هل فعلًا ثقافتنا سر خيباتنا؟ هل ثقافتنا لها يد في ذلك؟ هل ما نقرأ يساعدنا أم يزيد من ضررنا ويفاقم من مصيبتنا؟ بمعنى عندما نقرأ مثلًا عن الاستبداد القمع والتعذيب… نخاف ونرهب نبتعد ونهرب، إذا إخذنا بالروايات التي تتحدث عن هذا كمثال نجدها تحرر وتبرر دون أن تحل أو تحلل لا تعطي بابًا للخروج ولكنها تصف ما هو موجود.

فتقول في نفسك لن أقبل دعوتك ولا أحبذ أن أحضر مناسبتك شكرًا لا أستسيغ أكل وجبتك، أريد أن أخرج من دارك ومستقرك وقرارك أريد النفاذ بجلدي والفرار منك وأن أبتعد عنك كيف السبيل للهروب والخلاص منك، كمية هائلة من الإحباطات تزودنا بها هذه الروايات على روعة مفرداتها وجمال عباراتها والتشويق في حكاياتها، ولكنها تترك أثرًا سيئًا بنا ولا تعزز من إمكانياتنا بل تفاقم من خيباتنا، وتتركنا مأسورين بمشاهدها المروعة التي انغرست في وجداننا خائفين أن نفكر مجرد تفكير فيها أو نسترجع بذاكرتنا أحد الأحداث فيها، وبهذا طبقنا «الديستوبيا» بكل ما تحمله من معنى على أنفسنا.

وكأننا ساعدنا الاستبداد وأوجدنا له الأرض الخصبة لزرع شروره وموضع قدم لممارسة فجوره، وقدمنا له الدعاية المجانية لا لنقف أمامه ونحاربه بل لنهرب منه، نحاول أن نبحث عن مخارج وحلول للتخلص من قبضته والابتعاد عنه، وليس مواجهته عززت بنا الجبن وأخافتنا من الباطل وهو أمام الحق لا يماطل، ولكن ما أحدثه فينا هو ما يتمناه كل مستبد فاجر؛ وطاغية ماكر يريدك أن تجبن وتخاف تبتعد وتهرب يصل بك الحال بأن تركع له قبل حتى أن يرفع سوطه، ربما قبل أن يتحدث معك أو يوجه إنذارًا شديد اللهجة إليك، بمجرد أن يومئ برأسه لك ويرمقك بنظره ستتغير كل ملامحك وأحوالك فأنت أصبحت مفتتًا من الداخل نفخة بسيطة لن تجد نفسك، معادلة سيكولوجية تركبت داخل معامل نفوسنا. 

خوف شديد + عدم ثقة + اضطراب نفسي = استسلام.

تمامًا كمن يشاهد أفلام الرعب وتستهويه لا تعطيه القوة ولا القدر على إزالة الخوف من صدره، بل تعمق من جراح خوفه وحتى وإن كان يعلم أن هذا الخوف غير مبرر، وأنه لا يعدو أن يكون سوى فيلم وكل مشاهده كاذبة ولا تمت للحقيقة بواقع أو صلة لا من قريب ولا بعيد، ولكن يبقى هذا الأثر حينًا من الدهر وبالرواية خوفًا من القهر، لا تتمنى نهائيًا أن تكون أحد أبطال هذه الروايات أو حتى شاهدًا عليها وتكتفي فقط أنك أحد مالكيها وتنظر لأقرانك بأنك من قارئيها.

إذا أخذنا الثورة الفرنسية مثالًا فسنجد من قام عليها وأججها هم الشباب، لو كانت هذه الروايات موجودة في عصر الثورة الفرنسية هل كان لها أن تنجح بل هل كانت قامت من الأساس؟ وهل لو كان «لابويسيه» الفتى الغر  في حينه قرأ هذه الروايات هل كان سيكتب (مقالة في العبودية المختارة)؟

من يقبل على هذه الروايات في الأغلب هم فئة الشباب الذين يعتبرون محرك الأمة، وهم شعلة الفتيل التي تقدح شرارتها من رأس الغرير لتضيء الطريق، وهم من بيدهم إيقاف إحساس الألم لها وبث الأمل من جديد بها، وهم المحرض الأساسي للأمة لزيادة الهمة لاستكمال المهمة وعدم الوقوف أو الاستسلام والخنوع للثورات المضادة، التي تحاول بشتى الطرق أن تحيد مسارها وتغير قرارها حتى لا يكتمل مشوارها، كي لا تحظى بكامل مطالبها وحقوقها ومكتسباتها التي يحول بين الأمة وبينها هذا المستبد، فهم وقود الثورات في وجه جميع الطغاة لإزالة الغمة والصعود بالأمة إلى القمة، وهم من يستطيعون تغيير كل المعادلة الاستبدادية التي فرضت عليها وكسر قيودها التي قيدتها، وأوقفت تطورها ومنعت رفعتها والارتقاء بها وانتشالها من الحضيض الذي غمست به وقاع المحيط الذي أغرقت فيه لتحلق عاليًا في سماء الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد