من كان يعتقد أننا نعيش في وقت غير حاسم من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية فلينظر جيدًا، فوارسو وسوتشي قد وضحوا لنا المشهد حيث أظهرا لنا التحالفات وقياداتها وأعضاءها.

هذا المشهد الذي يمثل بداية الجزء الثالث والأخير من الحرب العالمية الثالثة. هذا المشهد الذي أعادنا لأيام الحرب الباردة وأعلن للعالم صراحة بانتهاء عصر القطب الواحد وبداية عصر تعدد الأقطاب في هذا العالم. هذا المشهد الذي يضعنا في موقع الاختيار ليس فقط كدول، ولكن كجمعات وتجمعات وأفراد أيضًا.

نعم نحن نعيش في وقت حاسم لا يقل خطورة عن 1948 أو 1956 أو 1966 أو 1967 أو 1968 أو 1969 أو.. 2019. قدرنا أن نعيش في هذه البقعة في العالم حيث تجسدت بها كل صراعات الأرض وانبعثت منها الأديان الإبراهيمية ونشأت من أنهارها حضارات الأرض. نحن الذين ولدنا على حجر من أم واحدة وعدة أباء منهم السومري والأشوري والرومي والعربي على رأي محمود درويش. نحن من كنا نحمل على عاتقنا دومًا هم الاختيار فقد كنا دائمًا نختار أن نقف مع أحد الأطراف ضد الآخر، ولكننا وللأسف لم نقف بصف أنفسنا أبدًا.

وهذا لأننا انتهينا أو بالأصح نقل صك تملكنا من احتلال تركي متخف تحت اسم الخلافة العثمانية، إلى استعمار مباشر من قبل المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، إلى زعامات وقيادات ورثت شعوب ضعيفة مغيبة وغير مثقفة وبلدان إما قليلة الموارد لم تملك سيادتها أو غنية الموارد، نهبت مواردها من قبل عصابات على شكل حكومات، إلى ثورات صورية أو الأصح ثورات نفطية جاءت مع اكتشاف النفط، واستمرت ثلث قرن من الزمان هدفها تجهيل الشعوب واستعبادها فالشعب بالنسبة لها هو كيان جاهل لا يصلح لأن ليعرف الحقيقة، إلى ثورات الربيع العربي إلى ثورات سميت بالمضادة وهي ارتدادية بامتياز إلى تغير دساتير لخلق أنظمة دكتاتورية.

بغض النظر عن العمق التاريخي لهذا الاختيار وعن مقدار حرية دول المنطقة في هذا الخيار وعن جهوزية شعوب المنطقة من حيث ارتباطها بالواقع لأخذ هذا الخيار، فإن هذا الخيار مفروض علينا شئنا أم أبينا.

فهل سنختار الانحياز إلى معسكر وارسو ذي الفكر التوسعي الاستعماري الذي زرع في قلب وطننا العربي سرطانًا اسمه إسرائيل الذي يتحكم بمقدراتنا وسياستنا الداخلية والخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هذا المعسكر المسئول عن ثورات الربيع العربي التي لم تكن ناضجة فكريًا، والمسؤول أيضًا عن الثورات الارتدادية، المعسكر الذي أعاد العراق، ومصر، وليبيا للعصر الحجري، هذا المعسكر الذي بدا بالانحلال فها نحن نرى رفض مسؤولة السياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي المشاركة في وراسو وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي لألمانيا، فالغاز الروسي لذيذ الطعم وفرنسا فالاتفاقيات مع إيران مردودها لذيذ أيضًا.

أم سيكون خيارنا الوقوف بجانب معسكر سوتشي، بجانب الصين التي لم تعجبها هذه المواجهة المباشرة، وتركيا ذات الفكر التوسعي والحلم بعودة الخلافة والتي جاء قرارها بالانضمام لمعسكر سوتشي متأخرًا كعادتها وإيران الدولة الدينية القائمة على رفض الأخر ونشر الدعوة الشيعية والتي تتعارض مصلحها تركيا، وروسيا قائدة هذا المعسكر التي تريد حماية مصالحها والوصول للمياه الدافئة، هذا المعسكر الذي لم نجربه والذي حورب عن طريق الفتن الطائفية بين السنة والشيعة ومحاربة الصوفية وعن طريق الفكر الوهابي الذي حارب الشيوعية والاشتراكية بأوامر الولايات المتحدة الامريكية على مدار 60 عامًا مضت.

كلا الخيارين صعب وكلا الخيارين مدمر فالحرب بين المعسكرين ستدور رحاها في بلادنا سندفع فاتورة هذه الحرب بدمائنا ومستقبل أولادنا، سنرجع كما العراق وسوريا وليبيا ومصر 100 عام إلى الوراء.

ام سيكون خيارنا هذه المرة الوقوف بجانب معسكرنا نحن، وتأخذ الشعوب زمام الحكم من الأشخاص والحكومات التي تلعب في أقدارها وترفض التدخل في هذه الحرب وهو من المستحيل لأننا نحن غنائم هذه الحرب أو سندافع عن أنفسنا وأراضينا ووطننا العربي ومستقبلنا وهذه ستكون الثورة حقيقية القائمة على فكر حقيقي لن يكون هم هذه الثورة عيش، حرية، عدالة اجتماعية سيكون هدفها حقها بالوجود، ستكون ثورة ضد مستعمرينا وواجهاتهم، ستكون ثورة طويلة ومكلفة جدًا كثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ملايين منا سيضحون من أجل حقنا بالوجود، ستكون ثورة شعب على الجميع، سيخرج لهم الشعب من النوافذ والشُرف والأبواب والأزقة، هذه أم الثورات.

هل أتى الوقت لتجديد الاتحاد بين مصر وسوريا وانضمام العراق معهم؟ هل سنتخطى كل الفتن الطائفية والفكرية، ونتذكر أننا ندافع عن وجودنا؟ وهل سنسترجع هذا الجسر البري، هذا المثلث؟ قطعة الأرض هذه التي ستوحدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد