بالتطرق إلى موضوع العادات والتقاليد، نجد الكثير من الأشخاص، إن لم يكونوا جميعهم أو أغلبهم، عندما يسمعون كلمة عادات دائمًا ما يلحقونها بكلمة تقاليد أو العكس تمامًا، فهم يميلون لربط الكلمتين وإعطائهم معنى موحدًا مشتركًا. وهذا سبب مقنع ووجيه لارتباطهم الدائم في معظم مجالات الحياة، فلا نكاد أن نذكر الأولى حتى نتبعها بالكلمة الثانية. وإن كانت العادات هي مجموعة الأمور التي اعتدنا على القيام بها منذ الصغر، وهي عائدة إلى ما قام به الآباء والأجداد على امتداد حياتهم بشكل متفاوت. أما التقاليد فهي الموروث الثقافي الذي ورثناه عن الآباء والأجداد القدامى، وأصبح بالنسبة لنا كالكتب القديمة أو المراجع. من ناحية أخرى ومن المنظور اللغوي فالعادة «والجمع: عادات» هي الأمور المألوفة، والتي اعتاد الفرد على القيام بها دون جهد ولفترة زمنية معينة، أمَا التقليد «والجمع: التقاليد» فيمثل الموروث الثقافي لفرد أو فئة أو مجتمع عن آبائه وأجداده.

ولكل بلد أو مجتمع أو مجموعة من الناس عاداتها وتقاليدها التي تميزها وتعكس طابعها الثقافي والحضاري، وعلى الرغم من تشابهها واقترابها في بعض الأحيان إلا أن المرء يستطيع تفريق الشخص واكتشاف ثقافته أو مجتمعه من خلال ما يقوم به؛ أي من خلال عاداته وتقاليده. إن العادات تتكون مع مرور الأيام وتوضع لضبط السلوكيات، فنقوم بوضع شروط والتزامات متعارف عليها، على الرغم من أنها قد حكمت الكثيرين وأسرت حرياتهم، فنرى أن تلك العادات والتقاليد قد تكون خاضعة للتطوير والتعديل أو حتى لإلغائها، وذلك لتحسين سير المجتمع ومجاراة التطور في آن واحد، إلا أن بعض منها قد لا يستطيع المرء تغييرها أو حتى مساس حرف منها.

فما الذي يحل بعاداتنا وتقاليدنا نحن العرب، هل تطرأ لبعض من التعديلات والتغيرات، أم أنها توشك على الاندثار؟

في أيامنا هذه، وبما أننا في القرن الحادي والعشرين، ونظرًا للتطورات التكنولوجية الكثيرة التي تتجدد كل يوم، بل كل ثانية، كان ولا بد من التعديل على عاداتنا وتقاليدنا، فإحدى عادات العرب، والتي لطالما اشتهرنا بها، ألا وهي «إكرام الضيف» فكان إذا جاءنا ضيف أكرمناه ثلاثة أيام على أكمل وجه. لكن من الجدير بالذكر أن هذا التقليد لم يختف أو ينته إلا أنه قد خف، فاعتبر البعض أن إكرام الضيف لثلاث أيام وإقامة الولائم على شرف حضوره هو تبذير واضح بحد ذاته. فقام المجتمع ودون تفكير أو حتى إعلان مسبق ينذر بتغيير هذا التقليد والتقليل منه. فإذا جاءنا اليوم الضيف لا تستطيع إلا وأن نظهر له كرمنا وجودنا فننفق من أموالنا عليه خلال الزيارة، ونقدم له ما لذ وطاب من طعام، حلويات، فواكه ومشروبات. فحتى يومنا هذا ما زلنا نحتفظ بهذه الصفة الحميدة، صفة الكرم الذي تسبق العربي أينما حل وذهب.

إلا نتيجة الأزمات منها الأمنية والاقتصادية للأسف دفع العديد من أبناء الوطن العربي إلى تركه والتوجه للعيش في مجتمعات جديدة.

فما الرابط الذي قد يربط اندثار عاداتنا بالتوجه والعيش في المجتمعات الجديدة؟

بالخروج من مجتمع شرقي إلى مجتمع غربي تختلف فيها أغلب التقاليد والعادات لا بد من القادم للمجتمع الجديد أن يتعلم ويعايش العادات الجديدة بكل ما فيها، فيحاول المرء الاندماج في المجتمع، والتأقلم مع أبنائه الجدد عبر القيام بعاداتهم وتقاليدهم، والتمثل بهم حتى يظهر لهم أنه إنسان عصري قابل للتغيير، وأن كل تلك العادات المتشبثة به، يمكنه بسهولة خلعها وارتداء حلة جديدة. نعم إنه أمر جيد أن يدخل الإنسان ويستطيع التأقلم بسرعة في مجتمع مغاير لكن المشكلة ليست باتباع تقاليدهم وعاداتهم، إنما دفن عاداتك وتقاليدك ونسيانها وحتى في بعض الأحيان التبرؤ منها. إن العيب في تركك لعاداتك ليس بمشكلة فهي عادة اعتمدتها أنت أو أجدادك أو قسم صغير من الناس . فترك التقاليد التي هي بمثابة خصائص وركائز ارتكزت عليها مجتمعاتنا العربية، هنا تكمن المشكلة الكبرى. فمن بعض العادات التي بدأت اليوم تختفي كالاجتماع في الأمسيات بين الأصدقاء والأقارب وشرب الشاي الساخن على مدفأة النار أو حول الحطب، أو اجتماع العائلي صباحًا والملاقاة بوجه بشوش ثم الانتقال لمائدة الفطور التي تجمعهم سويًا، كل هذه وغيرها بدأت بالاختفاء. قد يقول المرء في نفسه لا بأس على هذا فقد ينشغل المرء بأمور، وخصوصًا في عصر التطور والسرعة، عصر سأطلق عليه عصر السريع الصغير المضغوط، أصبح مجتمعنا مشتت غير مرصوص. فقد نصت تقاليدنا دائمًا وأبدًا المجاورة للجار وتقديم يد العون له، صيانة شرفه واعتبار عرضه وشرفه كعرضي وشرفي. من مجاراة الجار إلى المروء مرورًا بالنخوة والشهامة وإظهار الشجاعة وإنصاف الحق إلى كل ما يملك الإنسان من صفات حميدة نبيلة اعتدنا على إظهارها. من تلك الصفات ننتقل بخيالنا لأيام كان لا يخلُ بيت العائلة من أولاده وأحفاده فنرى الجد والجدة تقلدهم سلسلة من الأحفاد التي يعتبرونها كعقد من اللؤلؤ. يا لها من أيام جميلة مليئة بالذكريات والمشاعر والأحاسيس الدافئ، إنني أحمدُ الرب على تجربة التقاليد وإن لم يكن إلا البعض منها، ففي عصر أنا ابن جيله والذي قد سبق ووصفناه، وإن لم يكن مفصلاً لكنه قد رسم في مخيلتك صورة صغيرة عنه.

يقول بعض للناس إن مثل ذلك التقليد هو مضيعة للوقت وللناس أعمالها ومسؤولياتها، وعلى المرء أن يهتم بشؤون عائلته، ولكنني لم أتخيل يومًا أن التخفيف منها قد يؤدي إلى اختفائها تمامًا، فبتنا لا نشهدها إلى ما قل وندر وفي يوم من الأيام قد لا نراها أيضًا.

إن تركنا لِأهم التقاليد والعادات سيؤدي مما لا شك فيه لتركنا الصغيرة منها فعندما يبدأ المرء بالتخلي عن مبادئه فسيتخلى بعدها عن كل شيء، وخاصة عندما تكون نحو الأسوأ. نعم نحو الأسوأ فما أراه بعيني في شبابنا قد لا يلاحظه إلا قلة منا، لقد فقدوا مميزاتهم وخصائصها وانصبغوا بأخرى، لقد أزالوا حلتهم. لن أتكلم عما أشاهده فهو يفوق الوصف ولا أسمح لكلماتي ولقلمي أن يتلطخ بهذه الأفعال الفظيعة. ولكن هذا الأمر خطير جدًّا، إنه يهدد وجودنا وهويتنا، شعوبًا كان لها عظمتها، إنه يمحي حضارةص بأكملها، إنه يمحي ثقافةً وتاريخًا.

الكثير منا لا يستطيع تصور تلك المخاطر، ولكنني سأعطيك مثالاً سهلاً بسيطًا على فقدان أحد المقومات والخصائص، فمن منا لا يعرف طبخة «المجدرة» التي تتكون من إما من برغل وعدس وإما أرز وعدس، فإذا استبدلنا العدس بالحمص لن تدعى بعد «مجدرة»، وهذا لأنها اختلفت بمكون واحد فقط، فما بالك بتغير عدة مكونات، وهكذا أنت ستفقد حلتك العربية وخصائصك التي تميزك عن غيرك.

فيجب منا إعادة إحياء العادات والتقاليد وزرعها من جديد علينا أن نحافظ على أنفسنا، على أولادنا، على أجيال ستأتي لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد