كلنا نعلم مدى اختلاف الشعب المصري وغرابة طباعه، لست في حاجة إلى تكرار مصطلح (شعب متدين بطبعه) كنوع من السخرية للتدليل على كلامي؛ لأن هذا المصطلح لم يعد قديمًا فحسب بل لم يعد يستطيع أن يعبر عن حالة الفصام الرهيبة التي أصبحنا نعاني منها.

“وهي إزاي مطلعة شعرها من الطرحة كده؟؟” كان هذا هو تعليق إحدى الفتيات على صورة “إسراء الطويل” الأخيرة وهي تبكي في المحكمة بعد أن تم تجديد حبسها، الحقيقة أني وقفت كثيرًا أمام هذا التعليق وأعدت قراءته مرة تلو الأخرى حتى تجمدت أصابعي على اللاب توب، فلم أستطع استعراض باقي التعليقات، إذن فمشكلة “إسراء” الوحيدة هي فقط شعيراتها التي خرجت من الحجاب وليس اعتقالها التعسفي وقدمها التي لم تعد تستطع المشي عليها، والتهم المضحكة التي ألقت بها في السجن منذ أكثر من أربعة أشهر ومازال حبسها يجدد، فلنحمد الله إذن كنت أحسب أن الموضوع أخطر من هذا.

 

تعليق هذه الفتاة ليس فقط نظرة تافهة من إحدى المغيبات بل هو أسلوب حياة أصبح يعيشه المصريون في كل مواقفهم حتى التافه منها، على سبيل المثال إحدى قريباتي تتابع بشغف أحد المسلسلات الهندية ومتأثرة للغاية بالظلم الواقع على البطلة من قبل حماتها متناسية أن ابنها على وشك الطلاق بسبب مشاكلها مع زوجته، فهي إذن من تقوم بدور الشر في واقعها مع ابنها ومع ذلك تستمر في إظهار تعاطفها مع البطلة كلما ذكر المسلسل وإلا ستصبح قاسية القلب!

 

موجة (السكيتزوفرينا) هذه لم تنته عند هذا الحد فظهرت منذ أكثر من عام موضة الاعتراف بالحب وطلب الزواج بالورود والقلوب في الحرم الجامعي، ومع أني لا أستطيع أن أهضم فكرة عودة إحدى هؤلاء الطالبات إلى بيتها بعد هذا المشهد الرومانسي فتسألها والدتها عن سبب تأخيرها وعن سر باقة الورود الممسكة بها فتجيبها “لا تقلقي فأنا فقط تمت خطبتي لـ”ميدو” أخيرًا بعد علاقة دامت أربع سنوات، وكان المدرج مزدحمًا بكل الفضوليين الذين يحبون التصوير، لهذا تأخرت فأنت تعرفين هذه الأمور”.

الأغرب من هذا أن هذه الأشياء أصبحت تروق للجميع، الكل أصبح يشهق انبهارًا بهذه الرقة المفرطة والفتيات بالطبع أصبحن يتحسرن علي حظوظهن ((الهباب)) التي ألقت في طريقهن الرجال الساديين الذين لم يطلبوا أيديهن في الحرم الجامعي قبل ذلك.

 

الحقيقة أني تابعت هذه الصور وقصتها مرارًا وتكرارًا أملاً في الإحساس بمشاعر هؤلاء المنبهرين ولكني لم أنبهر، لم تحدث لي تلك القشعريرة التي شعرت بها عندما قرأت قصة وفاة “الرسول صلى الله عليه وآله وسلم” حين طلب أن يتم تمريضه عند “السيدة عائشة” حتى توفي هناك أو مواقفه “عليه أفضل الصلاة والسلام” مع زوجاته جميعًا أو حتى حديثه الذي لا ينقطع عن “السيدة خديجة” بعد وفاتها بسنوات، أعلم أنه أفضل الخلق أجمعين وليس من المنطق مقارنته بأحد، ولكن المثير للغيظ هو اختزال الرومانسية في باقة ورد و(شو) إعلامي أمام الجميع معللين ذلك أن أهم مظاهر الحب إظهاره للجميع.

 

يذكروني بقصة حكاها أحد المعتقلين عن زوجته التي يحبها كثيرًا ولكنه لم يستطيع أن يسلم عليها أو حتى يمسح دموعها لأنها منتقبة ولا يستطيع أن يكشف عن وجهها أمام الجميع في صالة الزيارة، فكان يطلب منها ألا تأتي لزيارته وأن تدعو له من المنزل وحسب، كانت معظم التعليقات على هذه القصة هي اتهام الزوج بالرجعية والقسوة، وماذا سيحدث إذا كشفت عن وجهها أو حضنتها أو حتى قبلتها فهي زوجتك؟ أهذا تقديرك لزوجتك التي تجرها خلفك في المعتقلات؟ تطلب منها ألا تأتي مرة أخرى؟ كم أنت فظ وقاس! الكل ترك معاناة الزوج وخوفه وغيرته على زوجته  وشرع يبحث عن باقة الورد وخاتم الخطبة الذي يحب رؤيته في الحرم الجامعي متناسين أننا نحكي عن معتقلين هنا وليس عن مراهقين في جامعات خاصة.

 

أمثلة سكيتزوفرينا هذا الشعب لا تعد ولا تحصى، فلم أتحدث بعد عن تلك السيدة التي خرجت في مظاهرة حاشدة تضامنـًا مع كلب الهرم الذي قتله صاحبه من التعذيب حاملة لافته مكتوب عليها (أنا بنت الكلب اللي مات) وعندما طلبت منها سيدة تحمل رضيعها المريض ثمن الدواء الذي لا تمتلكه هاجموها وطردوها من المظاهرة متهمين إياها بالاندساس لتخريب مسيرتهم الإنسانية العظيمة، أو عن هؤلاء المغردين المعجبين بصورة “جاستن ترودو” رئيس وزراء كندا الذي يحيي فيها فتاة مرتدية الحجاب دون أن يسلم عليها بيده متناسين أنهم هم أنفسهم من يهاجمون الحجاب ويعتبرونه بدعة وليس شرعًا، نفس منطق المعجبين بتركيا وتقدمها المذهل والمكانة التي وصلت إليها ولكنهم يكرهون “أردوغان” لأنه إسلامي، هذه أمثلة تحتاج إلى جلسات علاج نفسي ولا يسعني أن أفعلها في مقالي القصير.

 

المشكلة الأكبر من هذا كله هو عدم اعترافهم أن هناك مشكلة أصلاً، يعتقدون أن ازدواجية المعايير أمرًا طبيعيًا والتلون أصبح أسلوب حياة، ثم تأتي مرحلة التبجح والتعالي وهذا رأيي وأنا حر، أتريديننا أن نتعاطف مع “إسراء” مثلاً وشعرها خارج من الحجاب؟ أم تريديننا أن نفرح في موت الكلب بهذه الطريقة البشعة أيتها السادية؟ أم تريديننا أن نحب “أردوغان” الذي يكره مصر ويتآمر عليها؟ من الواضح أنك من تجار الدين طالما سخرت من كوننا متدينين بطبعنا، لا فائدة من النقاش مع داعشية مثلك!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد