تمهيد

ترددنا قبل الثورة ولم نعلن دعمنا رسميًا للنزول ولم نكلف بذلك شبابنا بشكلٍ واضحٍ. وكان لنا العذر حينذاك. ثم ترددنا من باب “المشاركة لا المغالبة”, وما زلت مقتنعًا بعذرنا في ذلك الوقت. ثم أبدينا لينًا وتحاورنا مع من لا يشرف الحوار معهم, وقد كانت لنا حجة مقبولة حينها، وما زلت حتى الآن مقتنعًا بها.

ثم اتخذنا بعض المواقف التي خذلت تاريخنا فيما بعد, وقد كانت نيتنا سليمةً صحيحةً ولا أشكك في إخلاصها أبدًا. ثم اطمأننّا إلى غير ذي ثقةٍ تاريخًا وحاضرًا بهدف تجنب مجازر ومهالك، لكنها حدثت رغمًا عنا، لخسة ووضاعة اليد التي امتدت إليها أيدينا بالخير، وامتدت إلينا بالغدر والخداع. ورغم اتهام البعض لنا بالسذاجة في هذا، إلا أنني لا أرى ذلك إطلاقًا، وتفصيل ذلك له مكان آخر. ثم أحجمنا عن اتخاذ مواقفٍ بغية حقن الدماء وحرصًا على وحدة البلاد وتجنبًا لفتنٍ عظيمةٍ، لكنها كانت كلها غير مؤتيةٍ لثمارها لأسبابٍ عديدةٍ. كل ذلك يغفره علمنا بإخلاص النية, وحسن القصد, وشدة هول الفتن, وعظيم تآمر المتآمرين في الداخل والخارج، مع ضعف الشوكة وقلة الحيلة.

لكن، أن يستمر نمط التفكير كما هو، فهذا ما يحتاج إلى إعادة تفكير وإمعان نظر. وحديثي هنا من الناحية الدعوية بالدرجة الأولى لا السياسية منها. نعم أنا فقير في كليهما, لكنني أزعم أني إلى الناحية الدعوية منهما أقرب. لذا, فتركيزي على الدعوة هنا أكثر منه على ما لا أجيده من السياسة. فلست صاحب يد في التحليل أو الرؤى السياسية. لكنني عشت حياتي كلها تقريبًا في دعوةٍ هي الآن دمي الذي يسري في عروقي ونبض قلبي الذي يحييني. وكلما جد جديد أو طرأ طارئ، ربطت ذلك بدعوتي ومدى تأثير كلٍ منهما على الآخر. وشرعت في تحليل الأمر دعويًا وبينت كيف ننجح في استخلاص الدروس من هذا الموقف أو غيره.

وعلى هذا الدرب أسير فيما يخص الدعوة مع الثورة. ومما فات من زمن وما مرت من أحداث، أقول وبالله التوفيق: لا بد من وقفة نعيد فيها تنظيم الأوراق, نعيد فيها قراءة الأحداث, نعيد فيها مراجعة المعايير والموازين التي نقيس بها الأمور, نعيد فيها معايير الإنجاز لأهدافنا, نعيد فيها تقييم وسائلنا وأدواتنا, نعيد فيها آليات اتخاذ القرار فيما بيننا, نعيد فيها ترتيب صفوفنا وتأهيلها رأسيًا وأفقيًا, نعيد فيها خططنا لما هو آتٍ, نعيد فيها كل شيء دون الثوابت التي هي غير قابلة للتغيير بحال, والثوابت نوعان: ثوابت عقدية فهي لا تتغير ولا تتبدل، وثوابت فكرية وتنظيمية وهي مهما بلغت أهميتها فهي مطروحة على موائد الحوار حين الضرورة. قد يختلف معي الكثيرون فيما أقول. وأنا في ذلك مجتهد لا أزعم الحق كله معي, وقد لا يكون معي من الحق شيء, لكنني أجتهد فيما أعلم، وأسأل الله الإخلاص قبل التوفيق والسداد.

منذ زمن غير قريب وأنا أنادي بنظرة داخلية، تنتقد لتبني، وتراقب لتحسن، وتراجع لتطور، وتغير ما يجب تغييره للوصول إلى الأهداف المبتغاة. وفقت في النادر، ولم أنجح في الغالب منها. ربما لخلل في إخلاصي، يعلمه المطلع على القلوب وحده, وربما لقصر نظر أو قصر فهم مني للكثير, وربما لسوء عرضي وعدم اكتمال أفكاري أو وضوحها. لا سبيل إلا اتهام نفسي أولًا، إنصافًا لا تواضعًا. وربما لغير ذلك كله, ربما لجمود فكر من أتقدم إليه بالفكرة. ربما لخوفه من التغيير. ربما لنظرته الدونية لصاحب فكر التجديد، انتظارا منه لمجدد من كبار القوم أصحاب الباع الدعوي الطويل والنضال العريق.

ربما لتحجر دماغه على الاستقاء من خطه التوجيهي المعهود الذي لم ولا ولن يرى له بديلًا, بدعوى “وحدة التوجيه” وسوء فهمٍ لتلك المصطلحات التي طالما ظلمناها وهضمناها حقها ووضعناها في غير موضعها واستغللناها أسوأ استخدامٍ، حتى كرهنا بعضها ظلمًا لها وجهلًا بحقيقتها, وربما لعلمه بحالي واستكباره أن يأخذ الحق من فم مقصر، لا يراه من العباد النساك، أو الدعاة العلماء,  وربما لأنه لم يقرأ أصلًا ما قدمته بين يديه، انشغالًا على محمل حسن الظن، أو إهمالًا وتقصيرًا على محمل سوء الظن، أو استهانةً وتقليل شأنٍ على أكثر من كليهما.

لكن ذلك كله، وهو كثير فعلًا، لم ولن يمنعني من دوام طرق الأبواب. ولم ولن يصدني عن ابتغاء أبوابٍ أخرى غير تلك الأبواب التي صدئت أقفالها وضاعت مفاتيحها. أبحث عن أبوابٍ جديدةٍ, أبواب لها دماء تتدفق, وأرواح تثب نحو المعالي, لعلني أجد منها جوابًا يشفي غليلي, لعلني أجد من ورائها آذانًا مصغيةً عن وعيٍ وفهمٍ, لعلي أجد من خلفها قلوبًا مشتعلةً بالإيمان والحب, من غير وهنٍ ولا تهورٍ, لعلي أجد بها عقولًا تتقد تفكيرًا ونقدًا وإبداعًا, من غير ابتداعٍ ولا انحرافٍ ولا ضلال فكرٍ. ولهؤلاء الذين أبحث عنهم، أكتب هذه الخاطرة تحت عنوان “دعوتنا كما نحب”.

 

 مقدمة

لم يكن الإسلام يومًا لينصره العامة قدر نصرة فئةٍ واعيةٍ مدركةٍ له. وفي حال وجود قائدٍ ملهمٍ أو مجموعةٍ عالية الهمة من ناصري الإسلام في أنفسهم أولًا، تقود هذه الفئة كل العامة إلى النصر والتمكين بإذن الله و”لا يغلب اثنا عشر ألف من قلة”. نعم، فهم العامة الصحيح للمشروع الإسلامي ييسر الطريق, ويمهد السبيل, ويسرع بالنصر, لكنه ليس شرطًا بحال, ثم لما يأتي النصر, سوف يكونون هم أول السعداء به. لذا, كان على الفئة القليلة المؤمنة أن تخطط للبناء على المستوى الرأسي بالتوازي مع المستوى الأفقي, بمعنى أنها يجب أن تنهض بأفرادها, وتنميهم, وتصقلهم في جميع المجالات، تربويًا ودعويًا وسياسيًا واجتماعيًا وإداريًا… إلخ, بما تعنيه التربية الشاملة من معانٍ. هذا ما نادينا به الحركة الإسلامية منذ زمنٍ بعيدٍ وما زلنا نفعل. ارتقوا بأرواح أبنائكم وأخلاقهم وعقولهم وأجسامهم. أنتم أحوج إلى ترميم بنائكم، منكم إلى توسعته. وليكن “عبس وتولى” نذيرًا لكم وتحذيرًا. ولدك أولى بك من جارك!

– إذا اتفقنا على هذا، فالحركة مطالبة بإعادة النظر في مسارها بشكل جدي فهي تحتاج إلى:

 

* أولًا: تطوير البناء الداخلي من حيث:

١- تطوير المناهج التربوية بما يلائم المتغيرات في كل المجالات.

٢- تطوير وسائل التربية في إطار “الأصالة مع التجديد”.

٣- تطوير الخطط التربوية بما فيها من محاور وأهداف ومستهدفات ووسائل ومعايير إنجاز.

٤ – تطوير نظامي التقييم والتقويم بما يتناسب مع عظم المسئولية من ناحية وما يتوافق مع قواعد ونظم العلم الحديث من ناحية أخرى.

٥ – تطوير نظامي التوثيق والتضعيف وتفعيلهما في كل ما يخص العمل التربوي.

٦- تطوير قسم التنمية نفسه وتفعيله وإعادة النظر في “كيف” و”كم” تدريب وتأهيل الصف للمهام المختلفة.

٧- تطوير الهيكل التنظيمي والإداري وإعادة النظر في الوصف الوظيفي لكل جهةٍ أو مسئوليةٍ وكذلك إعادة النظر في شروط ومتطلبات كلٍ من أحقية التكليف الوظيفي وأهلية الشورى.

٨ – تطوير اللائحتين العامة والداخلية بما يفي بالتغيرات الحاصلة من ناحيةٍ, ومتطلبات المرحلة من ناحيةٍ أخرى وضمان مرونة وقابلية التغيير أو التعديل المستقبلي كذلك.

 

ثانيًا: تطوير البناء الخارجي، من حيث:

١- فطام الحزب والتحالف عن الحركة, مع وضع إطار عام لهما يضمن تطورهما وتكيفهما من ناحيةٍ, والمحافظة على الغاية والأهداف والمبادئ العامة من ناحيةٍ أخرى.

٢- تكوين هيئاتٍ ومؤسساتٍ جديدةٍ والانخراط في أخرى موجودةٍ فعليًا, تعمل في كل المجالات السياسية والاجتماعية والدعوية والعلمية وغيرها, في ظل إطار عام يحفظها من ذوبان هويتها.

٣- تطوير الخطاب الديني والسياسي والاجتماعي بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية والتمهيد لما هو آتٍ.

٤ – تكوين كيانٍ اقتصاديٍ كبيرٍ, وكياناتٍ أخرى صغيرةٍ ومتوسطةٍ, تتسم بالذكاء الاقتصادي وتضمن كلًا من التمويل والتأثير محليًا وإقليميًا ودوليًا.

٥ – تكوين كيانٍ إعلاميٍ كبيرٍ, وكياناتٍ أخرى صغيرةٍ ومتوسطةٍ, تتسم بالذكاء والاحتراف الإعلاميين وتضمن التسويق والدفاع والوقاية الإعلامية والدعائية, وكذلك التأثير محليًا وإقليميًا ودوليًا.

٦ – تكوين كياناتٍ ضاغطةٍ سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا ومجتمعيًا وحقوقيًا، بدايةً بالاستعانة بما هو موجود منها، وتخطيطًا واستهدافًا لإنشاء أخرى جديدة تضمن البقاء وتقي من الإفشال.

٧ – تكوين تحالفاتٍ قويةٍ ذات مصالحٍ أو توجهاتٍ مشتركةٍ في كل المجالات، تكون بمثابة حائط صدٍ ضد أي تأثيرٍ خارجيٍ، وعامل توحيدٍ فاعلٍ بين الفصائل الثورية والخدمية والدعوية وغيرها من الهيئات والكيانات مهما صغر حجمها.

٨ – تكوين كيانٍ معلوماتيٍ وبحثيٍ يرقى إلى مستوياتٍ عاليةٍ ومحترمةٍ ممن تملك المعلومات والبيانات والأخبار والإرهاصات والتوقعات والخفايا والأسرار، سواء كان تأثيرها إيجابيًا أو سلبيًا على المشروعين الإسلامي والوطني.

٩ – كشف النقاب عن أبجديات وتفاصيل المشروعين الإسلامي والوطني وتطويرهما والاستعانة بكل الخبرات والتخصصات لتدارك مواطن الخلل وضمان النجاح مستقبلًا.

١٠ – امتلاك وحسن عرض حلولٍ ناجعةٍ لكل المشكلات والمعضلات في جميع المجالات, تتسم بالواقعية والفعالية، وتتسم خطط تنفيذها بالتحديد أولًا، ثم بإمكانية قبولٍ وترحيبٍ من العامة “إن أمكن” ثانيًا.

ويحتاج ما ذكرناه آنفًا إلى تفصيل, نلتقي معه قريبًا بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد