لو جاءنا أحدهم وسأل أين سوق النخاسة ليشتري عبدًا، لكانت السخرية والاتهام بالجنون هي من حظوظه الأولى من ردود أفعالنا، ولو تجادل معنا بأن شراء العبيد حلال في ديننا الحنيف ومذكور في الكتاب الكريم، لحكمنا عليه بالسجن تنفيذًا للقانون، وسينكر الجميع عليه كلامه ذلك؛ لأن الرق اليوم أصبح شيئًا مشينًا لا يستطيع أحد ممارسته، غير في بعض أماكن سرية، محرمة ومجرمة بالقانون دوليًّا.

فقد توصلت البشرية لتحريم العبودية بوصفه شيئًا يتنافى مع العقل والمنطق والإنسانية، وبالرغم من وجود نصوص دينية كانت تدفعنا للخروج من ذلك المنزلق الإنساني، وفتحت الباب لحرية العبيد منذ أكثر من 1400 عام، ككفارة عن العديد من الذنوب، هذا غير وضع الكثير من الحقوق والحدود حين التعامل مع الرقيق، فإننا لم نصل لمنع تلك التجارة الآثمة بالشكل الذي نراه اليوم إلا بعد سنوات طويلة، بداية من حكم الخديوي سعيد 1854 في مصر، حتى حظرت نهائيًّا في بلادنا العربية بالسعودية عام 1962.

إن التحول من فكرة اعتياد تملك إنسان إلى تجريم هذا الأمر، ليست بعيدة عن موضوع تحرير المرأة، فوضع المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يشوبه الكثير من المشكلات والتعقيدات؛ لأنه ما زال يخرج علينا من يقلل من وضع المرأة، ويكلمنا عن تبعيتها للرجل، وأن عليها خدمته وإمتاعه، ويكلموننا عن ضرب المرأة، وكيفية ضربها، متغافلين أو متعمدين غلق الباب الذي فتحته نصوص القرآن بالنسبة لوضع المرأة كإنسان يتساوى في إنسانيته مع الرجل، وليست مخلوقة لها رتبة أدنى منه بأي حال من الأحوال. بل نجد كثيرًا من المواضيع تُقدم لنا كمسلمات بأن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، وعليها أن تسجد لزوجها إن كانت ساجدة لغير الله، وأن لأي ذكر بالعائلة حق الولاية على المرأة، حتى لو كان ذلك الذكر ابنًا لا يتعدى الثامنة عشر، وتلك المرأة أستاذة جامعية، ويستشهدون بنصوص آحاد، تتناقض مع آيات صريحة في القرآن، وكأنهم يلغون الآيات التي تتكلم عن النفس الواحدة التي خلق منها آدم وحواء، وعن الحساب الذي سيجريه الله على الاثنين سواء بسواء، وكما قال الإمام محمد عبده ( 1849- 1905): «الإسلام لا يفرّق بين الرجل والمرأة من حيث الذّات والإحساس والشعور والعقل، فيمكن بالتالي وبناء عليه أن تتحقّق المساواة الكاملة بين الجنسين».

بل يتعمد البعض عدم الحديث عن آيات بعينها مثل آية الملاعنة الواضحة «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يِكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءَ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ» سورة النور، وكيف عالج القرآن هذا الأمر برؤية تختلف عما نسمعه من غلظة وعنف تُعامل بهما المرأة في أوضاعها العادية، وأوجه الخلاف اليومية، فما بالنا بذلك الوضع الحرج! ولا نسمع لهؤلاء صوتًا في الحديث عن حقوق المرأة المادية، ونحن نعلم أن كثيرات من النساء لا يستطعن أن يتحكمن في مالهن أو يتملكن ميراثهن.

 فهؤلاء يؤمنون ببعض الكتاب ويعطلون بعضه، يريدون إلغاء جهد الكثيرات ممن عملن في خدمة قضايا المرأة بغية تحريرها، مثل السيدة ملك حفني ناصف (1886- 1918)، وهدى شعراوي (1879- 1947) وغيرهن كثيرات حتى يومنا هذا، ويطمسون على أفكار تنويرية خرجت من علماء أكفاء مثل رفاعة الطهطاوي (1801- 1873) الذي قال: «ليس هناك نقص طبيعي في تكوين المرأة عن الرجل، وأن ضعف الصفات البدنية لدى المرأة لا يعني ضعفًا في القدرات العقلية»، وكأن هؤلاء يريدون محو كل خطوة تقدم بها أجيال من الأحرار.

لذلك فنحن نحتاج إلى رؤية أمينة مختلفة لوضع المرأة، نتحدث فيها عن حلول تتناسب وروح العصر، تبعدنا عن ذلك الفقه الأبوي المتحجر منذ قرون طويلة، وعن تلك التفسيرات الغريبة لنصوص آحاد أو ضعيفة، أوعن تفعيل نصوص لا يمكن لنا تطبيقها اليوم، بعد كل تلك المتغيرات التي طرأت على حياتنا، علينا أن نعمل عقولنا لإيجاد حلول عملية تخرج من منظور ديننا الحنيف، لتأخذنا لأماكن أرحب من تلك الدعوات بالبقاء في دوائرنا المغلقة بالجمود والتخلف، فتحرير المرأة جزء لا يتجزأ من تحرير الإنسان، وكما استطعنا الخروج من مأزق العبودية والرق، على المرأة أن تأخذ كافة حقوقها المشروعة التي أعطاها إياها من خلقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد