فى مقابلة أجريت عام 2010 مع «ستيف جوبز»، مؤسس شركة آبل، والذي يعتبر أحد أهم الشخصيات المؤثرة في تاريخ التكنولوجيا، سأله المحاور عن رأى أبنائه في «آيباد» الذى أنتجته شركة والدهم، والذي كان قد بدأ في الانتشار آنذاك، فرد جوبز على المحاور بتلقائية أن الأولاد لم يستخدموا الآيباد حتى الآن؛ لأنه بكل بساطة يقلل من استخدام التكنولوجيا في بيته. وقال أيضًا، في نفس المقابلة، إن أسرته تجتمع دائمًا على مائدة الطعام فى المنزل للنقاش فى أمور شتى أو لمناقشة كتاب ما، وأنه غير مسموح للأولاد إحضار أية وسيلة تكنولوجية على مائدة الطعام، الأمر الذي أثار دهشة المحاور؛ بسبب الإجابة غير المتوقعة من جانب جوبز. والحقيقة أنه ليس فقط ستيف جوبز من يفعل ذلك، وإنما أغلب مشاهير مجال التكنولوجيا يفعلون ذلك أيضًا في بيوتهم ومع أبنائهم.

أما في مجتمعاتنا العربية فقد بدأت، وللأسف الشديد، ظاهرة سيئة في الانتشار، تتمثل فى أن الآباء والأمهات أصبحوا يتساهلون فى أمر إفراط تعامل أبنائهم مع التكنولوجيا، بل ومساعدتهم على ذلك دون وعي، أو إدراك لخطورة هذا الأمر. فقد أصبح من الطبيعي أن ترى الأطفال في سن الرابعة والخامسة يمسكون في أيديهم «اسمارت فون» و«تابلت» أو «آيباد» ويلعبون بها ويحدقون فيها بالساعات. وأصبح الآن من السهل على الأم إذا ما أرادت الانتهاء من الأعمال المنزلية، دون إزعاج أو أراد الأب مشاهدة مباراة لكرة القدم، دون مقاطعة من الأطفال أن تكون طريقة الإلهاء وإسكات الأطفال، هي إعطائهم اسمارت فون أو تابلت؛ ليلعبوا عليه. أصبح هذا الأمر بالنسبة لأولياء الأمور هو الطريقة المثلى لضمان صمت أبنائهم وإلصاقهم في أماكنهم لساعات طويلة دون عناء، وهم لا يدركون جهلًا أو إهمالًا مدى خطورة ما يفعلونه بأبنائهم. بل إن الأمر تعدى في بعض الأحيان حدود ذلك، وأصبح بعض أولياء الأمور يتباهون بأنهم اشتروا لأطفالهم الصغار أحدث أنواع الهواتف والتابلت، وأن الأطفال يلعبون عليها بالساعات.

بالطبع، لست طبيبًا لأتحدث بدقة عن المشاكل الطبية التي سيعاني منها الأطفال مستقبلًا نتيجة للاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا، ولكن بالطبع لا يخفى علينا كخبراء في مجال الكمبيوتر كمية الأضرار الناجمة عن سوء استخدام التكنولوجيا، حتى للكبار، فضلًا عن الصغار، والتي منها على سبيل المثال، آلام العينين والرقبة والظهر…إلخ، من الأمراض الناتجة عن الإفراط الشديد فى الاستخدام، فضلًا عن عدم مراعاة الالتزام بقواعد السلامة والاستخدام الصحي. هذا بالاضافة أيضًا للعديد من الأمراض والمشاكل الاجتماعية التي قد تصيب الأطفال؛ نظرًا للإفراط في استخدام التكنولوجيا دون داع، ومنها على سبيل المثال، الإصابة بالكسل والميل إلى العزلة واحتمال الإصابة بالانانية والعدوانية، إضافة إلى حدوث مشاكل في التواصل الاجتماعي نتيجة لعدم قضائهم طفولة طبيعية مع أقرانهم من الأطفال. كما أثبتت الدراسات أيضًا أن الأمر قد يتحول فى أحيان كثيرة لإدمان فعلي يصعب التخلص منه.

ما الحل إذن؟ هل الحل هو أن نمنع أبناءنا تمامًا من استخدام التكنولوجيا؟

بالطبع لا نستطيع أن نمنع استخدام التكنولجيا كلية؛ لأنها أصبحت حتمية فى عالمنا الآن، ولكن ينبغي علينا أن نتحكم فى الأمر بما يعود بالنفع على أبنائنا. فبالرغم من أنه ليست هناك دراسات علمية ترجح ما هو السن الأمثل للأطفال لاستخدام التكنولوجيا، لكن أجمع الخبراء أنه يفضل تأخير الاستخدام بقدر المستطاع. وأن يكون التركيز فى السنوات الأولى من عمر الطفل على تنمية المهارات الأساسية، من قراءة وكتابة وممارسة رياضة…إلخ من الأنشطة الحتمية لتكوين شخصية الطفل، ثم نبدأ، بعد ذلك، فى المستويات العمرية الأكبر، باستغلال شغف أطفالنا بالتكنولوجيا فى إمدادهم بالمعلومات العلمية النافعة أو فى تسهيل العملية التعليمية عليهم. وهذا بالفعل ما يتم تطبيقه حاليًا فى العديد من دول العالم عن طريق ما يسمى بالتعلم الذكي Smart Learning وهو الطريقة التعليمية الحديثة، والتي تعمل على دمج التكنولوجيا بالعملية التعليمية، ولكن كما ذكرنا من قبل، لا يبدأ التعلم الذكي باستخدام التكنولوجيا فى وقت مبكر، وإنما بإدخال التكنولوجيا فى العملية التعليمية بدءًا من مرحلة k12 ، كما يحدث فى أمريكا وكندا والعديد من الدول الغربية. وفي برنامج التعلم الذكي في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تعتبر من أوائل الدول العربية الرائدة، في تطبيق نظام التعلم الذكي يبدأ استخدام التكنولوجيا من الصف السابع، أي ما يعادل الصف الأول الإعدادي في نظامنا التعليمي في مصر، وذلك حتى يكون الطفل قد أتقن مهارات القراءة والكتابة، وتخطى مراحل الحضانة والروضة والمرحلة الإبتدائية بشكل طبيعي.

نتمنى أن ينتبه أولياء الأمور إلى هذا الأمر، وأن تنحصر هذه الظاهرة قريبًا، ويبدأ الآباء والأمهات في التحكم بشكل فعال في استخدام التكنولوجيا داخل البيت، وإعادة توجيه استخدامها بما يعود بالنفع على أبنائنا وأطفالنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التكنولوجيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد