لم يكن سير الإنسان سوى مجموعة من الخطى المتعثرة، فتجتمع تلك السقطات غير المكتملة لتصير خطوات، رفيقا لوحدته بدأ رحلته للمجهول خلال نهر التاريخ على سفينة تروسها الصراع، يدفعه خوفه للتشبث بقوة بدفتها وينمو بين أحشائه اغترابه، فأخذت سفينته تعلو وتهبط وتصارع الموج حتى رست به هنا والآن.

وها هم يقابلونك في كل مكان، بشرٌ تعج بهم الطرقات وعربات الباص وعربات المترو، يصيحون لكي يبيعوا بضاعة رديئة على أرصفة الطريق أو أمام مخارج المترو، مثل كلمة مترو المستوردة تكون بضاعتهم مصنوعة في بلاد بعيدة، مفتعلون في تفاعلاتهم، في ضحكاتهم العصبية التي تخفي تعاستهم، أو جديتهم لجذب انتباه الآخرين، أو ودهم المقنع، أجسادهم الباردة اللزجة، يتصبب العرق فوق جبينهم وتفوح روائح أنفاسهم في المكان، تلاحقك نظرات الحرمان والكبت في عيون الشباب والشابات، محاولات بائسة يبذلها ذكر ليحيط أنثى بالأمان بعيدًا عن أجساد الآخرين، تمتد بنايات مرتفعة تعج بأمثالهم، تماثيل مكررة ونسخ مقولبة تتحرك بنفس الدوافع لنفس الأهداف، وبعيدًا تنتشر مدن كرتونية من ورق، مصممة داخل أسوار عالية يعيش بداخلها نماذج مقولبة في قالب مختلف.

بين سكان مدينتنا شاب دائم التعثر بتماثيل المثاليات المهشمة، يدور في دوائر مفرغة داخل معبد الوطن المظلم بحثًا عن هوية، أو يجلس قانطًا على إحدى تلك التماثيل منتظرا أجله المحتوم.

أو فتاة أسيرة جسد أنثوي تعيش بداخل قفص آخر من سلطة أبوية لمجتمع موبوء.

كل شيء يدعو للضجر،  كل شيء في مدينتنا مزيف، جولة وحيدة في مدينتنا وسيغزوك إحساس بالغثيان وتملؤك شفقة على تلك الكائنات التعيسة،

فلنصلي لنبي يأتي سعيًا يصيح فيسمعه أهل مدينتنا كلهم، يا قوم ماذا تفعلون؟!

لعلهم يتوقفون للحظات عن الصيحان ويدركون أن هناك شيئا ما خاطئًا هناك شيء ومنذ هذه اللحظة يجب أن يتبدل وللأبد، ما يحدث خطأ بداهة يُنشط إحساس نفور مشابه عندما تقرأ عن عنف مُمارس على طفل أو تمثيل بجثة قتيل.

أو لا أقول نبيًّا فليكن فيضانا! نحن بحاجة لفيضان ليغرق مدينتنا فيغسل أهلها من الآثام، فنصحو على عالم أطهر لا يعج بكل ذلك الضجيج، نصحو على أناس لا يفترشون الطرقات ولا يمشون هرولة كأنعام مسيرة، فيضان يدفن تحته كل تلك المباني القبيحه ويستبدل بها أشجارًا وغابات، فيضان لا يهلك ولكن يطهر، يُخرج من مائه بشرًا أصليين، قادرين على الفعل، الفعل الأصيل النابع من إرادة صاحبه الحرة وليس رد الفعل الخارج من خوف، خوف أن يلتهمك العالم أو تموت بلا ذكرى، بشرًا قادرين على الاندهاش وبعيدا عن بناياتهم التي تحجب الشمس تلقي عليهم الشمس في مولد ذلك اليوم لعنة جميلة فيصيرون من بعدها قادرين على رؤية الجمال في الغابات بدلا من أبنيتهم، أحلم بأطلال مدينتنا وسطها يجلس بشر، أناس حقيقيون ويتحدثون بغير صياح ولأول مرة يكون حديثهم أصيلًا ليس مزيفًا.

في النهاية ما غاية الإنسان؟ هل هو إحساس بالقوة؟ أم رغبة في اللذة؟ أم إحساس بالسعادة؟

ما يحدث ليس له سوى نتيجة واحدة، كلها محاولات للإلهاء أن تخلق حربًا وتدمر طبيعة وتقتل طفلًا  كل ذلك غير مبرر سوى بمبرر وحيد هو أن تتناسى أنك هنا ولفترة وجيزة فتلجأ للهو جبنًا أو للتشبث يأسًا، وبكل أسف إننا مجموعة من الجبناء يخافون الموت فيحاولون الهروب بشتى الطرق ولتعاستهم تزيدهم محاولاتهم للهروب بؤسًا، فيا أهل مدينتنا سيأتي نبيٌ يدعو لمرور نبيل، بين يديه فيضانٌ مطهركم، صومعته بعيدًا عن مدينتكم، فمن كان منكم مريدًا أن يتطهر وقادرًا على الكف عن الضجيج فليتبعنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مدينتنا
عرض التعليقات
تحميل المزيد