يضرب لنا الرافعي على غرار غاردر كلامًا قيّمًا عن فلسفة الطفولة الفذّة، ليذكرنا بكم البعد البشري عن سر الخلق الأساسي الذي يحيك ذنوبنا وآثامنا ومطامعنا المادية حجابًا له لتغطيه؛ فلا يعد جليًّا لناظرنا بعد ذلك.

فيقول مصطفى: «الطفل يقلب عينيه في نساء كثيرات ولكن أمه هي أجملهن وإن كانت شوهاء، فأمه وحدها هي هي أم قلبه، ثم لا معنى للكثرة في هذا القلب». ليعطينا مثالًا واضحًا على اكتفاء قلوب أطفالنا ببضعة ماديات وهبت لهم فتكثر سعادة قلوبهم من هذه البضعة القليلة، فتراهم مندفعين للحياة بكل حب ووردية قانعين بما تملكه أنفسهم، وليذكرنا أيضًا بكمّ الماديات التي نغرق أرواحنا بها يوميًّا، التي لا تجلب لنا إلا مزيدًا من القلق والاكتئاب الوجودي، وكأن لسان الموقف الذي ذكره الرافعي يحاول إخبارنا بأنّ كل هذا لغفلة وأن هذه الغفلة لمن عمل الاعتياد والألفة. فمتى ما استقر في قلب الإنسان حب الرضا، استراحت نفسه ومتى ما استراحت نفسه فتحت لروحه أبواب السعادة.

ولعل أيضًا ما يميز صغار البشر عن كبارهم هو قدرتهم على الدهشة، فيخبرنا بهذا النرويجي غاردر في كتابه عن تاريخ الفلسفة قائلًا: «إن الميزة الوحيدة اللازمة لتصبح فيلسوفًا هي أن تندهش، كل الأطفال يملكون هذه الملكة، ويبدو أنها تضعف مع الكبر» فترى قلوبهم تعج بالمسرة عند سقوط أولى حبات المطر مثلًا، فيفكون رَسن قيدهم وينطلقون يستكشفون السماء من فوقهم لتتزاحم مئات الأسئلة في عقولهم محاولةً في تزاحمها أن تسبق غيرها في الخروج من نطاق الفكرة إلى الكلمة.

فعليًّا لا يمكن لي لوم أي بشريٍّ على فقده هذه المَلَكة؛ لأنني حينها أكون كالذي يلوم العجوز على ترهل جسمها وجلدها، فكلا الأمرين خارج عن نطاق قدرتنا نحن البشر. وأيضًا لا يمكن لي أن أطلب من القارئ أن يندهش للعواء والمواء والثغاء كصغارنا من الأطفال، فقطعًا لا أعتبر هذا من المنطق، لكنّ سرعة زوال دهشتنا الآدمية العاقلة (أي الخاصة بنا نحن البالغين) مخيفة، فترانا نُعْجَب بشيء يدخل علينا السرور نعتاده فنجري سعيًا للحصول على أي فرحة مماثلة في أي تجربة «جديدة»، لنُعيد الكرة ذاتها متناسين فضل تجاربنا السابقة علينا من سعادة وسرور ليقع كل شيء في النهاية فريسة الاعتياد القاتل، وذلك لأن السرور غالبًا لا يكون إلا في المستجدات على النفس وبداياتها.

فمِن المواقف التي لا تنسى لي عندما كنت طالبًا في السنة الأولى من كلية الطب هي فرحتي وزملائي بأولى محاضرات التشريح في المختبر، التي كانت مزيجًا من الفرح بذلك اللباس الأبيض مع الفرح بتلك القطع البشرية الموضوعة على الطاولات نتفحصها بعناية فائقة محاولين استذكار أبسط المعلومات لنناقشها ونراها عمليًّا أمامنا بعيوننا التي تحمل بكل نظرة شعاعًا من الشغف والحب والنور، ذلك النور الذي كان يبهت تدريجيًّا فترانا في السنة الثالثة نتراخى عن حضور تلك الحصص العملية غير آبهين بتلك العظمة التي زينّاها نحن لذلك المكان قبل سنين قليلة.

أعتقد أن المواقف المشابهة لذلك شتى، ولكن تبقى الفكرة واحدة، وأعتقد أيضًا أنه سيكون من الصعب علينا أن نتمكن من المحافظة على تلك الدهشة بالمقدار نفسه، فهي حتمًا ستقل، لكنني أدعو لفكرة الامتنان أولًا عن آخر، كأن لا تزدري مثلًا ذلك الهاتف النقال الذي فرحت لاقتنائه يومًا ما لمجرد نزول الأحدث منه، وأن تبقي ودّ العشرة والحب مع الذين تلهفت لمحادثتهم في البدايات، وأن تزور المكان الذي أعجبك وأدهشك بأدق تفاصيله في اللقاء الأول بكل حب وشوق، بل وأن تحافظ على جزيئة الشغف بتخصصك الذي حلمت يومًا بدراسته تلبية لغاية في نفسك؛ لأنه لَمِنَ الإجحاف أن نقابل البدايات الجميلة والمبهرة بالإهمال ممهدين الطريق لعجلة الأيام أن تجري عليها فتطحنها أمام ناظرنا لنغدو نادمين بقلوبٍ كلّها حنين لأشيائنا الجميلة، لأشياء لم نعطها العرفان الذي استحقته يومًا فخسرت لذتها الأولى.

يا صديقي العاقل الكبير خذ الحكمة من هؤلاء الفلاسفة الصغار بدهشتهم واندفاعهم، فخذها واندفع لترى وجودك جميلًا، فكما يقول الرافعي: الحياةُ الحياة، إذا أنت لم تفسدها جاءتك دائمًا هداياها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد