المسلمون الذين لا يهتمون بالسياسة يحكمهم السياسيون الذين لا يهتمون بالمسلمين.

نجم الدين أربكان.

مقولة شهيرة جدًا وقد قرأها ربما كل قارئ عربي ومثقف وكل مطلع على السياسة وألاعيبها ومدارسها وأساليبها   ومداخلها ومخارجها. عبارة تحمل في طياتها الكثير من المعاني التي لو بحثنا وراءها لوجدنا سياسيًا عبقريًا حاول كثيرًا لفت أنظارنا إلى أهمية عدم فصل الإسلام دينًا وقانونًا وشريعة عن السياسة وعدم عزله عن عملية تسيير مصالح البلاد والعباد ووضع هذه العملية تحت مجهر الإسلام ومصالح المسلمين قبل كل شيء.

بالنسبة لأمي وهي ليست امرأة أمية بل هي امرأة متعلمة ومثقفة ربما لم تسمع يومًا بمقولة أربكان هذه، أو أنها لا تهمها حيث إنها تعتبر العمل بها ربما يؤذي صاحبه في بلاد كبلادنا، بلاد يحكمها الحزب الواحد الذي ينام على سريره المفرد الفرد الواحد، نعم فأمي امرأة تخاف على بنيها شأنها شأن كل أم ومن حقها وقد رأت وسمعت ما حدث هنا وهناك عن أشخاص تعاطوا بالسياسة قولًا أو تحريرًا بما لا يعجب ولاة الأمور فغيبتهم أقبية السجون، منهم من حوكم ومنهم من تمنى لو أنه حوكم حتى، ولكن ليس ثقة بقضاء ولي الأمر بل لأنه يعلم أن فرصته في وداع أمه ربما تكون أكبر لو وصل قاعة المحكمة، وهذا فقط لمن تعاطى السياسة بشكل عام ربما فكيف لو تعلم أمي أن هناك من ما زال يدعو جهارًا نهارًا إلى نبذ العلمانية وعدم الرضوخ للموج الهائل الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية والذي يحمل الضغوطات بمختلف أنواعها لا تبدأ من التهديد بتدمير بلادنا فوق رؤوسنا ولا تنتهي بتولية الظالمين علينا.

المشكلة الآن يا أربكان التي لم تفهم قصدك أمي شأنها شأن الكثيرين، أن الأمر قد تعدى مسألة أن يحكمنا سياسيون لا يهتمون بالمسلمين في حال تركنا العمل بالسياسة تحت مظلة الإسلام، المشكلة أن الرضوخ والاستسلام لمطالبة المجتمع الدولي غير المباشرة بعلمنة دولنا ومجتمعاتنا تحت حكم من لا يقيمون الوزن لديننا سوف يعني أننا لن نخسر فقط حريتنا في تولي أمورنا بأنفسنا للأبد، بل سيطول الأمر هويتنا وثقافتنا ومبادئنا وعاداتنا وتقاليدنا وسيطول كل ما يميزنا كأمة أخرجت يومًا لكي تقود الأمم، أي أننا سنخسر الرسالة التي نحملها وإن كنا اليوم في الواقع غير جديرين بحملها ولكن هذا لا يعني أن نتخلى عنها فقط لأن العالم أجمع قد اتفق على أن هذا الدين يجب أن يحصر في المساجد وحدها ولا تكون له ولاية على شؤون الناس ومصالحهم ولا على علاقتنا نحن الدول الإسلامية بباقي الدول.

أما أنت يا أمي فيجب أن تعلمي أن الخطر الذي يهدد وجودنا على المدى البعيد أكبر بكثير من مجرد اعتقال هنا وآخر هناك، عملية التوعية عما هو قادم علينا بعد أن استكمل أعداؤنا عملية إعادة تهيئة الوعي العربي العام بأهمية العلمانية وأهمية تنحية الدين عن الاستمرار في التدخل بكل شاردة وواردة في حياتنا وحياة دولنا، أمر جد مهم لأنه يعرفنا بحجم المؤامرة التي تقودها الدول الغربية، مؤامرة هدفها البعيد تحويلنا إلى دول تابعة بالكامل دول لا تحدث أي ضجيج يمكن أن يؤرق نومهم وعيشهم الرغيد، دول ستسلم لهم بأيديها كل ثرواتها وأدواتها وقدراتها من دون حرب مباشرة أو مكر وخداع.
دول ستبيع يومًا ألف فلسطين وفلسطين ودول لن تساوم الصهاينة أو غيرهم حتى مجرد مساومة إذا ما أرادوا يومًا ركوعًا أو سجودًا لهم أكثر إذلالًا.

هذا ويمكننا أن نلاحظ الحملة الإعلامية والسياسية والدبلوماسية الضخمة التي تلت مباشرة السنوات العجاف التي كان عنوانها الأساسي «شعار الحرب على الإرهاب» أو بمعنى آخر الحرب على الإسلام والحرب على العقل العربي والوعي المسلم بما يضمن غسله تمامًا وتحويله بمشاهد الحرب والدمار التي كان بطل مسرحيتها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى عقل يقبل التغيير التام والاستسلام لما سيأتي لاحقًا ولما يسمى باستبدال القوانين الوضعية بالشريعة، واستبدال العلمانية بالإسلام، وبالتالي الاستعباد من جديد بشكل أكثر حضارة وأكثر إنسانية.

هذه الحملة التي بدأت تؤتي ثمارها على أكثر من مستوى وتصبح علنية ومباشرة شيئًا فشيئًا وبدأت تتكشف بشكل واضح ويتم المجاهرة بها في المسارح الدولية والإقليمية وحتى على المستوى الشعبي، فيمكنك أن تلاحظ الدعوات إلى اعتماد الأنظمة السياسية التي تطبق في الغرب كأنظمة تحكم كل شيء وكأن الشريعة الإسلامية هي من تحمل وزر دمار وضعف الدول العربية والإسلامية، فتراهم بكل صفاقة يهاجمون دينهم الذي يشكل هويتهم وشخصيتهم الفطرية الأصيلة متناسين أن ما أوصلهم إلى ما أوصلهم إليه هو بعدهم عنها وتجاهلهم لها. وما تصريح سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة عن أن دولًا في الشرق الأوسط سماها بالاسم وتكلم بكل ثقة باسمها دول «تعتبر دولًا إسلامية تمامًا تحارب العلمانية والليبرالية على الأقل ظاهرًا» عن أنها دول لا ترى نفسها إلا دولًا علمانية في غضون السنوات العشر القادمة؛ فما هو إلا دليل صريح على توجه أنظمتنا لتأخذ بالأوامر الصادرة من البيت الأبيض والتي تقضي أن يتم تنفيذ الخطوة التالية بعد أن تهيأ الوضع لهم، وهي أن يبدؤوا بترتيب الأمور من أجل تغيير قوانين وأنظمة بلادهم بما يعطي المجال لإبعاد كل ما هو إسلامي عن الساحة.

هذا أو الحرب الضروس الحرب التي لن ترحمنا والتي سوف تحولنا إلى رماد، حرب أعلن عنها كبار الساسة والقادة الأمريكيين خاصة، تكون فيها أمريكا وإسرائيل الرابح الأكبر أو الوحيد وتصبح فيها بلادنا أثرًا بعد عين ونكون نحن الضحايا الوحيدين لها، في هذه الحرب لن تقف إسرائيل عند حدود فلسطين التاريخية بل ستتعداها إلى الكثير من دول الجوار، ولن تقف أمريكا عند قواعد في معظم بلادنا بل سوف تتعداها إلى الاحتلال المباشر، وذلك هو هنري كيسنجر اليهودي الأمريكي وأشهر وزراء الخارجية الأمريكيين يقولها علانية في لقاء صحفي له مع صحيفة الديلي سكيب البريطانية الحرب قادمة لا محالة وسيكون المسلمون فيها رمادًا وتكون بلادهم جزءًا من دولة إسرائيل الكبرى.

كل هذا ثم يخرج علينا من يدعون أنهم أصحاب رسالة تريد الخير لأمتنا مبشرين بفجر جديد تسوده العدالة والمساواة ويكون شعاره الحرية والتقدم والرفاه، متناسين أننا مسلمون وأن لنا خصوصيتنا وتفردنا عن باقي الشعوب والأمم متناسين أن التاريخ قد أثبت أن لا عهد ولا ولاء لأحفاد الحملات الصليبية الذين يتلونون في كل عصر بلون جديد ويطلقون في كل قرن شعارًا يخدم مصالحهم ويلائم إرادتهم.

إن تنحية ديننا بكل ما جاء به أو ببعضه ومحاولة ممارسة السياسة بعيدًا عنه والدفاع عن مصالحنا بالطريقة التي يفرضها علينا عدونا ما هو إلا استسلام يرتدي قناع المقاومة. نعم هو محاولة يقوم بها الكثير ممن يسمون أنفسهم بالنخب السياسية حتى يظهروا بمظهر الأبطال أو بمظهر المسؤول الملتزم على الأقل، محاولة لن تفيدنا ولن تنفعنا بل على العكس سوف تجعلنا نستسلم ونسلم كل شيء بدون أي تكلفة حقيقية تقع على عاتق أعدائنا.

نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا غيره أذلنا الله.

عمر بن الخطاب.

لم يتجاوز ابن الخطاب الحقيقة في مقالته هذه بل على العكس فقد أصاب عين الحقيقة رضي الله عنه فقد علم والمسلمون في عزهم أن أي محاولة لتغيير طريقتنا في سياسة حياتنا على مختلف الصعد سوف تعني في النهاية كل ما نعيشه اليوم من ذل وقهر وحسرة، كان يعلم أن نظامنا هو الأقدر على مدارات مصالحنا والأجدر بالاتباع، فلا ديمقراطيتهم تناسبنا ولا علمانيتهم فيها العلاج لأمراضنا، كل ما نحن بحاجة إليه هو أن نعتمد الإسلام الاعتماد التام في علاقتنا مع غيرنا وفي علاقتنا مع بعضنا البعض فقد أثبت التاريخ من غير شك أننا لن تقوم لنا قائمة بغير ذلك ولن نعود لنتسلم راية القيادة إلا بذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

هنري كيسنجر في لقاء صحفي مع الديلي سكيب يتنبأ بحرب سيكون العرب فيها الخاسر الأكبر
عرض التعليقات
تحميل المزيد