تمرُّ السنونُ، وتتوالى علينا أعياد كثر، ببهجتها المعتادة حينًا، والمصطنعة حينًا آخر، بحلوها، ومرِّها، والابتسامات العفوية التي ترتسم على شفاهنا كي تضع حدًّا أخيرًا للحزن. وتأتي لتوضح لنا سنة الجزاء في الكون!

لا يبقى أي عمل جيدًا كان أم سيئًا من غير أن يتوج في نهاية المطاف بهدية أو عقاب. فيكون العيد جزاء مستحقًّا بعد شهر كامل من الكفاح، والجهاد، والترقب، الأمر أشبه بعدَّاء يخوض سباق ماراثون، حتى تكاد أنفاسه تنقطع، ثم يرتوي في نهاية عدْوه، بماء بارد، عذبٍ، ينسيه كل تعبه.

ونسمع بالموازاة مع ذلك، قول المتنبي المأثور:

عيدٌ بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ

بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ؟!

وتأتي الانطباعات متمايزة، بين تجديد، وعدمه، من الروتين العادي المسيطر على حياة البعض، إلى متعة الشغف والإنجاز التي تجعل البعض الآخر في كل يوم نسخة مغايرة عن نفسه، إلى النكسات في قلوب المتعبين، الذين يفتشون في العيد عن عزاءٍ، وسلوى، وبلسمٍ للجراح.

وتفصلنا عن العيد أيام قلائل، ونستذكر من جديد قول المتنبي:  «أم بأمر فيك تجديد؟» وتأتي التجديدات، تباعًا، مخالفة للمتوقع في زمن وباء منتشر، وحجر مفروض، لا شك عندنا في أنه سيفقد العيد حلاوته وبهجته، وطابعه المميز عن باقي الأيام، ونقف صامتين أمام كلمات المتنبي، نذكر الزيارات الممنوعة أو «المقيدة»، والحدائق المغلقة، وصوت خطوات الراجلين إلى المسجد صباحًا، وجلجلة التسبيحات، والتكبيرات!

ونتحسر على راحة بال بعد كل مصافحة، ولا مبالاة عقب كل عناق، وقرب، وحكايات كثيرة!  وهذا الرافعي حينما فقد سمعه قال : «وأنا لو ارتد علي السمع لن يطربني شيء من النشيد، ما كان يطربني في صدر أيامي، نشيد الناس في المساجد صبيحة يوم العيد: الله أكبر! الله أكبر!»، كأنما اكتسى عيدنا حلة، لا نقول عنها إنها سوداء، حتى لا ننظر بمنظار اليأس، والتشاؤم، لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون بيضاء ببقع رمادية، يتأرجح فيها أحدنا، بين واقع مفروض، ومحاولات خلق البهجة والأمل، والابتسامة.

من هنا، تتاح لنا الفرصة، رغمًا عنا، كي نستذكر كل الأعياد التي كانت من المفترض أن تمر بائسة على قلوب المنكسرين، فتواضعوا لها، وفرحوا بها، وننظر عن كثب، إلى المرأة التي ثكلت ولدها، والزوجة التي دفنت زوجها، والرجل الذي فقد رجله، وأحلام مسروقة، من طفولة عابرة، وغربة قاسية، وتراب ندفع كل أموال الدنيا، كي نطأه، ونشمه، ونستمع إلى همسات الحب المدفون في الركام، وصلصلة الحروب التي لم تدع أحدًا إلا وأورثته شيئًا منها، مهما كان صغيرًا، فتصبح الحروب طابعًا، وهوية!

من هنا، نتعلم سنة «التغير»، وفن «التأقلم»، وكيف نتعامل مع مصير مشترك، وكيف نحسن صوغ المقال لكل مقام، رغمًا عن الظروف والمشكلات، من هنا، نصيغ وقفات التأمل، ونكتفي من أنانية لازمتنا لسنين، وجعلتنا نغض الطرف، وندعي الصمم، الأمل باق لا ينقطع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حال, عيدنا
عرض التعليقات
تحميل المزيد