كَجِذرٍ عتيد يمتدُ في ذاكرة كل فلسطيني ذاك العشق المُتراخي على جِيد السنين، وكجدارٍ عنيد يقف شامخًا في وجه الزمان العميد، وكشمسٍ متوهجة تستمدُ لهيبها من غضبٍ قد تَفَجّرَ في دم المدافع عن أرضه. ذاك العشق الذي زرع في قلب المُقاوم الحماسةَ للجود بروحه دفاعًا عن فلسطين، وأطلق في الأديب حروفَ قلمِه وروحَ كلمه؛ رصاصات في قلب الأكاذيب والأباطيل التي يدّعيها العدو الصهيوني.

ذاك العشق الذي منح الشهيد لا حياة واحدة بل حيوات، ينادي من لم يلحق به هلمَّ إلي وانظر ماذا أعد لي ربي من كرامات. وصدق الله وعده المؤمنين. ذاك العشق الذي منح الأسير صبرًا لا تطيقه نفسه إلا إذا كان المهر رضوانًا من الله وجنات عرضها الأرض والسموات.

من خلف قضبان الظلم والقهر يرمُقُنا ذاك الأسير بشموخه وعزه، لا يخنقه حبس جسده، لأن روحه طليقة حرة ترفرف في سماء ممتلئة بالأحلام والأماني، لكن ما يخنقه هو عَبرةٌ لمعتْ من بين قضبان أهدابه، وفاضت من دلو عينيه؛ على وطن باعه الأنذال بدراهم بخس معدودات وكانوا فيه من الزاهدين!

في «يوم الأسير» الذي يصادف السابع عشر من شهر أبريل (نيسان) من كل عام؛ كان حقًا علينا إلقاء الضوء على معاناتهم في سجون الاحتلال اللعين، علنا نرد شيئًا من حقوقهم علينا. علنا نرد جزءًا من الجميل!

منذ بداية العدوان الصهيوني على فلسطين عام 1948 وهذا المحتل الغاصب لا يتوانى عن استخدام كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة لكسر عزيمة وإرادة هذا الشعب الجبار، فاتخذ سياسات شتى لقمع صموده وصبره، وكان من تلك السياسات الظالمة؛ التطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والتهجير، والتشريد، والأسر، وإثارة الرعب والذعر في قلوب من تبقى من العباد والبشر… إلخ.

مليون أسير وأسيرة منهم الأطفال والنساء والشيوخ هو مجموع ما تم أسره منذ بداية العدوان على فلسطين 1948 بحسب التقارير الرسمية الصادرة عن منظمات حقوقية للدفاع عن الأسرى. ناهيك عن استخدام الأساليب غير الإنسانية التي تخالف القوانين والتشريعات الدولية التي جاءت في اتفاقيات جينف الثالثة وغيرها بشأن الأسرى والمقاتلين، ولم يكن أقلها الاعتقالات الإدارية والعزل الانفرادي، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، كحقهم في تلقي العلاج الطبي وتوفير الأدوية اللازمة، وحق مواصلة التعليم وممارسة العبادة والشعائر الدينية، ومنع الزيارات الدورية للأهل والأقارب، بل واستخدام أفظع الأساليب في تعذيبهم وقهرهم، وكل ذلك من أجل ثنيهم عن المقاومة والنضال كعقاب نفسي بجانب العقاب الجسدي الذي يلاقونه!

لم تَكْسِرْ شوكة الأسير كل تلك السياسات البغيضة، ولم تضعف من عزمه وإرادته قيد أنملة. بل زادت من إصراره وثباته وجعلت منه أكثر قوة وجلدًا على تحمل كل هذا وأكثر، لأن حب فلسطين محفور على جدار قلبه، ولأن صورتها مرسومة في مياه عينيه، ولأن الأرض أغلى من كل حياة جميلة، فهي تستحق الكثير الكثير.

لهم الحق في العيش الكريم والحصول على حقوقهم المشروعة والقانونية التي كفلتها كل الأعراف والدساتير، لا بد أن يستولوا على أكبر قدر من اهتماماتنا، من خلال عرض قضاياهم في المؤتمرات والمحافل الدولية والاجتماعات واللقاءات، فحق المسلم على المسلم أن ينصره ويدافع عنه بكل ما أوتي من عزم، فما بالنا وهم الذين ضحوا بحرياتهم لأجل أن نعيش نحن!

واجب علينا نصرتهم بكل ما أوتينا من وسائل وأدوات سياسية وقانونية وإعلامية واجتماعية، واجب علينا نصرتهم باليد واللسان والقلم والقلب وذاك أضعف الإيمان!

حقيقةً تخجل الحروف مهما جادت وسخت في الكتابة عنهم؛ لعجزها عن التعبير أمام هذه القامات الصابرة، وتتقزم المعاني مهما بَسَقَت وتعالت أمام من كان موردًا لبعث الطاقات والأمل، ونحن أقل ما يمكن أن نقدمه لهم بعض حروف قد انتظمت، وبعض مشاعر قد انتفضت، وبعض دموع قد سقطت، هم في البال دائمًا لا تغيب عنهم شمس الذكراة أبدًا، هم الغائبون الحاضرون، هم مشاعل النور في القلب والروح، هم مداد لا ينضب، هم تماثيل تُنَصَّبْ ولا تَنْصَبْ، وأفلاك تدور حولها الكواكب والنجوم. فالحرية الحرية لأسرانا البواسل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد