لدى قناعة أن طفلي الصغيرعبقري ومتميز مع تواضع مستواه في القراءة والكتابة. ولدى قناعة أيضًا أن هذه المناهج الدراسية التي يتم تدريسها للأطفال ليست صالحة لتقييم أدائهم أو مستوى ذكائهم أو استيعابهم أو قدراتهم.

ولدى قناعة أننا لم نتعلم بالطريقة الصحيحة، ورغمًا عن هذا نصر أن نعلم أبناءنا بنفس الطريق، وذات الأسلوب، ومع وصولنا لقدر لا بأس به من النجاح والتفوق الدراسى، فإننا وللأسف لا نتمتع بذات القدر من النجاح العاطفي والوظيفي والاجتماعي.

وعودة إلى صغيري العبقري الذي ينتظرني يوميًا خلف الباب عائدًا من عملي، ويلقي في وجهي عشرات الأوراق من الواجبات المنزلية في مختلف المواد الدراسية يستلمها يوميًا من معلمته المجتهدة المتعبة والتي أشفق عليها من كثرة الأوراق والاختبارات والتسميع والتدريس.

إنها تدرك جيدًا ما يريده الآباء والأمهات، إنهم يحكمون على جوده المدرسة وكفاءة المعلم بوزن الواجب المدرسي الذي يرجع به الطفل من المدرسة، وأيضًا بالضغط الذي يشعر به الطفل مساء كل يوم دراسي، والوقت الذي يقضيه مهمومًا مشغولًا ملتصقا فى مكتبه، ومنكبًا على أوراقه وواجباته وفروضه التي لا تنتهي.

أما أنا فأشفق جدًا على تلك المعلمة المسكينة، وأشفق على صغيري العبقري، وأشفق على نفسي من القيام بثلثي الواجبات نيابة عنه، حتى يرضى عني وعن أمه، ويوافق أن يذهب للمدرسة فى اليوم التالي.

ما سبب هذا الداء الذى توارثناه جيلًا بعد جيل، إن العلم هو الواجب، والواجب هو الكتابة، وحتى تعليم اللغة العربية، والإنجليزية نحن نتعلمه بنفس الطريقة العقيمة، ومع أن المتخصصين يقولون إن مهارات اللغة أربع «الاستماع – القراءة – التحدث – الكتابة»، إلا أننا لا نطبق هذا ولا نتعلمه.

ولعل هذا يفسر ضعف مستوانا نحن فى اللغة الإنجليزية، وأننا لا نتقن إلا الكتابة والقراءة، ولا نعرف شيئًا عن التحدث والاستماع.

ما هذا الذي نفعله بأولادنا، لنصنع منهم كتبة محترفين، ونرسلهم لمدارس تدرب عضلات أيديهم لحد الإجهاد والتعب، ولا تدرب عضلات عقولهم، ولا تكسبهم مهارات الحياة والعلاقات والحب والعمل والثقة في النفس.

إنها تقتل إبداعهم وفضولهم، بل تتسب فى عاهات نفسيه تلازم الطفل مدى الحياة.

لماذا نحن، وحتى النخبة منا لا يريدون التغيير؟ لا يريدون المعرفة، لا يريدون أن يدركوا أن التعليم يجب أن يكون ممتعًا نشطًا وجاذبًا للطفل، ومسعدًا له؟

إن تعليم أطفالنا بهذه الطريقة العقيمة، هى قتل لإبداعاتهم، وأفكارهم، وابتكاراتهم، إن أولئك المعلمين الذين يركزون على الكتابة والواجبات هم فقط نسخ مكررة من آبائهم وأمهاتهم، و يريدون أن يكرروا نسخهم فى هولاء الأطفال المساكين.

لست أدرى من قال: إن الطفل يجب أن يتم تثبيته بمسامير فى مقعد وطاولة طول الوقت، حتى يتعلم، وأن الطفل الذي يتحرك من مكانه لن يتعلم؟ إن هدوء الطفل الدائم وثباته والتصاقه بمقعده دليل على مشكلة صحية أو نفسية، إن أى طفل طبيعى يحب أن يتحرك ويلعب و«يفط وينط»، هو طفل فى أى مكان.

هو يريد أن يتعلم باللعب، أو يلعب وهو يتعلم، أو يتعلم وهو يلعب، ليس من سبيل غير ذلك. إن يومًا كاملًا من اللعب والمرح ينتهي باكتساب معلومة واحدة يرغب طفلي باكتسابها، أفضل مئات المرات من يوم مليء بالضغط العصبي سعيًا وراء الإنجاز و الكمال.

أما أنا، فقد حاولت جاهدًا أن أوصل وجهة نظرى للمعلمة، ولكن زوجتى منعتنى؛ بدافع غيرتها، أو بدافع قناعاتها، ومعظم الأمهات بكفاءة المعلمة واهتمامها وتفانيها في العمل.

فقررت أن أهرب من جلسة التحقيق والتأنيب، والتى نسميها كذبًا المذاكر، واصطحب ابنى العبقري إلى الحديقة والهواء الطلق، وأخفف من آلامه النفسية ومعاناته اليومية، وأن أشاركه التعلم باللعب، وأن أعلمه القراءة من لافتات الشوارع والاستماع لأصوات الطيور، وألا أهتم كثيرا بالكتابة والنسخ. وقد اشترطت على صغيرى أن نتقاسم الواجب سويًا، كل حسب حجمه وحسب وزنه.

إن العالم تغير من حولنا، ونحن لا نرضى أن نرى أو نسمع أو نتعلم، حان الوقت لأن نتحول إلى التعليم المرح الممتع الجاذب للطفل، وأن نستعين بمصادر التعليم الممتع والمتوفرة على الإنترنت.

أدركت أننى تعلمت فى مدرسة منذ ثلاثين عامًا ذات صفوف ثلاثة، وسبورة، وإنه ليس من العدل أن أورث ابنى ذات المقعد والمنضده وذات السبورة.

فابنى عبقرى مثل الطير المحلق فى السماء يملك الحلم والأمل والإبداع لايمكن أبدًا أن يعيش في الماء، مثل الأسماك أو يحفر بيتًا فى الأرض، مثل الأرانب.

هو مازال عبقريًا ومبدعًا، بدليل أنه لم ينخرط فى تلك المنظومة العقيمة التى نسميها مجازًا تعليمًا.

مصادر للتعليم الممتع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد