهدة أفلام باتمان نرى أن عدو باتمان اللدود قد فكر مثلهم بالضبط، فبعد أن خسر حبيبته وتشوه وجهه بفـظاعة انقلبت شخصيته إلى الشر، وعندها قرر أن يصنع قدره بنفسه، فأصبح يحمل قطعة من العملة معه في كل مكان، وكلما تعين عليه أن يتخذ قرارًا ما – عادة ما يكون قتل أحدهم أو تركه! – فإنه يلقي بالعملة تاركًا الحظ وحده لكي يختار، وبهذه الطريقة فإن قراراته تكون «حرة» تمامًا على الأقل بالمعنى الضيق الذي يفيد باستحالة التنبؤ!

إن حياته غريبة حقًا، ولكن دعنا نأخذها لأبعد حتى من ذلك، ولنفترض أن عبقريًا مجنونًا قد افتتن بنظرية «الحرية الكمومية التي تحدثنا عنها بالأعلى، ولكنه بدلًا من أن يتصرف كالفيزيائيين المحترمين ويكتفي بالأمل بأن يكون الدماغ آلة كمومية، فإن عالمنا هذا قد قرر أن «يفرض» على الدماغ أن يصير آلة كمومية تامة النقاء، وهكذا قام باختطاف رجل سيء الحظ هو (شخص ما) وحبسه في معمله السري تحت الأرض، ثم أجرى على دماغه جراحة وحشية زرع فيها اختراعه الرهيب «مُولد الحرية» وهو جهاز صغير يربط دماغ (هذا الشخص) بأحداث كمومية عشوائية تحدث في الجهاز على نفس النحو الذي وصفناه في النظرية، وبعد انتهاء العملية فإن (هذا الشخص) يصبح في وضع مشابه لعدو باتمان مع فرق وحيد، هو أن «عملته» ليست في يده الآن وإنما بداخل رأسه، وهو بالتالي غير قادر على أن يتجاهلها، وبعبارة أخرى فإنه مجبر على أن يكون حرًا، شاء ذلك أم أبى! وعندها قام بإطلاق سراحه لكي يمارس حريته الكمومية!

«وبالطبع فإن هذه العملية سوف تغير حياة (هذا الشخص) إلى الأبد، فمنذ استيقاظه من العملية وحتى موته فإنه لا أحد يمكنه معرفة ما سيقوم به (هذا الشخص) في اللحظة التالية، وحتى هو نفسه لن يعرف!

 قد يحتضنك بحرارة أو يتجاهلك وكأنك لا أحد. قد يبتسم برقة في وجهك أو يوجه لك لكمة قاسية. قد يذهب إلى العمل في يوم الإجازة أو ربما يعتكف في منزله لا يبرحه عامًا كاملًا.

 إنه سوف يكون رجلًا خطيرًا جدًا، ليس فقط على نفسه وإنما على كل من حوله، فهو قد يقف في وجه شاحنة مسرعة، أو ربما يتناول خنجرًا من المطبخ ليغمده في قلبك بلا سبب، وتمامًا كما أن توقع أفعال (الشخص) أمر مستحيل، فإن التواصل معه أمر أكثر استحالة، فالحجج العقلانية لن تفلح في إقناعه، إذ إن الالتزام بالمنطق يفرض نوعًا من القابلية للتنـبؤ لا يسمح بها مولد الحرية وبالمثل فإن الإغراء أو التهديد لن يجديا في السيطرة على سلوكه الجامح، لأن قرارات (هذا الشخص) لا تتحدد بالغرائز الطبيعية ولا بالقيم الأخلاقية وإنما برميات عملة كمومية تحدث بداخل رأسه ولا سبيل للتأثير عليها على أي نحو، و(هذا الشخص) لن تكون لديه أي «عادات» إذ إن ماضيه لا يحدد مستقبله، وحتى إن كان هو موشكًا على الموت من الجوع وهناك مائدة عامرة أمامه فإنك لن تعرف ولا هو سيعرف إن كان سيأكل أم لا، إذ إن جوعه لا يستطيع التأثير على احتمالات قراره القادم.

وبالنسبة لإنسان عادي مثلي، فإن سلوكي تحكمه رغبات طبيعية ملحة لا يد لي فيها، كالرغبة في الحياة وفي الحب وفي الجنس وفي التعلم وفي النجاح الاجتماعي، وأنا «أريد» أن أكون قادرًا على السعي وراء هذه الرغبات، وأريد أن أكون قادرًا على استخدام المنطق والخبرة لتحسين فرص نجاحي في هذا السعي، ومما لا شك فيه أن رغباتي، هي والمنطق والخبرة، كلها تجد جذورها في قوانين هذا العالم لا في خياراتي الفردية، ولذا فأنا لا أكون حرًا عندما أسعى عقلانيًا لتحقيق رغباتي الطبيعية، أما (هذا الشخص) – ذلك التـعس – فهو حر!

إن الحرية كلمة متعددة الوجوه مليئة بالظلال، ولذا فأنا لا أعرف إن كانت حرية (هذا الشخص) هذه «حرية حقيقية» أم لا، ولكن ما أعرفه يقينًا هو أنني لا أريد أن أكون في هذا الوضع! وإن كانت تلك فعلًا هي حرية الإرادة – معشوقة الفلاسفـة – فما أسعدنا إذن بعبوديتنا هذه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد