لقد صدمتُ عندما شاهدت فيلم: “إحنا بتوع الأتوبيس” في سينما بيجال الشهيرة في شارع عماد الدين في أواخر عام 1979م، وكنت وقتها في الصف الثاني الثانوي، ولم أكن قد قرأت عن فظائع نظام عبد الناصر، إلا في كتاب للأستاذ جابر رزق “مذابح الإخوان في ليمان طرة”. وفي ذاك الفيلم تجسد الشر والظلم والقهر والفظائع أمامي على الشاشة الفضية .

 

(1)

قصة الفيلم حقيقية ومستوحاة من كتاب “حكايات وراء الأسوار” للكاتب الصحفي جلال الحمامصي. تدور أحداث الفيلم عام 1966م في إحدى سيارات النقل العام؛ حيث تحدث مشاجرة بين اثنين من الركاب “جابر محمود عبد ربه” “عادل إمام” وجاره “مرزوق” “عبد المنعم مدبولي” من جهة وبين محصل الأتوبيس من جهة أخرى.

 

تنتهي هذه المشاجرة بتوجه الأتوبيس إلى القسم حيث يتم حجز جابر ومرزوق. ومن سوء الحظ، أن تكون مجموعة من المعارضين السياسيين في القسم في ذلك اليوم رهن الاعتقال وعلى وشك الترحيل. وفعلا، يتم ترحيل جميع المعتقلين إلى أحد المعتقلات ومعهم جابر ومرزوق.

 

وفي السجن الحربي، يكون”رمزي” “سعيد عيد الغني” مدير السجن في استقبال جابر ومرزوق وغيرهما من أعداء الوطن! وطبعا، يتهم مدير السجن الحربي جابر ومرزوق بانضمامهما إلى تنظيم سري مناهض للحكم ويقومان بتوزيع منشورات تدعو إلى قلب نظام الحكم ويطلب منهما التوقيع على اعتراف بذلك، ولكنهما يرفضان التوقيع ويرددان: “إحنا بتوع الأتوبيس”.

 

يقول رمزي لمرزوق: فيه ناس مجانين كثيرة جاءوا هنا، وقالوا (إحنا بتوع الأتوبيس، وبتوع الطيارات، وبتوع الكارو، ولكن إحنا عقلناهم)!

 

وطبعا، التعقيل الذي يقصده عبارة عن حفلات للتعذيب والسحل والإهانة أياماً عصيبة على العروسة الشهيرة في السجن الحربي، ويُجر مرزوق من رقبته وهو يسحب بحبل مثل الكلب، ويأمره رمزي بأن يقول “هَوْ هَوْ” بفتح الهاء وتسكين الواو مثل الكلب، ويهان جابر، ويفعل ما يأمرونه به على الأرض مثل تمثيل “عجين الفلاحة” ويتقلب على الأرض وهو يمثل “نوم العازل” غير التعذيب على الصفيح الساخن، والجلادون ينادون عليه بسخرية وصخب “يا ميمون، يا ميمون” كأنه قرد!

 

وتحت وطأة التعذيب الرهيب، يوقع مرزوق وجابر على المحضر الملفق الذي يدينهما بعدما تعقلا جيدا.

 

 

 

(2)

تدور الأرض حول نفسها دورات وحول الشمس دورات أخرى والتعقيل بالتعذيب الرهيب قل دوره كثيرا، إنما يأتي في صورة تصفية مباشرة بالرصاص القاتل في سويداء القلب أو في الرأس بالآلاف في رابعة والنهضة وبالمئات في رمسيس الأولى والثانية وبالعشرات في المطرية والإسكندرية وغيرهما من مدن مصرنا الحبيبة.

 

التعقيل بتشويه ثوار يناير وما بعدها:

وما فتأ التعقيل يتوقف عن الإبداع والتجدد ومنها التشويه الجسدي لأكثر من 30 ألف من ثوار يناير وثوار رابعة وحتى الآن وتشويههم معنويا بنعتهم بالعمالة لجهات أجنبية وبقنص كرامتهم وآدميتهم، وماديا في قنص العيون وما حولها من أعضاء الجسم!

 

 التعقيل بقنص المال:

وذلك بالاستيلاء على الحساب البنكي للمعارضين وأموال جمعياتهم الخيرية وشركاتهم وبقالتهم وحتى الاستيلاء على أموال لاعب كرة رفع شعار رابعة، وشعار هذا كله: “إمشِ داخل الحائط فهو أحسن لك”!

 

التعقيل بالموت اختناقا في سيارة الترحيل أو السيارة المقبرة:

ثم انتقل التعقيل بطريقة أخرى بالقتل بالاختناق في سيارة الترحيل لسجن أبي زعبل ويستشهد 37 شهيدا من أصل 45 محبوسا في هذه السيارة المشئومة لمدة 6 ساعات وبعدما أجبروهم أن يسبوا مرسي ويهتف كل واحد بأنه “امرأة” حتى يفرجوا عنهم، وبعد ذلك قالوا لهم: نحن لا نتعامل مع نسوان!

 

التعقيل باغتصاب الشبان قبل الشابات أو الرجال قبل الإناث وخاصة في الحقبة الناصرية والحقبة السيساوية المعاصرة!

 

وماذا أقول فيها؟

هل هذا سلوك مصريين أصحاب حضارة سبعة آلاف سنة؟ كيف يرضى شرطي أن يفعل ذلك بإخوته المصريين؟

 

التعقيل بالموت البطيء في سجون عزرائيل:

في الوقت الذي أجد السجين في السعودية (وليس في دول الاتحاد الأوروبي) يدخل عليَّ في عيادة الجلدية لعلاج وشم، أندهش بفزع وبمرارة للدكتور طارق محمود الغندور أستاذ الجلدية والتناسلية في طب عين شمس الذي ينزف نزيفا حادا من المريء، ويترك بدون إسعاف حتى تنقل الروح الطاهرة إلى بارئها، وذاك الشيخ مرجان سالم يهمل بتعمد حتى لا يسعف ويموت، ويُترك الأستاذ محمد الفلاحجي عضو مجلس الشعب عن دمياط داخل سجن جمصة بتعمد بدون رعاية طبية حتى يموت.

 

 

 

احنا بتوع الأتوبيس

الدكتور طارق الغندور في نعشه

 

احنا بتوع الأتوبيس

الفلاحجي

 

والدكتور فريد إسماعيل ترك بدون علاج حتى فاضت روحه الكريمة في 13 مايو الماضي.

 

احنا بتوع الاتوبيس

الدكتور فريد إسماعيل

 

 

حتى المسن لم يرحموا شيخوخته؛ فالحاج جابر أحمد محمد أبو عميرة، البالغ من العمر 72 سنة، ومحكوم عليه بالحبس 3 سنوات بسجن برج العرب، وافته المنية اليوم الأربعاء 19/8/2015 وأنا أكتب هذه السطور. وكان مريضا بالسكر والضغط ويمشي على عكاز بسبب الخشونة في الركبة.

احنا بتوع الأتوبيس

جابر أبو عميرة

 

وتصعد الأرواح الطاهرة (أكثر من 200 روح حتى الآن) تشكو لربها ظلم العباد الذين قال أحدهم “ما فيش حد حن على المصريين”، وفعلا هل حكم مصر نظام كان أكثر حنانا على المصريين من هذا النظام الذي يترك المعتقلين المرضى بلا علاج حتى يرتاحوا ويموتوا وينسوا المرض والتعب والألم والآهات؟

 

التعقيل بالقتل المباشر في أقسام الشرطة:

ثم انتقل التعقيل إلى مرحلة جديدة بالقتل في أقسام الشرطة نفسها ولا داعي للاعتقال في السجن الحربي حيث لا مكان في السجون بعدما وصل عدد المعتقلين إلى أكثر من خمسين ألف!

 

فهذا المحامي كريم حمدي (26 عاما) يموت في 24 فبراير الماضي بعد يومين من احتجازه في قسم شرطة المطرية. وتقرير التشريح كشف تعرضه للتعذيب وكدمات وكسور في مستوى الأضلع وإصابات في اللسان وحتى في الأعضاء التناسلية!

 

وذاك إمام عفيفي ضحية قسم المطرية أيضا:

فقد توفى إمام العفيفي في 22 أبريل الماضي، وهو محام يبلغ من العمر 63 عاما، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى المطرية بعد نزيف في الجمجمة ناجم عن تعرضه للضرب! ومصطفى إبراهيم محمود 21 سنة يعلق في الهواء 8 ساعات ويصعق بالكهرباء في سلخانة قسم المطرية ويترك بلا علاج حتى يموت في مستشفى المطرية! وتمتد قافلة الشهداء في سلخانات أقسام شرطة مصر المحتلة إلى عماد أحمد محمد العطار ومحمد رمضان وعبده محمد وإسلام السيد وأحمد محمد إبراهيم ومصطفى محمد الأسواني وعزت عبد الفتاح الغرباوي ورمزي صلاح الدين!

 

ولم تردع الفضائح المدوية للقتل الممنهج في سلخانة قسم المطرية حتى فوجئنا اليوم الأربعاء 19/8 بقتل المعتقل صلاح عبد الحفيظ، 40 عاما، نتيجة عمليات التعذيب الوحشية التي تعرض لها على مدى 15 يوما داخل هذا القسم السلخانة! وشُوهد الشهيد قبل وفاته وعلى جسده آثار تعذيب ومقيد بالكلبشات في سريره بالمستشفى.

 

احنا بتوع الأتوبيس

الشهيد صلاح عبد الحفيظ

 

التعقيل بتصفية المعارضين في بيوتهم وعلى أسرتهم وأمام أطفالهم:

فهذه طريقة سريعة ومريحة للجلادين وهم يطبقونها تحت شعار “ليه نقبض عليك… لما ممكن نقتلك في بيتك”، كما تقول جريدة الشعب في 8/8/2015م، لذلك نجد خمسة قتلتهم الشرطة بدعوى الاشتباه في اشتراكهم في عملية قتل طفلة لضابط ومثلت الداخلية بجثث القتلى! ولا عزاء للقانون ولا ما يسمى بالدولة المصرية. وكل الذي عنده ثأر فليثأر بنفسه والدولة نفسها تفعل ذلك!

 

وكانت أسماء الضحايا التي تم التعرف عليهم كالآتي:

ربيع مراد ـ مدرس، عبد العزيز هيبة ـ مدرس، عبد الناصر علواني ـ مدير مالي، عبد السلام حتيتة ـ مدرس

احنا بتوع الأتوبيس

ونجد قوات الأمن تقوم بتصفية الشاب “مجدى بسيونى” داخل شقة بالعياط وكان على وشك لتسليم نفسه للأمن بعدما اشتبهوا فيه، ولم يكتفوا المجرمون بذلك، بل اختطفوا جثمانه حسب شهود العيان!

احنا بتوع الأتوبيس

مجدي بسيوني

 

 

حتى الأطفال لم يسلموا من القتل فضلا عن الاعتقال والتعذيب أو التعقيل:

فالطفل أحمد علي شحاتة ١٥ عاما يستشهد متأثرا برصاص مليشيات الانقلاب وغيره الكثير، حتى أنت يا حر! حتى الحر في شهر أغسطس الجاري اشترك في التعقيل وقتل ثمانية حالات داخل أقسام الشرطة غير العشرات خارج السجون.

 

(3)

إن التعقيل ليس موجها للضحايا السابقين وغيرهم، إنما للأحرار الصامدين حتى يجوس الخوف في نفوسهم وتستولي الرهبة على أرواحهم ويملأ الرعب أفئدتهم؛ فيتركوا طريق الجهاد والصمود ضد النظام الديكتاتوري الدموي الغير مسبوق في تاريخ مصرنا الحبيبة كله.

 

لقد حاول رمزي في فيلم إحنا بتوع الأتوبيس أن يُشهد السجناء أن “محمود” “وجدي العربي” قد مات بطريقة طبيعية، ولكن السجناء رفضوا وقاوموا هذا الجلاد بكل قوة حتى قتله الشاويش عبد العاطي ببندقيته بعدما استيقظ ضميره، أما الآن فشعار الداخلية:

 

“أن معارض النظام إرهابي ويستحق القتل في بيته وأمام أهله وعلى سريره وبدم بارد والورق ورقنا والدفاتر دفاترنا والطب الشرعي طبنا والقوانين -التظاهر والإرهاب وحتى الخدمة المدنية وغيرها ـ قوانيننا”!

 

إن الانقلاب المشئوم قد نشب أظافره القذرة السامة في وجه مصرنا الحبيبة فشوهها كثيرا وقزمها أكثر، إن مصرنا الحبيبة كانت واحة للأحرار الفارين من نيران الطغيان في بلادهم، وكان وجهها صبوحا غضا منيرا، ولكن نار الانقلاب لفحت هذا الوجه الغض فجعلته مشوها، وأضحى شعبها الطيب الكريم مقسما متفرقا وجعل كل واحد منا يريد أن يهاجر منها بلا رجعة.

 

إن مصر تئن تحت أقدام الطغاة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد