وكأن ثورة لم تكن، وكأن شيئًا لم يحدث، يعاد السيناريو مره أخرى بنفس التفاصيل والاختلاف الوحيد الذي يطرأ هو كيف ستكون النهاية ففي مايو (أيار) 1980 إبان حكم الرئيس السادات أراد أن يقوم ببعض التعديلات الدستورية، وخاصة مادة رئيس الجمهورية لكي تتيح له الترشح لعدة مدد، ولا تقتصر على مدتين، كل واحدة منها تكون ست سنوات كما كانت.

وبحنكته السياسية المعهودة استطاع الرئيس السادات جذب انتباه المجتمع المصري، ودغدغة مشاعره، وإبعاده، وعدم لفت انتباهه لماده الرئاسة بقيامه بتغيير المادة رقم اثنين في الدستور، ويضيف إليها بجانب أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، بدلًا عن «مصدر»، وبحكم أننا مجتمع إسلامي في المقام الأول، وثانيًا بأننا شعب متدين بطبعه.

وبمساعدة بعض الساسة والإعلاميين المتواجدين على مر العصور الذين يبايعون قرارات السلطة الحاكمة بغض النظر عن مدى ديمقراطية ما يفعلون، أو لا، ويكون شاغلهم الأول الاقتراب للسلطة لتحقيق مصالحهم، تم طرح التعديل لاستفتاء شعبي، وبالفعل جاءت نتيجة الاستفتاء على التعديل بنعم، إلى أن تم استشهاد الرئيس السادات في العرض العسكري على المنصة في الحادثة المشهورة.

ولم يتمتع الرئيس السادات بالتعديلات الدستورية التي أقرها من قبل، ولكن هذا لا يمنع أن الرئيس السادات كانت له إنجازات وإخفاقات، ويعتبر نصر أكتوبر 1973 من أهم إنجازاته، ولكننا نتحدث عن فكرة الديمقراطية، ومفهوم تداول السلطة الذي لا نراه في مجتمعاتنا العربية.

وبعد اغتيال الرئيس السادات وتولي الرئيس المخلوع حسني مبارك السلطة وانتقالنا لمرحلة جديدة كان دائمًا يقول: إن الدستور خط أحمر، ولا أحد يستطيع الاقتراب منه، ولكن في 2005 قرر مبارك بتغير وجهة نظره ودعا إلى مبادرة لتعديل المادة 76 من دستور 1971 التي كانت تنص على أن اختيار رئيس الجمهورية يكون عن طريق الاستفتاء بعد ترشيح مجلس الشعب لشخص واحد للرئاسة، ومن ثم القيام باستفتاء شعبي للموافقة عليه، وبالفعل تمت الموافقة عليه من مجلس الشعب، وطرحت التعديلات للاستفتاء وتمت إقرارها، وأعلنت المعارضة التي كانت تتواجد على الساحة وقتها رفضها لتعديل هذه المادة، بسبب أن هناك إضافات وشروط وضعت للمادة في شكلها الجديد جعلتها تعجيزية وتخدم ملف التوريث، بينما قالت الحكومة والحزب الحاكم إنها ضرورية وأصبحت المادة كالآتي:

«ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السرى العام المباشر ويلزم لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية أن يؤيد المتقدم المستقل للترشيح 250 عضوًا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب والشوري والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات على ألا يقل عدد المؤيدين عن 65 من أعضاء مجلس الشعب، و25 من أعضاء مجلس الشوري، و10 أعضاء من كل مجلس شعبي محلي للمحافظة من 14 محافظة على الأقل، واستكمال الـ20 الباقين من المجالس النيابية والمحلية كما ينص على أن للأحزاب السياسية التي مضي على تأسيسها خمسة أعوام متصلة على الأقل قبل إعلان فتح باب الترشح، واستمرت طوال هذه المدة في ممارسة نشاطها مع حصول أعضائها في آخر انتخابات على نسبة 5% على الأقل من مقاعد المنتخبين في كل من مجلسي الشعب والشورى أن ترشح لرئاسة الجمهورية أحد أعضاء هيئتها العليا وفقًا لنظامها الأساسي متى مضى على عضويته في هذه الهيئة سنة متصلة على الأقل».

وفي عام 2007 قام الرئيس المخلوع بعمل تعديلات لـ34 مادة أخرى من الدستور، ولم يتمتع بأي من هذه التعديلات بسبب قيام ثورة الـ25 من يناير التي طالبت برحيل مبارك بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، وملف التوريث، وقام على أثرها مبارك بتسليم السلطة للمجلس العسكري لإدارة شؤن البلاد وقام المجلس في 13 فبراير (شباط) 2011 بإصدار إعلان دستوري يعلن فيه الآتي: «تعطيل العمل بالدستور وتشكيل لجنه لوضع بعض التعديلات على الدستور وطرحها للاستفتاء الشعبي».

قامت بعض القوي الإسلامية وقتها بتأييد وحشد مؤيديهم للموافقة على التعديلات، وعرفت وقتها باسم معركة الصناديق، والتي كان من أبرز المواد المستفتي عليها تشكيل لجنة لتقوم بكتابة الدستور ومرت التعديلات بالموافقة وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 30 مارس (آذار) 2011 إعلان دستوري يتكون من 63 مادة تتضمن أغلب المواد التي تم الاستفتاء عليها، بالإضافة إلى بعض المواد الأخرى.

وفي مارس 2012 بدأت أولى جلسات اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور بعد سلسله نقاشات منها المعترض والمؤيد من جميع الأطراف على كيفية اختيار أعضاء اللجنة وفي أي (نيسان) 2012 أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا ببطلان تشكيل الجمعية برمتها، مما اضطر البرلمان بتشكيل جمعية أخرى بعد حكم حل الأولى لتقوم بكتابة الدستور، وعقب انتهاء التصويت للانتخابات الرئاسية قام المجلس العسكري في يونيو (حزيران) 2012 بإصدار إعلان دستوري مكمل للإعلان الدستوري السابق مارس 2011.

وفى الـ30 من يونيو 2012 يتولى الرئيس المعزول محمد مرسى مقاليد الحكم في البلاد، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2012 قام الرئيس المعزول بإصدار إعلان دستوري يلغى الإعلان الدستوري الصادر في يونيو 2012 الذي أصدره المجلس العسكري قبل تولي مرسى الرئاسة الذي قوبل باعتراض كبير من قوي المعارضة المتواجدة في الشارع المصري، وكانت من أهم مواد الإعلان الدستوري الجديد هي تحصين الإعلانات الدستورية والقوانين الصادرة عن رئيس الجمهورية وتحصين الجمعية التأسيسية الحالية المكلفة بوضع الدستور من أن يقوم القضاء بحلها وتعيين نائب عام جديد وإعادة المحاكمات.

وفى الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) تم إقرار الدستور المصري 2012 بعد الاستفتاء عليه من قبل الشعب وتوالت الأحداث السياسية المشتعلة في البلاد إلى أن قامت ثورة الـ30 من يونيو التي قامت بعزل مرسى من منصبه ونص الإعلان الدستوري الذى تلاه وزير الدفاع السابق المشير عبد الفتاح السيسي ومعه أغلب القوى السياسية المتواجدة على الآتي: «تعطيل العمل بالدستور ويؤدى رئيس المحكمة الدستورية العليا اليمين أمام الجمعية العامة في المحكمة كرئيس مؤقت للبلاد لحين إجراء الانتخابات ويحق للرئيس المؤقت إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية، وتشكيل لجنة تضمن كل الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذى تم تعطيله مؤقتًا».

وفي يناير 2014 انتهت اللجنة المختصة بتعديل بعض مواد الدستور، وتم الاستفتاء علية وجاءت نتيجة الاستفتاء بالموافقة على التعديلات ليصبح لدينا دستور 2014 وتجري الانتخابات الرئاسية في البلاد، ويفوز المشير عبد الفتاح السيسي بمنصب رئيس الجمهورية وتمر فترة ولايته الأولى التي كما نص الدستور 2014 الذي تم الاستفتاء عليه من قبل الشعب تكون فيه مدة الرئاسة أربع سنوات، ويستطيع الرئيس أن يقوم بترشيح نفسة لولاية ثانية تكون مدتها أربع سنوات فقط لا غير، ويقوم الرئيس السيسي بترشيح نفسة مرة أخرى، ويقوم بحلف اليمين الدستوري في يوليو (تموز) 2018.

وفي عام 2019 نرى طلبًا من قبل بعض أعضاء البرلمان الحالي بتعديل بعض مواد الدستور الحالي، والتي من أبرزها مادة رئيس الجمهورية لتجعلها في التعديل الجديد أن تصبح فترة الحكم ست سنوات، بدلًا عن أربع سنوات، واستحداث مادة جديدة تسمح للرئيس الحالي بإمكانية ترشيح نفسة لولايتين رئاسية مرة أخرى، بعد انتهاء مدته الحالية في 2022، وكالعادة رأينا بعض المنابر الإعلامية والسياسية الموجودة على الساحة المصرية الآن يتحدثون أنها تعديلات ضرورية لاستكمال البناء والتقدم، والحديث هنا ليس على فكرة تعديل، أو حتى أن وصل الأمر إلى إلغاء الدستور وكتابتة دستور جديد مرة ثانية، ولكن الفكرة تكمن في مادة الحكم لرئيس الجمهورية، وقد قامت ثورتان وكان من أهم مطالبهما فكرة تداول السلطة، والابتعاد عن الانفراد بالحكم مدى الحياة، وضخ دماء جديدة بسياسات جديدة كل فترة، وفي النهاية تم التصويت على التعديلات المقترحة بتاريخ 14 فبراير (شباط) 2019 داخل مجلس النواب، وجاءت نتيجة التصويت برفض 17 عضوًا من أصل 485 عضوًا وافقوا عليها، وفي انتظار الموعد الرسمي لإقرار التعديلات بعد طرحها للاستفتاء الشعبي.

 ونعيد الكرة مرة أخرى لنقطة الصفر، وكأن ثورتين لم تحدثا، وفكرة السلطة المطلقة للشخص الواحد هي السائدة منذ سبعينات القرن الماضي، ولم تتغير حتى الآن.. «دستور يا أسيادنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد